عباس علي العلي
باحث في علم الأديان ومفكر يساري علماني
(Abbas Ali Al Ali)
الحوار المتمدن-العدد: 6626 - 2020 / 7 / 23 - 19:01
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
هنا تتجلى الأزمة في أول التصور والتكوين ونحن لازلنا في بدايات التكوين ولم نتجاوز الولادة الفكرية بعد ولم نبسط الأفكار التي قدست الذات والحرية وأهملها الحقائق الكونية الشاملة بما فيها مفهوم الخالق الرب والغيب وسطوة العقل وقدرته على التحكم والتميز لمصلحة الذات الاستثنائية السوبر كما نجدها مثلا عند نيتشه وغيره من الفلاسفة الوجوديين((لقد كتب الكثير حول: »موت الرب في فكر نيتشه « فهو يقول »إن الرب قد مات وسيظل ميتا ونحن الذين قتلناه وموت الرب بمعنى ما يحرر الإنسان لكنه بمعنى آخر,يعبر عن الجانب السوداوي في فلسفة نيتشه,و يؤدي بنا إلى عصر العدمية.. .. Nihilism ومن ثم فان تأكيد الإنسان لنفسه وإثباته لذاته يقوم على خلفية هي عبارة عن عالم عبثي لا معقول absurd ليس فيه اله,والقانون الذي يحكمه هو قانون العود الأبدي.
وكما هي الحال في فلسفة كيركجور ,فان فلسفة نيتشه تنتهي بمفارقة Paradoxوهي مفارقة نستطيع أن نخمن بأنها أدت إلى دمار الفيلسوف نفسه. لقد كتب أحد شراح نيتشه وهو م. م. بوتسمان M. M. Bozmannيقول((إن إرادة تمجيد الإرادة, إرادة الإنجاز والانتصار, إرادة أن نقول للحياة: »نعم وآمين مقرونة بعقيدة العود الأبدي الجامدة و بألوان الفشل والعذاب الكثيرة التي عاناها, كانت تسبب لنيتشه في بعض الأحيان, فيما يبدو . آلاما ذهنية رهيبة وفي استطاعتنا أن نقول أن هذه الآلام هي بمعنى ما آلام العصر وقلقه وقد تركزت في الفيلسوف,وهو أيضا ذلك القلق الأساسي المميز للوجودية)) .
إذا كان موت الرب وقيمه وأخلاقياته تسبب هذه الآلام وهذا الدمار فالعقل الذي ندعي حاكميه وقدرته بالفكر على صنع الوجود يرفض هذه النتيجة ويرفض انفصاله عن خالقه أي يرفض ادعاء موت الرب لان في الحقيقة وجوده مرتهنا بوجود الرب ارتباط جدليا بين العلة والنتيجة.
فلا يكفي أن ندعي موت الرب ولكن ما هو البرهان الوجودي على ذلك فان كان ما قيل عن الآلام والدمار فهو ليس ببرهان وجودي بل هو في حقيقته أزمة إثبات وجودية متصلة بالمدعي ولم تنال من الدعوى شئ.
إن قيمة الفكر تنبع من قدرته على الفهم والفهم هو الذي يقود إلى العلم المحض الذي لا يمكن لأي كان إنكاره فالمنكر للحقائق العلمية أما متجاهل الحقيقي أو غير قادر على مجاراتها ومن ثم يدعي ما يخالفها وهذا يقودنا إلى حقيقتين مؤكدتين تتعلق بنوعية الفكر واتجاهاته((إن أشياء الحياة، وظواهرها، تدرك في شعور المؤمن في سياق مركب شامل يضم أطراف الوجود كله من حيث المبدأ والغاية،والسنن الجارية فيه وفي هذا المركب الشامل الذي يضع المؤمن فيه أشياء الحياة، وظواهرها سوف يعطي كل شيء منها، قيمته الحقيقية فلا (يحقر) ولا (يصمّ).وقد نشأ في أطوار الحضارة المادية، وحتى في الحضارة المادية المعاصرة اتجاهان مختلفان، يمثلان الانعكاس الطبيعي للنظرة المادية إلى العالم.
(الأول) : الاتجاه القائم على تصنيم ظواهر الحياة وبالخصوص ما يتعلق منها بالهوى، والشهوة ومن هنا أصبحت عبادة الدنيا البديل الطبيعي عن عبادة الله، والتواجد الشعوري للدنيا في نفس الإنسان بديلاً عن التواجد الشعوري لله، وحقائق الوجود الكبرى.
(الثاني) : الاتجاه القائم على تحقير الحياة، وتفريغها من أي معنى وهنا يشعر الإنسان بالغربة في هذا الوجود والعبث، والغثيان، والقلق، الخ.
نتيجة لعدم الإيمان بارتباط هذا الكون بمبدأ وغاية وجودية والإنسان المؤمن في ارتباطه بالله عز وجل وتعامله مع العالم من خلال التصور الإسلامي له يضع الأشياء، والحياة في مواضعها الطبيعية ويمنحها القيم التي تستحقها)) .
