|
العراق بحاجة ماسة الى اعادة التاهيل السياسي و الثقافي
عماد علي
الحوار المتمدن-العدد: 2573 - 2009 / 3 / 2 - 09:37
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
لقد اعتمدت دول عديدة في العالم و بشكل مركٌز على اعادة تاهيل الذات السياسي و الثقافي، بعد مرورهم بالمراحل العصيبة و الحروب، و معاناتهم تحت نير براثن الحكومات المركزية التسلطية ، بعد تحررهم او بعد ان وضعت الحروب اوارها ، و جاءت مراحل اعادة التنظيم و التاهيل في عديد من مجالات الحياة و بالاخص السياسية و الثقافية و الاقتصادية . و من اهم البلدان التي نجحت في مسعاها في هذا الجانب ، اليابان و المانيا الغربية ، و بلدان شرق اوربا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي ، وهم مستمرون لحد اليوم . اليوم، يمر العراق بما فيه و ما جرت عليه من التغييرات باوضاع و ظروف مشابهة لحد كبير ، و لو قارنناها تكاد تكون متطابقة ، الا ان عملية التاهيل غير واضحة و لم نحس بها سوى كانت لاسباب سياسية داخلية او تدخلات الاخرين ، او الظروف الاجتماعية و موروثات التاريخ التراكمية التي ترسخت في اذهان و عقول الافراد و العائلات ومكونات المجتمع المختلفة ،و افرازات الصراعات السياسية في جو من الفساد المتعدد الاوجه ، ستبني سدا منيعا امام الهدف المصيري و هو ضرورة اعادة التاهيل لكل فرد ، و ضمان الاصلاحات ، و ان امكن التبديل الجذري ، و اتباع الطرق العصرية الملائمة الاخرى للاجيال الجديدة . مرٌالعراق بحروب طويلة مدمرة مؤثرة على جوهر و عقلية المواطن العراقي ، و شوهت سياق معيشة المجتمع و غيٌرت بشكل كبير من نفسية المواطن ، و هكذا في كل ما يخص الفرد و المجتمع ، ناهيك من المؤثرات السلبية للانظمة المتعاقبة من الملكية و الجمهورية العسكرية و الانقلابات الى عهد الدكتاتورية ، و ما اتبعوها من الفلسفات و نظم مختلفة متغيرة بين حين و اخر . اما اليوم بعد التحرر ، لم تستقر الاوضاع لكي تستهل عملية اعادة التاهيل طويلة الامد . و هذه ما تحتاج الى خطط و برامج متعددة ، و دراسات وابحاث مختلفة و متنوعة المصادر و بآليات و اساليب علمية مدروسة ، و تحتاج الى مؤسسات حكومية و مدنية و اجتماعية و ثقافية و مهنية و اعلامية ، والى الاحزاب التقدمية المؤمنة بالاصلاح واعالة التاهيل و التنظيم في كافة المجالات . اول المراكز الهامة المؤثرة و التي يجب ان يبدا فيها التغيير هو العائلة و ثقافتها و كيفية تثقيف العائلة و اصلاح التوجيهات فيها ، ففي العائلة تبدا اولى الخطوات من مباديء اعتماد الديموقراطية و كيفية اتخاذ القرارات ، و تعليم الطفل على فهم الاوضاع العامة ، و تقوية مهاراته الفكرية و تعاملاته و تفكيره و اخلاقياته و تاهيله للمشاركة بالفعالية المطلوبة و بحرية كاملة في النظام السياسي ، وليس بشرط ان يكون حزبيا ، و انما بادائه الواجبات الضرورية في اي اختصاص يمتهنه ، و هو المشاركة المفروضة في تقدم البلد ، والعامل الهام في تحديد مدى تاهيل الطفل في العائلة ، و رفع المستوى التعليمي و الثقافي للعائلة بشكل عام . و من ثم ياتي دور المدرسة كوسط ثقافي تعليمي صحي ، ان كانت نظيفا من حيث الفكر و العمل و العقلية التي تدبرها ، و الوسائل و الاليات و المناهج العلمية و الانسانية المصيرية التي تعتمدها ، و يجب ان تكون المدرسة دافعا رئيسيا في تشكيل التوجهات المراد ترسيخها في عقلية الطالب وفق اسس تقدمية ، و الخطوة الاولى تبدا بالاصلاح في المناهج و عملية ادارة المدارس . و من ثم ياتي دور المنظمات المدنية المؤثرة التي يجب ان تكون لها مهمة خاصة و غير عمومية الهدف و العمل ، و من ثم تاتي اهمية الجماعات الاجتماعية المحتكة مع بعضها كجماعات الاصدقاء ، و زمالات العمل اي جماعات الانداد المتداخلة مع بعضها ، و بعد ذلك مراكز الشباب و النوادي الاجتماعية و الثقافية و الاتحادات و النقابات المهنية و الجمعيات الحرفية و المهنية و من ثم الاحزاب السياسية التقدمية التي تقع على عاتقها الواجبات الوطنية الثقافية العديدة ، الا ان اوضاع اكثرية احزاب العراق لا تبشر بالخير من هذا الجانب ، لانشغالهم بالصراعات المصلحية البحتة ناسين دورهم الرئيسي و المركزي في التاثير على الوضع السياسي الثقافي الاجتماعي الاقتصادي العام للمجتمع ، و متناسين نفسهم ومن اولى واجباتهم هو تصرفهم كقدوة في تحقيق تلك الاهداف و هم الوسط الاجتماعي الطليعي الاول لاعادة تاهيل المواطن العراقي بطرق صحيحة . ان العصر الذي نعيش فيه من التقدم التكنولوجي و الصناعي و الاتصالاتي بشكل خاص يحتم علينا ان لا نغفل دور الاجهزة الحديثة المؤثرة على عقلية و تصرفات المواطن بشكل غير مباشر . و لذلك يمكننا ان نقول ان اخطر الادوار و ادقها تقع على عاتق وسائل الاعلام ، لتوضيح و تنوير الطريق امام المواطنين و بيان الحقائق من اجل تاهيلهم سياسيا و ثقافيا و اجتماعيا ، و للاعلام الدور الفعال المؤثر اليومي على حياة المواطنين ، و كيفية تاهيلهم في وضع و ظروف خاصة ، كما يمر بها العراق بعد المآسي و النكبات و النكسات المتكررة . و لنا ان نقول اخيرا ان الواجب الكبير الذي يجب ان تتحمله الحكومة العراقية و مؤسساتها هو تبني كافة المؤسسات التي ذكرت فيما سبق، من اجل نجاح تاهيل المواطن العراقي و اعادة تنظيم حياته و ضمان مستقبل اجياله و هو الهدف الاهم في هذه المرحلة الحساسة ، و العراق بحاجة ماسة اليه .
