|
وتستمر المعركة بين الدم والغطرسة
عزالدين بوغانمي
(Boughanmi Ezdine)
الحوار المتمدن-العدد: 8198 - 2024 / 12 / 21 - 18:47
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
يتمتع المشرق العربي بموق بالغ الأهمية ليس فقط من جهة المخزون الاستراتيجي للطاقة الذي يكتنزه، بل أيضا لأنه مملوء بكثافة رمزية استثنائية وتنوع ديني وإتني واجتماعي، جعله مسقط رأس الأنبياء ومنبت الديانات. ولعل هذا ما يجعل المنطقة بأسرها دائمة الاضطراب. وبالتالي محلّ أطماع الغزاة، من قورش الفارسي وإسكندر المقدوني، إلى جورج بوش الإبن، وصولا إلى بنيامين نتنياهو.
مع ظهور حركات التحرر الوطني، وتراجع الإمبراطوريات الاستعمارية التقليدية في القرن العشرين، صُمّم المشرق العربي وفق خريطة سياسية تعسّفية رسمها الفرنسيون والبريطانيون أعقاب الحرب العالميةالأولى. وكان من نتيجة تلك الخريطة ولادة دويلات هشة ممزقة جغرافيا وديمغرافيا، مملوءة بكل أسباب النزاع وسوء الإدارة وانعدام الثقة سواء فيما بينها أو بينها وبين شعوبها، حتى تظلّ هذه الثغرات أبوابا مفتوحة على مصراعيها لجميع أنواع التدخلات الخارجية. في مواجهة هذه الأوضاع المريضة لهذه الدول المأزومة جينيًّا، شهدت المنطقة حلقات متلاحقة من محاولات صدّ الهيمنة الأجنبية، فرفعت مصر عبد الناصر شعار حق الأمة العربية في الاستقلال والوحدة والسيادة على مواردها. وماهي الا سنوات حتى تم كسرها بوحشية الطيران الإسرائيلي، ومكائد الأنظمة الوظيفية والنشاط الغربي المعادي لعبد الناصر.
بعد وفاة عبد الناصر بتسع سنوات انتصرت الثورة الإيرانية، وانخرطت في مشروع مُشابه للمشروع المصري المهزوم، فأطردت البعثة الديبلوماسية الاسرائيلية من طهران، وفتحت سفارة فلسطينية في نفس المبنى الذي كانت فيه سفارة الكيان الصهيوني. ودعمت المقاومات والجماعات المسلحة مثل حزب الله في لبنان بداية الثمانينات، ولاحقا الحشد الشعبي في العراق، والحوثيين في اليمن، وأخيرا حركات المقاومة في فلسطين.
بعد 7 أكتوبر حوّل مجرم الحرب نتنياهو غزة إلى مقبرة، وشرد سكانها وقصفهم وجوعهم وحرمهم من إنسانيتهم، ثم انتقل شمالا للحرب مع حزب الله، وقصف ميناء الحديدة ردعًا للحوثيين. وظل يضرب مخازن الأسلحة والمواقع العسكرية في سوريا. ثم قضم جزء من التراب السوري مستغلا تداعيات سقوط نظام الأسد والفراغ الذي خلفه هذا الحدث الكبير.
علينا أن نعترف أن طوفان الأقصى أسفر على انكسار محور المقاومة وتفككه، خاصة بعد اغتيال حسن نصر الله ويحيى السنوار. وأن ننتبه إلى أن نتنياهو اليوم يسعى أولا وقبل كل شيء إلى ضم الضفة الغربية، ثم إعادة احتلال غزة وتهجير أكثر ما يمكن من سكانها. ولقد تضاعفت عمليات اغتيال المقاومين الفلسطينيين في الضفة وتدمير قرى بأكملها ومصادرة الأراضي، استعدادا لضمّ كامل، بما يعني تهجير قسري لثلاثة ملايين فلسطيني إلى شرق نهر الأردن. ونتنياهو لا يخفي رغبته في ذلك بعد أن أعلن مشروعه في إقامة دولة يهودية تمتد من العراق إلى مصر.