هذه هي حقيقة الأزمة التي عاشها نيتشه وغيره من الفلاسفة والمفكرين الوجوديين حتى أصبحت سمه ملازمة للفكر الوجودي العام,هي نفس الإشكالية عند الحداثين من أمثال ديفيد هيوم وما اكتشفه من عدم ملائمة العقل الكلية لإدراك الوعي وعدم قدرته الذاتية لذلك((فالفلسفة الشكية التي أرساها هيوم بينت أن العقل -الذي تم تأليهه مع ديكارت- لا يستحق هذا المقام، لكن هيوم لم يقدم بديلا للوعي الأوروبي، وإنما أيقظه من وثوقيته العقلانية فقط، فكان بشكيته مزعزعا للعقلانية ويقينها! ألم يقل كانت واصفاً تأثير كتب هيوم فيه: "أيقظني هيوم من سباتي ألاعتقادي"!! وهي كلمة وإن كان كانت يعبر بها عن صيرورة تطوره الفكري الذاتي.
فهي عندنا حلقة معبرة عن صيرورة تطور المشروع الحداثي في لحظة حرجة من تاريخه، وهي لحظة بدء مراجعة أدواته ومعاييره المعرفية.كانت لحظة هيوم بداية التشكيك في المرجعية العقلانية، ولم يكن بإمكانه أن يرسي بديلا أفضل وأوثق من العقل، فالحس الذي تعلق به هيوم يؤول في النهاية إلى العقل الذي سيصوغ المعطيات الآتية من الحواس. ولذا كان من الطبيعي لهيوم الذي شك في العقل ألا يقدم أي بديل ينأى عن الشك.لكن لحظة كانت.
كانت لحظة مشروع أعمق وأوسع من تشكيكات هيوم، فقد كانت لحظة مساءلة شاملة لأرضية الحداثة سواء في ثوبها العقلاني أو في ثوبها التجريبي. والخلاصة التي انتهى إليها كانت هي أن العقل محدود، وليس قدرة معرفية مطلقة، إنه محدود بحدود عالم التجربة والظاهر. إلا أن هذا الفكرة المنهجية التي فجرها كانت, كانت إرهاصًا بضربة ماحقة للوعي الفلسفي الحداثي)) .
لقد أنكر المقدسون للفكر وقدرته الذاتية على اكتشاف الوعي الذي يقود الحركة الكلية في المجتمع من خلال تحكيم قواه الذاتية ميدانيا فيسعد الإنسان بهذه الحركة ويكشف عن حقيقة وجوده,أنكروا السند الذي تقوم عليه نظريتهم الخاصة فعادوا إلى حيث تبين لهم إن الابتعاد عن ما أرادوا تجاوزه هو في الحقيقة خداع طوباوي لا يصمد أمام شمولية الحركة الوجودية ذاتها وتعلقها بالوجود والعدم مع قوى أكبر من العقل ومن الفكر ومن الذات نفسها.
لقد أنكروا في الحقيقة العلم ذاته من خلال تضعيف القوى العقلية ووصفها بعدم الملائمة وعدم القدرة فالعلم كوصف مادي وجودي وفق السياقات المادية التي يؤمنون بها هو((عندما نقول إن العلم هو كل هذه البنود فنحن ندخلها ضمن دائرة المحدد له والمستفاد منه لابد أن يكون محددا ضمنيا ومستفاد منه واقعيا فلا يدخل ضمن إطار اللهو والمتعة حيث لا يمكن لكليهما إعطاء نموذج معرفي كامل ومنسق وفق بيانات أساليب التفكير التي تنحت من الشيء فتحيله أشياء ويظل إطار اللهو والمتعة مقتصرا على قيمته السلوكية أكثر من كونه محددا لمفاهيم معرفية وعلى سبيل المثال يعد علم الاجتماع علما فهو مجموعة من المحددات وتتفرع هذه المحددات لكي تنقسم إلى عناوين أكثر شمولية كمغزى العلاقات الاجتماعية على سبيل المثال ثم إلى منهج وهو الغاية الرئيسية من العلاقات الاجتماعية كالترابط الأسري والتي قد تؤدي إلى مفاهيم مضاعفة تتحول إلى معارف كان يحتاج التعاطف إلى منهج متكامل من المفاهيم المتراكمة والمؤدية إليه بحيث يقف الإنسان على ارض أكثر ثباتا من مجرد مغزى العلاقات الاجتماعية,الفلسفة على سبيل المثال تعد علما فمحددات الفلسفة التعاريف التي تدخل ضمن المضامين الداخلة في كل منهاج يتضمنها ويمكن تقسيم الفرع الواحد إذا تدارك عالم في الفلسفة الأمر وأصر على اعتبارها علما إلى تقسيمات خاصة .
على سبيل المثال الوجود والعدم وقد يكون ذالك أمرا جدليا خالصا ولكن النتيجة هو منهاج يوصلنا إلى الغاية الإنسانية من ذالك ومن ثم الوصول إلى معارف تخص الإنسان نفسه وان أخطاء المحدد الواحد أو المتعدد لابد إن النتيجة دائما هي معرفية عميقة ومتنوعة تسمح للإنسان بفهم محيطه أكثر وبشكل علمي دقيق)) .
فالعلم الحقيقي يعترف للعقل قدرته الذاتية للكشف والإمضاء ويجعل منه مقياسا على علمية المعرفة من دونها فكيف يمكن من جهة أحرى لمن يدعي العلمية والمعرفة الوجودية أو يؤمن بالحداثة كونها النقيض للمسلمات اللا مادية أن يقلل من ملائمة العقل وينتقص من قدرته للبلوغ التام في صناعة الوعي الشامل.
#عباس_علي_العلي (هاشتاغ)
Abbas_Ali_Al_Ali#
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