#عماد_علي (هاشتاغ)
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
اهمية ادارة التغيير و كيفية قطف ثمار الصراعات و الاختلافات
-
لماذا اختيار هذا الوقت لكشف تورط النواب العراقيين في الجرائم
...
-
اليسارية بين العقل والحرية
-
ماذا يحل بالمنطقة بعد نضوب النفط فيها ؟
-
هل ستنتظر امريكا نتائج انتخابات الرئاسة الايرانية لتتحذ الخط
...
-
على هامش اعلان نتائج انتخابات مجالس المحافظات في العراق
-
عوامل اخفاق اليسار في انتخابات مجالس المحافظات
-
سيطرة اليمين في اسرائيل و تاثيراتها على علاقاتها في المنطقة
-
التراجع في تطبيق ديموقراطية اقليم كوردستان
-
ترسيخ الفلسفة و النهج التربوي التقدمي اولى مهامات الدولة الح
...
-
اهمية الاصلاح داخل الاحزاب و تاثيراته على الوضع العام في الع
...
-
هل سيشهد اقليم كوردستان فوضا خلاقة و تغييرا جذريا
-
النهضة بحاجة الى العقلية التقدمية المنفتحة
-
كيف نسد الطريق امام محاولات تفريغ الديموقراطية من مضمونها
-
بعد انتخابات مجالس المحافظات.. الوضع العراقي الى اين ؟
-
استمرارية الاصلاحات دليل تطور و تقدم اي بلد
-
اوجه التغييرات المحتملة بعد انتخابات برلمان كوردستان المرتقب
...
-
اوجه التغييرات المحتملة بعد انتخابات برلمان اقليم كوردستان ا
...
-
الدور التركي بعد حرب غزة و تلاسنات دافوس
-
دور النقد البناء في بناء الاحترام المتبادل بين السلطة و المو
...
المزيد.....
-
كاميرا تلتقط الملك تشارلز يعزف بـ-جزرة- أمام فرقة موسيقية
-
السعودية.. تسجيل زلزال في المنطقة الشرقية وهذه قوته وسببه
-
رأي.. إردام أوزان يكتب عن مسار تصادمي في سوريا: هل تقلب تركي
...
-
ليبيا تعتزم رفع دعوى ضد إسرائيل بسبب كارثة تعود لعام 1973
-
ماذا تعني الرسوم الجمركية الأمريكية وكيف ستؤثر على الدول الع
...
-
تصنيف 65% من قطاع غزة كمناطق إخلاء | بي بي سي تقصي الحقائق
-
-كيف استدعى رئيس الوزراء المجري عاصفة إلى بلاده؟- – مجلة بري
...
-
بعد الزلزال المدمر.. مستشفيات ميدانية تنتشر في ميانمار لمواج
...
-
تحذير فلسطيني من مخطط إسرائيل لرسم حدود -امبراطوريتها الأسطو
...
-
احتجاجات في مدن وبلدات سورية تنديدا بالهجمات الإسرائيلية (صو
...
المزيد.....
-
حَرب سِرِّيَة بَين المَلَكِيّات وَالجُمهوريّات 1/3
/ عبد الرحمان النوضة
-
سلطة غير شرعية مواجهة تحديات عصرنا-
/ نعوم تشومسكي
-
العولمة المتوحشة
/ فلاح أمين الرهيمي
-
أمريكا وأوروبا: ملامح علاقات جديدة في عالم متحوّل (النص الكا
...
/ جيلاني الهمامي
-
قراءة جديدة للتاريخ المبكر للاسلام
/ شريف عبد الرزاق
-
الفاشية الجديدة وصعود اليمين المتطرف
/ هاشم نعمة
-
كتاب: هل الربيع العربي ثورة؟
/ محمد علي مقلد
-
أحزاب اللّه - بحث في إيديولوجيات الأحزاب الشمولية
/ محمد علي مقلد
-
النص الكامل لمقابلة سيرغي لافروف مع ثلاثة مدونين أمريكان
/ زياد الزبيدي
-
العولمة المتوحشة
/ فلاح أمين الرهيمي
المزيد.....
|