أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - بن سالم الوكيلي - **زيارة الموت: عندما يكون لديك -وقت إضافي-**














المزيد.....

**زيارة الموت: عندما يكون لديك -وقت إضافي-**


بن سالم الوكيلي

الحوار المتمدن-العدد: 8197 - 2024 / 12 / 20 - 17:47
المحور: كتابات ساخرة
    


في أحد الأيام العادية، بينما كنت غارقا في زحام الأعمال والمشاغل اليومية، جاءني الموت فجأة. لم يكن ذلك الزائر المظلم الذي طالما تخيلته في أحلامي الكابوسية، بل كان شخصا لطيفا للغاية. ابتسم لي ابتسامة هادئة وقال بصوت مريح: "لا تقلق، سأمنحك بعض الوقت لإنهاء كل ما عليك من مهام."

شعرت بالحيرة، هل يعقل أن الموت الذي لطالما كان يمثل نهاية كل شيء، قد يمنحني فرصة للراحة أو لإنهاء عملي؟ وتساءلت في نفسي: "هل من الممكن أن هناك شيئا أكثر سخرية من ذلك؟ الموت يمنحني مهلة؟" لكن فضولي كان أقوى من كل شيء، فسألت الموت بنبرة لا تخلو من الدهشة: "هل تعتقد أنني سأتمكن من إنهاء كل شيء في الوقت الذي منحتني إياه؟" فأجابني بابتسامة عريضة تحمل شيئا من الحكمة: "أوه، هذا هو السؤال المهم! هل تعتقد أن العمل سينتهي حقا؟"

هنا، بدأت أراجع في ذهني جميع أعمالي المتراكمة. تساءلت بصدق: هل هناك حقا نهاية لهذه المهام التي لا تنتهي؟ وهل سأتمكن من إتمام قائمة المهام التي تبدو وكأنها تتضاعف وتتكاثر بلا توقف؟ كان ذلك سؤالا معقدا، لأنني كنت دائما أعتقد أن هناك وقتا معينا سينتهي فيه العمل، لكن مع مرور الوقت، كان يظهر المزيد من المهام التي تستدعي الانتباه.

تذكرت لحظات كثيرة مررت بها في حياتي العملية، حيث كنت أقول لنفسي بكل حماسة: "اليوم سأتمكن من إنهاء هذا المشروع!"، لكن ما أن ينتهي اليوم حتى أجد نفسي في وضع مشابه، حيث أبحث عن قهوتي في زوايا المكتب وكأنني في سباق مع الزمن. ثم سرعان ما أبدأ في إعداد قائمة جديدة من المهام فور أن أنتهي من إتمام واحدة. وكأنني في دوامة لا تنتهي، حيث تتوالى المهام والالتزامات كما لو كانت أمواجا لا تتوقف عن الارتفاع.

حينها، شعرت بشيء من الاستفهام تجاه مفهوم الحياة العملية. هل نحن فعلا نعيش في تلك الدوامة التي لا تنتهي؟ هل نحن ملزمون دائما بالركض وراء إنجازات لا تنقضي؟ كنت أعتقد دائما أن العمل، مهما كان، سينتهي في لحظة ما، لكنني بدأت أدرك أن الموت كان محقا. ربما كانت الإجابة على سؤالي "هل ينتهي العمل؟" هي ببساطة: لا. فكلما انتهينا من مهمة، تظهر أمامنا مهمة أخرى، بل وأكثر من ذلك، تصبح المهام أكثر تعقيدا، بينما نحن فقط نركض وراءها دون أن نلتفت إلى ما حولنا.

فجأة، في خضم هذا التفكير، شعرت بشيء غريب. هل يجب علي أن أظل عالقا في هذا الماراثون اللانهائي من الأعمال؟ لماذا لا أستغل الوقت الذي منحني إياه الموت للراحة أو للاستمتاع؟ قررت أن أضع قائمة جديدة، لكنها لم تكن كالقوائم السابقة المليئة بالمهام التي يجب إنجازها، بل كانت قائمة مليئة بالأشياء التي أرغب في فعلها قبل أن يأتي الموت مرة أخرى. قررت أن أبدأ في التخطيط للقيام بأشياء كنت دائما أرغب في فعلها ولكنني كنت أؤجلها بحجة العمل. بدأت أضع خططا لرحلات قصيرة إلى أماكن جديدة، وصرت أخصص وقتا للقراءة التي طالما تأجلت، كما بدأت أفكر في مشاهدة الأفلام التي فاتني مشاهدتها، بل حتى تناول الآيس كريم في منتصف الليل، كما كنت أفعل عندما كنت صغيرا.

