|
مصرُ.. بعضُها يأكلُ بعضَه
حسام محمود فهمي
الحوار المتمدن-العدد: 2348 - 2008 / 7 / 20 - 00:14
المحور:
اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان
قتلي بالعشراتِ في النوباريةِ وبنها، مرتضي منصور يفشلُ في دخول نادي الزمالك بعد معاركٍ ساخنةٍ، مشجعون أهلاوية يسكبون البنزين علي زملكاوي ويُشعلون فيه النيران، مشاحناتٌ بين مسلمين وأقباط بسببٍ وبدونِه، خناقاتٌ بين الجيران، اشتباكاتٌ بين قائدي السياراتِ في الشوارعِ، تلاسُنٌ وكيدياتٌ بين زملاءِ العملِِ. لم يعدْ للصراعِ مكانٌ ولا زمانٌ، تقومُ القيامةُ علي شعرةٍ، كلُه يكرهُ كلَه؛ التطاحنُ ليس حكراً علي الفقراءِ ولا الجهلاءِ، تمادي فيه أصحابُ السلطةِ والمالِ والشهاداتِ وبرَعوا، شهاداتٌ بلا علمٍ ولا ثقافةٍ. المجتمعُ المصري يمرُ بمحنةٍ تقتلعُه، تهددُ وجودَه كلَه، لا سماحةَ ولا تعقلَ، منتهي الفُجرِ في الخصوماتِ؛ الحوارُ غائبٌ، التشنجُ والعصبيةُ والانفعالاتُ غالبةٌ، مصرُ كلُها تختنقُ. لماذا؟ المسئوليةُ مشتركةُ بين الحكامِ ومعارضيهم والشعبِ، علي حدٍ سواءٍ، ولي إلي غيرِ رجعةٍ زمنُ إلقاءِ التهمِ علي فئةٍ بعينِها. مصرُ تعاني وضعاً سياسياً متردياً طالَ به الأمدُ لأكثرِ مما تحتملُ الطبيعةُ البشريةُ الملولةُ، لم ينجحْ في النهوضِ بالبلدِ اجتماعياً ولا اقتصادياً ولا سياسياً، وجوهُ ممثليه مكروهةٌ لجموحِ تصرفاتِها وفلتانِ ألسنتِها وتجاوزاتِها علي المالِ العامِ. ضاعَت الفرصُ والأرزاقُ واقتصرَت علي الجالسين علي السلطةِ وأهليهم وأدواتِهم من مسئولين علي درجاتٍ شتي. الكلُ مسخرٌ لخدمةِ أهلِ الحكمِ، مواردٌ وأشخاصٌ، هم في نعيمٍ من أسفارٍ وملابسٍ وما لا حدودَ له والشعبُ في نارِ الغلاءِ والتفرقةِ. قدمَ الجالسون علي كراسي الحكمِ المثلَ في كرهِ المعارضين واحتقارِ آرائهم، كرسوا في الشعبِ عدم الانتماءِ بنظامٍ تعليمي فاشلٍ بلا سياساتٍ حقيقيةٍ ولا مساواةٍ، بأشخاصٍ يوضعون في مناصبٍ لمجردِ أنهم بلا رأيٍ ولا فكرٍ ولا إرادةٍ، بإعلامٍ لا يبغبغُ إلا عن الحكمةِ والريادةِ والعدالةِ والمساواةِ، بينما الواقعُ ظلمٌ وقهرٌ وإخفاقٌ؛ خرجت مصرُ بأصفارٍ قياسيةٍ ومرشحةٌ عن جدارةٍ لغيرها. أما المعارضون، فحالُهم حالٌ، يرفعون شعاراتٍ دينيةٍ للاستيلاءِ علي مشاعرِ شعبٍ مطحونٍ مسحوقٍ مسجونٍ مقهورٍ تعيسٍ، بيئتُهم المثاليةُ للحركةِ، هم نصراءُ المستضعفون، هكذا يصرخون. سقطَت شعاراتُهم ودعاواهم منذ مئات السنين، تردي واقعُ من حكمَ بها، يعيدون أنفسَهم، يكررون وكأن الشعبَ بلا ذاكرةٍ والعالمَ بلا عقلٍ كي يصدقونهم. قضاياهم لا تخرجُ عن تقييدِ المرأةِ باعتبارِها أُس البلاءِ، عن ضربِ الإنسانِ بالكرباجِ والعصا والسيفِِ وكأنه خطاءٌ بلا عقلٍ، عن وأدِ أيةِ اختلافاتٍ في الدينِ والعقيدةِ والرأي. المساواةُ عندهم مشروطةٌ بطاعتِهم والانقيادِ في ركبِهم، أما الفرصُ فهي فقطُ لأهلِ حزبِهم. حروبُهم مع طواحين الهواءِ لن يكون لها من وقودٍ إلا الشعبُ، لن يحترقَ ويذهبَ مع الرياحِ سواهُ. يتباكون علي غيابِ الحريةِ وهم ألدُ أعدائها، يهاجمون نظامَ الحكمِ لممارساتِه وهم يفوقونه قهراً وظلماً وتمييزاً وعنصريةً. دعاواهم ذرعَت الكرهَ في شعبٍ يغلي من سوءِ أوضاعِه، كرسَت النفورَ من أي اختلافٍ، في العقيدةِ، في الدينِ، في الملبسِ، حتي في التشجيعِ الكروي. أما الشعبُ، الشريكُ الأصيلُ فيما تردَت إليه مصرُ، فقد تشوه فكرُه وتشوشَ، اختلطَ عنده الحقُ بالباطلِ، من فرطِ ما زُرِعَ فيه من رفضٍ للاختلافِ، من فيضِ ما عاشَ وشاهدَ من ظلمٍ وتمييزٍ وانعدامِ مساواةٍ، بفعلِ من حكموه ومن عارضوهم، بتأثيرِ موروثاتِه الصدِأةِ، لم يعدْ يأنفُ الغشَ، السرقةَ، الكذبَ، الكسلَ، الجبنَ، يمارسُها يومياً، بلا تفكيرٍ. شعبٌ، تدينُه أصبحَ زائفاً فظاً غليظاً، سطحياً؛ شعبٌ، يُسلمُ عقلَه ومالَه لمن يخدعُه. ارتدي الأسودَ القاتمَ والأبيضَ الشفافَ، أطالَ اللحي وعَبِثَ، تذلفاً لثقافةٍ صحراويةٍ لديها المالُ الزائلُ وعقودُ الاستعبادِ وفضائياتُ الكراهيةِ والعنصريةِ والتنفيرِ من الحياةِ والترغيبِ في شظفٍ لا يعيشه من يتربحون منها. كنت عند أحدِ الباعةِ، فإذا به يتمني بحرقةٍ أن تأتي قنبلةٌ ذريةٌ علي الزملكاويةِ!! الصحفُ متخمةٌ بقتلي الطرقِ، الثأرِ، الاغتصابِ، السرقةِ بالإكراهِ. وضعُ اليدِ جريمةٌ مصريةٌ، هي الاستهتارُ بالدولةِ، هي تقنينُ السرقةِ، ما أكثر ضحاياها، هل تستطيعُ الدولةُ استردادَ أرضِها المحتلةِ بوضعِ يدِ من تعتبرُهم مواطنيها؟ مصرُ شديدةُ الهشاشةِ، لموقعِها، لواقعِها، لست متشائماً مع كلِ الأسفِ، أقرأُ حالاً مُراً، الهشاشةُ معروفةُ المآلِ،،
مدونتي: ع البحري http://albahary.blogspot.com/
#حسام_محمود_فهمي (هاشتاغ)
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الثانويةُ العامةُ..وامبراطوريةُ الغشِ
-
المهنةُ: مُفتي فضائياتٍ
-
القاهرة اليوم00 فقط؟!
-
تَحَجبي تَتَزوجي
-
الفوضي في مصر .. غيرُ خلاقةٍ
-
رهانُ الإخوانِ
-
الإلهاءُ العامُ...
-
شبكةُ حزبِ الله..
-
علاوةٌ أم نقمةٌ؟
-
تصعيد المرأة .. بين الشعارات والاعتبارات
-
متي تنتفض الكراسي؟
-
التعليمُ -المميز- وتدميرُ الكلياتِ
-
هل تصبحُ مصرُ خليجيةً؟
-
المدير الزغنن
-
مُغتصَبةٌ جانيةٌ .. وإعلامٌ خائبٌ
-
عندما يُحرَضُ الطالبُ علي المؤسسةِ التعليميةِ
-
لجان الترقيات بالجامعات..جولة جديدة؟!
-
الجودة في التعليم .. الصراحة راحة وأمانة
-
الحق في الميليشيات
-
شركات تخريب الجامعات
المزيد.....
-
رسوم ترامب تثير استنفارا عالميا.. فرنسا تدعو لتعليق الاستثما
...
-
الجزائر: النيابة العامة تستأنف حكما بالسجن خمس سنوات ضد الكا
...
-
عاجل| 10 شهداء في قصف استهدف منزلا في منطقة حي المنارة جنوب
...
-
ما هي الرسوم الجمركية؟ ولماذا يستخدمها ترامب؟
-
الرئاسة السورية تنفي تعيين مؤيد غزلان نائبا للشرع
-
ترامب: سنعمل على حل أزمة غزة المستمرة منذ عقود
-
ولي العهد السعودي والرئيس الإيراني يبحثان تطورات الأحداث في
...
-
مصر.. ضجة حول العملة الورقية مجددا.. هل تم إلغاء الجنيه الور
...
-
الجيش الروسي يحاصر الموانئ البحرية في مقاطعة نيكولايف
-
فرنسا.. ماكرون يزور العريش المصرية لتأكيد أهمية وقف النار في
...
المزيد.....
-
كراسات التحالف الشعبي الاشتراكي (11) التعليم بين مطرقة التسل
...
/ حزب التحالف الشعبي الاشتراكي
-
ثورات منسية.. الصورة الأخرى لتاريخ السودان
/ سيد صديق
-
تساؤلات حول فلسفة العلم و دوره في ثورة الوعي - السودان أنموذ
...
/ عبد الله ميرغني محمد أحمد
-
المثقف العضوي و الثورة
/ عبد الله ميرغني محمد أحمد
-
الناصرية فى الثورة المضادة
/ عادل العمري
-
العوامل المباشرة لهزيمة مصر في 1967
/ عادل العمري
-
المراكز التجارية، الثقافة الاستهلاكية وإعادة صياغة الفضاء ال
...
/ منى أباظة
-
لماذا لم تسقط بعد؟ مراجعة لدروس الثورة السودانية
/ مزن النّيل
-
عن أصول الوضع الراهن وآفاق الحراك الثوري في مصر
/ مجموعة النداء بالتغيير
-
قرار رفع أسعار الكهرباء في مصر ( 2 ) ابحث عن الديون وشروط ال
...
/ إلهامي الميرغني
المزيد.....
|