الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
قصة قصيرة: عندما يتكلم الرأس
داود سلمان عجاج
روائي، قاص
2026 / 6 / 6
الادب والفن
في مكانٍ معتمٍ مكتظٍّ بما يشبه بقايا الأصوات والوجوه، وجدَ نفسه واقفاً عند حافةِ تقاطعٍ تتشعبُ منه شوارعُ مدينة صغيرة، مدينةٍ بدت له مألوفةً حدَّ الوجع. يرى الشارعَ الرئيس الذي عبره عند الفجر، حين غادر بيته مودعاً أهله وطفليه الصغيرين، تاركاً خلفه دفءَ الأصابع الصغيرة، فيما بقيت وصيةُ أحد طفليه مطويةً في جيبه كأنها آخر ما يربطه بالحياة.
تضجُّ المدينة بحركتها اليومية؛ محلاتٌ مفتوحة، وباعةٌ متجولون يتنقلون كأنهم يسابقون الوقت، وأصواتُ المناداة تختلطُ بضجيج الحافلات ومنبهات السيارات. بالقرب منه محلاتٌ لبيع الأسماك، تنبعث منها رائحة نهر دجلة ممزوجةً بتعب الناس، فيما كانت العجلات تمضي وتعود بلا اكتراث، وكأن العالم يكرر نفسه بلا نهاية.
لكن شيئاً غامضاً أخذ يتسلل إلى وعيه ببطء. إذ كانت العيونُ كلها تتجه نحوه، كلُّ من يمرُّ يحدقُ به لحظةً ثم يشيحُ بوجهه مطأطئ الرأس. ليسأل نفسه:
- أكان مختلفًا إلى هذا الحد؟ أم أنَّ الآخرين كانوا يرون فيه ما عجز هو عن رؤيته في نفسه؟"
شيئاً فشيئاً بدأت الحركة تخفت. السيارات تقلُّ، والمحالُّ تُغلق أبوابها على عجل، كأن المدينة تتراجع عنه أو تنسحب من حضوره. حتى الأطفال الذين كانوا يشيرون نحوه بفضولٍ بريء، بدأت الأيدي الأكبر تسحبهم بعيداً عنه بخوفٍ مكتوم.
ثم بدأ يرى وجوهاً يعرفها؛ أصدقاءَ وأناساً عبروا في حياته يوماً. لوَّح لهم بيديه بفرح كسر الرتابة، لكن أحداً لم يبادله الإشارة. كانوا ينظرون إليه كما يُنظر إلى ذكرى ثقيلة، ثم يمضون مسرعين، بينما ظهرت على وجوه آخرين علاماتُ ارتياح غريب، وربما فرحٌ خفيّ لم يفهم سببه، أو ربما غابت عن أعينها الحقيقة، كأن أبصارهم تنطق في ما ترى.
كانت اللحظات طويلة وهو يطير في سرب أحزانه بينهم، فتعاد فيها الحكايات، حكايات وطن يذهب إلى عالم مجهول، وعذابات توالت على الأجساد، عندها بدأ يشعر أنَّ المدينة كلها لا تراه بوصفه إنساناً، بل كأنه بوصفه سؤالاً، وكأنه يسمعهم همساً يذكرون:
- لقد غادر الحياة بهذه السرعة.
لم يكن يستوعب أنه قد أمضى في هذا المكان آخر الساعات من حياته، لذا أخذ يصرخ بأعلى صوته:
- خذوني معكم... لماذا تنظرون فقط؟ لماذا لا يسمعني أحد؟
لكن صوته بدا كأنه يرتد من الجدران إلى داخله. لا أحد يجيبه. صار الضجيج من حوله يموت تدريجياً، بينما بدأ شيء آخر يستيقظ في أعماقه؛ إدراك بارد ومفزع بأن الإنسان قد يفقد وجوده قبل أن يفقد حياته.
جلس منهكاً عند حافة الطريق، محاولاً أن يلتقط أنفاسه وسط هذا الفراغ المتسع. وحين أطرق برأسه طويلاً، اكتشف الحقيقة التي كانت المدينة كلها تعرفها سواه: لم يبقَ منه سوى رأس، جمجمةٌ وحيدة تتكلم، محاطة بكل هذا الصخب الذي خلّفته الحياة، فيما الجسدُ بكل رغباته وخطاياه وأحلامه كان قد غادر منذ زمن لا يعرف مدته. حينها فقط فهم لماذا كان الجميع ينظرون إليه بذلك الذهول. هنا، قد أدرك وأخذ يقول:
- الناس لا تخاف الموت بقدر ما تخاف أن ترى العقلَ حياً بعد أن ينتهي كل شيء.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. تحضن والدها.. محامى يتهمها بخدش الحياء والفنانة منى ممدوح: م
.. عام الثقافة قطر-المكسيك يعزز روابط دائمة تتجاوز نهائيات كأس
.. مجلس الشعب السوري الجديد.. انطلاقة تشريعية وسط تساؤلات حول ا
.. لماذا تعشق ثقافة -راغاره- السيارات الأمريكية الكلاسيكية؟ | ع
.. كونتراست: ألبوم سليم عبيدة القادم، موسيقى تحتفي بالتناقضات