حين عاد الموت ليطمئن علي، وجدني أضحك وأستمتع بوقتي. سألني بابتسامة ساخرة: "ألم يكن لديك أشغال لتنجزها؟" فأجبته وأنا أضحك: "نعم، لكنني اكتشفت أن الحياة أقصر مما كنت أعتقد. أفضل أن أستمتع بها الآن بدلا من أن أكون أسيرا لقائمة مهام لا تنتهي." نظرت إلى الموت، فوجدته مبتسما بتفهم، وقال لي: "أنت محق، ولكن تذكر، سأكون هنا دائما، لذا استمتع بوقتك، ولكن لا تنس أن تأخذ قسطا من الراحة بين الحين والآخر."

وهكذا، تعلمت درسا غريبا ومهما في نفس الوقت: أن الحياة قصيرة جدا لنقضيها في الركض وراء مهام لا تنتهي، وأنه من الضروري أن نجد لحظات للراحة والتمتع باللحظة الراهنة. فعلى الرغم من أن العمل قد لا ينتهي أبدا، فإن الحياة نفسها تستحق أن نعيشها بكل تفاصيلها، دون أن ننسى أن نأخذ قسطا من الراحة في الطريق.



#بن_سالم_الوكيلي (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- -اللصوص الجدد: كيف تسرق أفكار الآخرين وتجعلك عبقريا في عيونه ...
- جنود الحدود: صمت الأبطال في مواجهة اللامبالاة-
- النقيب زيان: -الحرية مشروطة بالصحة-
- -غالي أم رخيص؟! الرأي في قفص الاتهام: هل يمكن للزواج أن يغير ...
- -حافلة النقل الحضري تقرر تغيير مسارها إلى عالم المقاهي!-
- خطبة الوداع: كوميديا السلطة وسخرية الواقع السوري
- -العالم للبيع: تخفيضات نهاية السيادة أم نهاية السنة؟-
- -أنا والنكوة: حين تتحول الهوية إلى مسرحية كوميدية متعددة الف ...
- -هل هرب بشار الأسد... أم أن الشائعة أسرع منه؟-
- بدون فلتر: -بين حدود الأوهام وصراعات الواقع: مغامرة الهروب و ...
- ضحكة في زمن الحروب: السلام والتعايش بين الفلسطينيين والإسرائ ...
- بدون فلتر: يا للقدر! من قطع الأشجار إلى قطع الرؤوس
- العزوبة: حياة الرفاهية أم فخ الوحدة؟
- الاستمطار الصناعي في المغرب: حلم السماء التي لا تمطر
- نتنياهو في قبضة القدر: اعتقال غفلة!
- -أزمة الكهرباء في جماعة وليلي زرهون: بين التهميش والتمييز وغ ...
- -وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربية: إعلان رسمي عن علما ...
- حقوق الإنسان: من خطب المهرجانات إلى متاجرة الضمير
- -محمد وأمنية ما بين السخرية والفلسفة: حين يتلاقى حسن الخاتمة ...
- عريضة شعبية تطالب الملك بمحاسبة وزير العدل وهبي وإقالته من م ...


المزيد.....




- نازلي مدكور تتحدث في معرض أربيل الدولي للكتاب عن الحركة التش ...
- مقتل المسعفين في غزة.. مشاهد تناقض الرواية الإسرائيلية
- مقتل عمال الإغاثة.. فيديو يكشف تناقضا في الرواية الإسرائيلية ...
- -القيامة قامت بغزة-.. فنانون عرب يتضامنون مع القطاع وسط تصعي ...
- لقطات فيديو تظهر تناقضاً مع الرواية الإسرائيلية لمقتل المسعف ...
- سوريا.. تحطيم ضريح الشاعر -رهين المحبسين- في مسقط رأسه
- نيويورك تايمز تنشر مقطعاً مصوراً لمركبات إسعاف تعرضت لإطلاق ...
- وفاة الفنان المالي أمادو باغايوكو عن عمر ناهز 70 عاما بعد صر ...
- -نيويورك تايمز- تنشر فيديو لمقتل عمال الإغاثة في غزة مارس ال ...
- سفير ايران لدى موسكو: الثقافة والفن عنصران لاستقرار العلاقات ...


المزيد.....

- فوقوا بقى .. الخرافات بالهبل والعبيط / سامى لبيب
- وَيُسَمُّوْنَهَا «كورُونا»، وَيُسَمُّوْنَهُ «كورُونا» (3-4) ... / غياث المرزوق
- التقنية والحداثة من منظور مدرسة فرانكفو رت / محمد فشفاشي
- سَلَامُ ليَـــــالِيك / مزوار محمد سعيد
- سور الأزبكية : مقامة أدبية / ماجد هاشم كيلاني
- مقامات الكيلاني / ماجد هاشم كيلاني
- االمجد للأرانب : إشارات الإغراء بالثقافة العربية والإرهاب / سامي عبدالعال
- تخاريف / أيمن زهري
- البنطلون لأ / خالد ابوعليو
- مشاركة المرأة العراقية في سوق العمل / نبيل جعفر عبد الرضا و مروة عبد الرحيم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - بن سالم الوكيلي - **زيارة الموت: عندما يكون لديك -وقت إضافي-**