العدوان وتغيير ميزان القوى بالعنف العسكري. كانت حرب إسرائيل على غزة غريزية وانتقامية، بينما تميزت حربها على لبنان بعناية التخطيط المبني على الإنجازات الاستخباراتية النوعية، وأيضا على همجية القصف المُركز المستمر، الذي نجح في تغيير ميزان القوى في المنطقة بأسرها.
إن سلسلة النجاحات التكتيكية التي حققتها إسرائيل على الجبهتين الفلسطينية واللبنانية أمرا واقعا لا جدال فيه. وهذا ما شجع نتنياهو على التفكير في "شرق أوسط جديد" مُشيَّدًا بالسلاح ومختوما بإرادة صهيونية توراتية مُعلنة. لا شك أن إسرائيل غيرت موازين القوى، ونجحت في شل المقاومة إلى حد كبير. وصارت تشعر بقدرتها على إملاء التصميم الإقليمي الجديد، ضامنة صمت الأنظمة العربية من جهة، وتواصل تدفق إمدادات السلاح والمال من الولايات المتحدة والدول الغربية، واستمرار الدعم السياسي والغطاء الدبلوماسي في ظل نظام دولي ينهار، وآخر لم يتشكل بعد.
غير أن الأهم ليس نجاح إسرائيل في تغيير ميزان القوى، بل في مدى قدرتها على تحويل هذا النصر العسكري إلى إنجاز سياسي. من المعلوم أن كل محاولات إعادة تشكيل الخرائط السابقة باءت بالفشل، بدءًا بمحاولة مناحيم بيغين. مرورا بمبادرة بوش الابن التي قادتها الولايات المتحدة عام 2003. ونعتقد أن نتنياهو أيضا سيفشل مثلما فشل الذين جربوا قبله لعدة أسباب: أولا: ضمان الهيمنة المستديمة يحتاج إلى موالاة الدول المحيطة وانخراطها في مشروع إعادة رسم الحدود، وهذا غير متوفّر كما يعتقد الكثيرون. ثانيا: يُخطئُ من يفسّر صمت الأنظمة العربية على الجرائم الإسرائيلية في غزة ولبنان على أنه موالاة لنتنياهو. بل هو صمت مرتبط أساسا برغبة هذه الأنظمة في إضعاف إيران من خلال تدمير ما تراه أذرعها الحديدية خارج حدودها وعلى وجه الخصوص حماس وحزب الله . أما إذا استثنينا هذا "التوافق الضمني" أو تقاطع المصالح العرضي في التخلص من المقاومة، فقطعا ستنشأ معارضة عربية شديدة لمحاولات تهجير الفلسطينيين إلى مصر والأردن. وكذلك لن يكون من مصلحة مصر والسعودية الصمت على الهيمنة الإسرائيلية على سوريا. ولا هو من مصلحة تركيا أيضا.
ثالثا، جرائم الحرب التي ارتكبت في غزة لن تسمح بتحويل الانتصارات العسكرية إلى هيمنة سياسية مستقرة. بل ستستمر القضية الفلسطينية مشتعلة أكثر من أي وقت مضى. بل أنها ستزيد من التهاب الجروح في بيئة عربية مضطربة وغير مستقرة لأسباب لا تُحصى ولا تُعدّ.
وأخيرا، الهيمنة الإقليمية تتطلب قدرة على إدماج المهزوم. فيما تحاول إسرائيل بناء هيمنة تستبعد العرب وتستعبدهم وتحرمهم مقدراتهم. وهذا لن يكون مقبولا حتى بالنسبة للأنظمة العربية المطبعة والأكثر ميلا للتعاون مع إسرائيل، لأنها تدرك أنها ستدفع ثمن جرائم إسرائيل في حق الفلسطينيين.
سيفشل مشروع نتنياهو. ولن يكون هنالك استقرار ولا آمان بالقفز عن الحقوق الوطنية الفلسطينية. هذه الحقوق التي تمثل جوهر الحقيقة التي يخوض الكيان الصهيوني مغامراته الإجرامية للتهرّب من مواجهتها. ومهما طال الزمن سسنتصر الدم على الغطرسة.
#عزالدين_بوغانمي (هاشتاغ)
Boughanmi_Ezdine#
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
مفاعيل الإبادة الجماعية، وبداية تفكك الأبارتهايد الصهيوني
-
المعارضة التونسية ستندثر إذا لم تُعيد تعريف نفسها وتتصالح مع
...
-
مسار تغيّر النظام الدولي ودلالات صعود اليمين المتطرّف في فرن
...
-
اليسار يحتاج تنظيما جديدا
-
سوق التّجارة بمعاناة اليهود في أزمة كساد خانقة.
-
نهاية رواية مُزوّرة!
-
إسرائيل، مشروع مُفتَعَل
-
طوفان الأقصى، ضربة في مقتل.
-
الولايات المتحدة الأمريكية شريكة في الحرب على غزة
-
صُنّاع الكراهية يقودون المظاهرات ضدّ الكراهية!
-
سقوط حلّ الدولتين، أو انتصار الدم على المدفعيّة
-
هل تغيّر الموقف الأمريكي تُجاه الحرب على غزة؟
-
كلّ الجهود ضدّ حرب إبادة الشعب الفلسطيني
-
حذار من الإفراط في التفاؤل
-
الحرب على غزّة ودواعي تطوّر الموقف العربي الرسمي
-
محنة الماركسيين التوانسة في علاقتهم بمقولتي -الدولة- و -الدي
...
-
نظام الفساد والإرهاب، لا يبني ديمقراطية.
-
العرڨ دسّاس
-
الدولار لن يبقى سيّد العالم
-
هل التعدّد المذهبي والطائفي والثقافي هو سبب تخلّف العرب؟
المزيد.....
-
مصادر تكشف لـCNN كواليس إقالة مسؤولين أمريكيين بعد لقاء ترام
...
-
مشكلات في هواتف آيفون بعد تحديث iOS الجديد!
-
طريق -موراغ- الجديد في غزة، مزيد من الضغط على حماس أم تحضير
...
-
كيف ستتأثر الصين برسوم ترامب الجمركية الجديدة؟
-
اكتشاف علاج واعد للصدفية بدون آثار جانبية
-
موسكو: لا بديل عن التفاوض لتسوية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي
...
-
قلق إسرائيلي من -اقتباس مزعج- في كلمة الرئيس الأمريكي
-
والد ايلون ماسك يعترف أنه وابنه معجبان ببوتين ويعتبرانه -مثا
...
-
رئيس صندوق الاستثمار المباشر الروسي يكشف عن نتائج زيارته لوا
...
-
صحيفة بريطانية: إيران تتخلى عن الحوثيين وتسحب عناصرها من الي
...
المزيد.....
-
سلطة غير شرعية مواجهة تحديات عصرنا-
/ نعوم تشومسكي
-
العولمة المتوحشة
/ فلاح أمين الرهيمي
-
أمريكا وأوروبا: ملامح علاقات جديدة في عالم متحوّل (النص الكا
...
/ جيلاني الهمامي
-
قراءة جديدة للتاريخ المبكر للاسلام
/ شريف عبد الرزاق
-
الفاشية الجديدة وصعود اليمين المتطرف
/ هاشم نعمة
-
كتاب: هل الربيع العربي ثورة؟
/ محمد علي مقلد
-
أحزاب اللّه - بحث في إيديولوجيات الأحزاب الشمولية
/ محمد علي مقلد
-
النص الكامل لمقابلة سيرغي لافروف مع ثلاثة مدونين أمريكان
/ زياد الزبيدي
-
العولمة المتوحشة
/ فلاح أمين الرهيمي
-
تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ
/ غنية ولهي- - - سمية حملاوي
المزيد.....
|