الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


عاشوراء.. حين تتكلم المدينة

جعفر حيدر
كاتب سياسي _أجتماعي وقاص

(Jafar Haidar)

2026 / 6 / 26
قضايا ثقافية


حين يهلُّ هلال محرم على مدينة الحمزة الشرقي، لا يتبدل التاريخ فحسب، بل تتبدل ملامح المدينة بأكملها؛ فالأزقة التي كانت تضج بأحاديث الناس يغمرها صمتٌ مهيب، والبيوت التي اعتادت دفء الليالي تستقبل الحزن كضيفٍ كريم يعود كل عام حاملاً معه ذكرى الطف الخالدة. كأن المدينة كلها ترتدي السواد، لا على جدرانها وأبوابها فحسب، بل في أعماق أهلها وقلوبهم أيضاً.في مدينتي لا يأتي محرم بوصفه مناسبةً عابرة، بل يأتي كحالة وجدانية يعيشها الجميع؛ الشيخ الذي أثقلت السنين كتفيه، والشاب الذي لم يزل في مقتبل العمر، والطفل الذي لا يدرك تماماً معنى الفاجعة لكنه يبكي لأن الدموع لغةٌ تتوارثها الأجيال قبل الكلمات. هنا يصبح الحسين قضيةً يومية، ويغدو اسمه جزءاً من تفاصيل الحياة، حتى يخال للمرء أن المدينة كلها تنبض بذكره.
تمتد المواكب الحسينية من فلكة الجبور إلى فلكة الحكيم، فتتحول الشوارع إلى نهرٍ بشري يسير على إيقاع الحزن والمحبة. تتعالى أصوات الرواديد، وتختلط نغمات الدمام بدقات القلوب، فيما ترتفع الأكف على الصدور بضربات منتظمة كأنها إعلان وفاءٍ متجدد لرجلٍ وقف قبل أكثر من ألف عام ليحفظ للإنسان كرامته وحريته.وفي كل موكب حكاية، وفي كل تكية روح. الشاي المعطر بالهيل لا يُقدَّم بوصفه شراباً فحسب، بل بوصفه رسالة محبة، وكأس الماء الذي يوزعه شابٌ بسيط على المعزين يحمل في داخله معنىً أكبر من الماء نفسه؛ إنه استذكارٌ لعطش الحسين وأهل بيته في كربلاء. هنا تتساوى الأكتاف، فلا فرق بين غني وفقير، ولا بين مسؤولٍ ومواطن، فالجميع خَدَمٌ في مائدة الحسين، والجميع ينحنون أمام عظمة تلك الذكرى.أما كبار السن، أولئك الذين غزت الشيب رؤوسهم، فتراهم واقفين بين المواكب بهيبةٍ تشبه هيبة رجال الطف، يرددون القصائد بعيونٍ اغرورقت بالدموع، وكأنهم يحملون ذاكرة المدينة كلها في صدورهم. إن غاب أحدهم شعر الناس أن ركناً من أركان عاشوراء قد غاب معه.
وفي الليالي العاشورائية، حين يتصاعد دخان البخور في الهواء، وتمتزج رائحته برائحة الشاي والحطب، يشعر المرء أن الزمن قد توقف؛ فلا يبقى سوى الحسين، والدموع، والقصائد، وقلوبٌ اجتمعت على المحبة. عندها يعجز القلم عن وصف ما يجري في الداخل، لأن بعض الأحاسيس أكبر من اللغة، وبعض الدموع أبلغ من كل الكلمات.
وحين تنقضي الأيام العشرة، يعود الناس إلى حياتهم، لكن شيئاً من أرواحهم يبقى معلقاً في تلك الأزقة، وكأن المدينة كلها تدخل في حالة انتظارٍ طويلة حتى يعود محرم من جديد. فنحن لا نحزن لأن عاشوراء جاءت، بل نحزن لأنها سترحل، ولأن تلك الأيام القليلة تمنحنا شعوراً نادراً بالألفة والتراحم والتكاتف، ثم تمضي تاركةً في القلوب فراغاً لا يملؤه شيء.
هكذا هي عاشوراء في مدينتي؛ ليست مجرد ذكرى تاريخية، بل روحٌ تسكن الناس، وموروثٌ شعبي وإنساني عظيم، وموعدٌ سنوي تتجدد فيه المحبة والوفاء، ويبقى فيه اسم الحسين منارةً تهدي القلوب قبل العقول.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. عين ترامب على فوسفات المغرب؟


.. إصابة فلسطيني في هجوم للمستوطنين شرقي يطا جنوبي الخليل




.. واشنطن تعلّق بعض القيود والعقوبات المنصوص عليها في قانون غرا


.. طهران تتوعد السفن المخالفة للقوانين الإيرانية في هرمز




.. ضربات عنيفة للجيش السوداني تدك مراكز قيادة الدعم السريع في ن