الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
قصة قصيرة: خشية أنثى
داود سلمان عجاج
روائي، قاص
2026 / 6 / 9
الادب والفن
يتوارى قرص الشمس خجلاً بين سحب نيسان، وكأن السماء تشارك الأرض ارتباكها الأول، بعد أن تفتحت الورود واستفاقت الأزهار، وشهدت الأرض ولادتها من جديد. كانت الدقائق تتسابق كأنها تلهث خلف مطرٍ يكتب الفصول الأولى لحكاية لم تُروَ بعد. وفي هذا الصباح المختلف، بدا كل شيء وكأنه يُعدّ نفسه لحدثٍ لا يُشبه ما قبله؛ تحضيرات خفية، وبيانٌ كوني مزهر، وآفاق لم تطأها قدم، كأن الزمن نفسه يوزّع درره على بساط الترقّب.
اليوم ليس كغيره؛ إنه حصيلة الجهد، وغدٌ يتكئ على ثمرة العمر. تتضخم اللحظة حتى تكاد تبتلع ساعاتها، ويتكاثف اليوم كأنه يختنق بعاطفته. وبين هذا الامتلاء الزمني، تتشكل البوادر الأولى لبوحٍ مؤجل منذ عشر سنين؛ خيارات كثيرة مرّت بها، لكنها اليوم تقف عند حافة القرار، كأنها تريد أن تمنح حياتها عنوانها الأول الحقيقي.
تحدّث نفسها بصوتٍ داخلي متردد:
- من سيعطي القرار الحاسم غيري؟
وفي المقابل، كانت أمها تقول بحذرٍ مثقل:
- سيحضر والدك الحفلة يا ابنتي، لكني أخشى أن أفتح الأمر معه… أهل ميثم ليسوا مثلنا، وأخشى أن تكون صاعقة الأعراف ما تزال جذورها حيّة.
أما ميثم، فكان يمشي في الشارع كمن يبحث عن ملامح قرارٍ ضائع بين الأغصان. يمسح بعينيه الأشجار وكأنه يستنطقها، ويخطو بخطى مثقلة بالانتظار.
يحدّث نفسه:
- لن أحضر الحفلة اليوم، فواقعي سيكون غداً. لكني ما زلت في حيرة. حين اقترب حبكِ لأول مرة، بنيتُ حول قلبي دفاعات ومسافات أمان، لأعيد الحسابات، وأستشير العقل والقلب معاً… لكنكِ اقتحمتِ كل ذلك دفعة واحدة، فنسيتُ ما وعدتُ به نفسي.
في الحفلة، كانت الوجوه تتكدّس بتقاليدها ولهجاتها وألوانها. وبين الحضور، كانت عيناها تبحثان عن طيفه الغائب الحاضر.
- ألم تقولي إنه سيحضر غداً؟
- نعم يا أمي، ولن يتأخر، فالغيث له مواسم. لكن هل سيأتي عمي؟
تجيبها الأم:
- أظنه سيأتي، ولماذا تسألين؟
قالت بصوتٍ خافت:
-لأنه كان يقول منذ طفولتي: أريدك أن ترتدي قبعة التخرج، وتخرجي كل ما فيكِ من يقين. أتمنى أن يحضر.
عمّت البهجة، وتطايرت الورود، وارتفعت الزغاريد في برنامجٍ مُعد مسبقاً. في الفقرة الثالثة، دخل سهى وطلال وسط تصفيق الطلبة، يحملان علبتي الخواتم، وكأن الحياة تُولد مرة أخرى في لحظة واحدة.
لكن الفرح لم يدم طويلاً. فالدقائق، حين تفرغ من احتفالها، تعود لتسرق ما تبقى من ضحكها، ليعود كل إلى داره، ويُغلق الباب خلفه. استلقت في غرفتها، تتأمل الصباح وكأنه بعيد. تتنقل بين أدوارها: أمٌ مرة، وطفلة أخرى، وامرأة يختلط فيها الفرح بالخوف، والأمل بالتشظي. قالت لنفسها:
- لحن الأغنية الريفية صار يطربني، أصل معه إلى حالة انصهارٍ غريب، وأتخيلك واقفاً أمامي، كأن الكلمات تصير جسراً بيننا. الحب هو النور في سراديب الظلام، هالة تتجاوز المنطق والحواس، لكنه أيضاً سؤال لا جواب له.
ثم تساءلت في داخلها:
- هل أنا حقاً حرة في الاختيار؟
وفي مكانٍ آخر، كان ميثم يهمس:
- متى ستأتي الثامنة؟
ويعترف لنفسه:
- كنتُ أعرف تعاستي قبل أن أعرفكِ، لكنكِ حرّكتِ شيئاً ظل نائماً في القلب طويلاً. ربما كنتِ خائفة من الغرق، لكنكِ أبحرتِ بي دون قصد.
اقترب الموعد، واشتد الترقب حتى غدت الوسادة صخرة تخنق أنفاسه. نهض، تهيأ، تردد، ثم خرج بين الحديقة والصالة والمرآة، كأنه يجرّ العالم خلفه.
وفجأة، دوى الباب.
- إنه عمي…
قالتها كمن يلتقط ارتجافة القدر. دخلت المطبخ، تحاول إخفاء ارتباكها، بينما كانت الحشرات الصغيرة تثير في داخلها قلقاً غامضاً. نظرت إلى الطباخ بعين، وإلى الباب بعين أخرى، كأنها تنتظر حكماً غير معلن.
وفجأة تصاعد الصوت خارجاً:
- لن أسمح لها بالزواج من رجلٍ غير ابني.
تجمّدت الكلمات في حلقها، وارتجف داخلها شيء قديم. همست:
- حتى أنت يا عمي، كنتَ تشجعني طويلاً، وها أنت اليوم تعيدني إلى نقطة الخوف الأولى.
جاء صوت الأب هادئاً:
- حسناً يا أخي، لكن بعد انتهاء الامتحانات.
صرخت في داخلها، لكن صوتها لم يصل. حتى المرآة أمامها بدت كأنها تعيد الصدى بشكلٍ آخر، وكأنها تخشى أن تعترف بما ترى. وحين فتحت عينيها، لم تجد سوى الصمت. عندها فقط أدركت أن الكابوس لم يكن نهاية الحكاية… بل بدايتها.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. بين فيس مرشح كوميدي لمقعد في البرلمان البريطاني، هل يخلق الم
.. بيت مراد - سؤال كندة علوش فتح ملف الكتب والروايات اللي شكلت
.. مشوفناش مخرج بياخد حق الأداء العلني.. شاهد رأي هشام عبد الخا
.. نقاش ساخن بسبب حق الأداء العلني بين السيناريست أيمن سلامة وه
.. نور محمود عن “التياترو” مفيش ليلة عرض بدخل فيها المسرح مطمن