الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


تأملات في رمزية العشق والهوية: قراءة في قصيدة الشبلي نادباً صديقه الحلاج في ديوان المُكتفي بالعشق للشاعر محمد السويدي (الجزء الثاني)

داود سلمان عجاج
روائي، قاص

2026 / 6 / 5
الادب والفن


في مشاعرٍ متناظرةٍ متحدية، ترسمُ هيبةُ الخلودِ بسمو يلامسُ ابتهالاتِ السماء، حيث يتردد صدى الشوقِ بين سحابةٍ لاجئةٍ إلى ملاذِ الأثير، إنَّه صدى لا يسمعه إلا العارفُ باللهِ والعاشقُ لحقيقته، ذلك العشقُ الذي لا يختصُ إلا بخواصِ الخواص، فالمعرفةُ الحقيقيةُ ليست يسيرةَ المنال، بل تتطلبُ سعياً عميقاً وجهداً صادقاً، ولا تُدرك الا لمن نذرَ نفسه للبحثِ عنها بإخلاص، وهكذا، بين تأملاتِ" الشبلي" وحيرةِ الإنسان، يشعرُ السويدي بالفقدِ والحنينِ إلى نورِ كان يوماً ما يضيء العقول، لكنّه غاب، ربما في ظلِّ تهميشٍ ممنهج، أو في زحامِ عالمٍ يغفلُ عن جوهرِ الحقيقة:
"الآن ابحثُ في مجالسِ وعظهِ
عن حكمةٍ وقعت من الأدراجِ"
وفي مشهدٍ أخر، نجد "الشبلي" نادباً صديقه "الحلاج"، الذي قصده وقد قطعت يداه ورجلاه وصلب على جذع، فما بين البدايةِ والنهايةِ هنالك دورةٌ للروحِ في بلوغِ غيبه، أو مجهوله الحق، فتقطعُ الجسدَ هو الانقطاعُ عن ذلك الجسدِ فقط، وهو أدنى درجاتِ السلوكِ في حقيقةِ الغيب، أما المجهولُ فهو اللامتناهي، الذي سيراه المرءُ في الغد، والغدُ هو البدايةُ أو ما شهده المرءُ وغاب عنه، فهو لا يكتفي بمجردِ الرثاء، بل يعكسُ تجربةً صوفيةً عميقةً يتجلى فيها العشقُ كمصدرٍ للنورِ والاكتمال، فالعلاقةُ ما بين "الشبلي" و"الحلاج" ليست مجردَ صداقة، بل هي وحدةٌ روحيةٌ تتجاوز الأبعادَ الزمنيةَ والمكانية، وكأنَّ " الحلاجَ" لم يمت، حيث استحالَ إلى فكرة، إلى معنى خالد في الوجود.
وفي النهاية، يصلُ الشاعرُ إلى رؤيةٍ مأساوية، حيث يتخيلُ عالماً يخلو من "الحلاج"، عالماً يخلو من ذلك الصدى الذي واجه الظلمَ بشجاعة، وتلك الروحُ التي حلّقت فوقَ قيودِ المألوف، وكأنَّ غيابَ "الحلاجُ" ليس مجردَ رحيل فرد، بل هو شرخٌ في الوعي، وفراغٌ يمتد عبرَ الزمن، لا يمكن لأي صوتٍ آخر أن يملأه:
"ذهبَ الذي لم احتفِظ ببقائهِ
فتخيلوا دنيا بلا حلاجِ"
وهكذا يتجلى "الحلاجُ" في شعرِ السويدي ليس فقط كشهيدٍ عاشق، بل كروحٍ تتجسدُ في صورٍ مختلفة، فهو رمزٌ للبحثِ عن الحقيقة، للعشقِ المطلق، وللهويةِ التي لا تموت، وبين شروقٍ غائبٍ في بغدادَ وليلٍ مباركٍ بالمتصوفين، يبدو "الحلاج" خالداً، وإن رحلَ عن الدنيا بجسده، إلا أنَّ فكرهَ وعشقهَ يظلان نوراً لا ينطفئ.
"الحلاج" هو رمزٌ للعشقِ المطلق، ذلك العشقُ الذي يفيضُ بالحكمةِ والتضحية، عشقٌ لا تحده القيودُ ولا تقيده الأطرُ التقليدية، وهكذا، يظهر " الشبلي" بوصفه العاشق الذي يظلَّ وفياً لصديقه ومعلمه حتى بعد رحيله، عشقٌ يظلُّ ينبضُ بالحياة، حتى في ظلِّ الفقدان.
وهكذا، يبدو أنَّ القصيدةَ توحي باستمرارِ رحلةِ الاستكشافِ والمعرفةِ من خلالِ العشق، حتى في غيابِ المعشوقِ" فالحلاج"، رغم رحيله، يظلُّ تأثيرهُ ممتداً في روحِ" الشبلي"، مما يعززُ فكرةَ العشقِ المكتفي بذاته، ذلك العشقُ الذي يبقى نابضاً بالحياة، حتى في ظلِّ الفقدان.
أما في سياقِ العلاقةِ بين العشقِ والهوية، فإنَّ التجربةَ الصوفيةَ تكشفُ عن بعدٍ آخر، حيث يصبحُ العشقُ ليس فقط وسيلةً للوصولِ إلى المعرفة، بل جوهراً يشكلُ هويةَ العاشقِ نفسه، مما يعيدُ تشكيلَ مفاهيمَ الفناءِ والبقاء، حيث يتلاشى العاشقُ في معشوقهِ ليبقى أثرُ العشقِ خالداً، وكأنَّ الهويةَ ليست شيئاً يُمتلك، بل هي رحلةٌ مستمرةٌ نحو الوجود.
وهكذا، يبدو أنَّ تجربةَ "الحلاجَ" لم تكن مجردَ لحظةٍ عابرة، بل إرثاً يعيدُ تشكيلَ الهويةِ والعشقِ عبر الزمن، وهو ما التقطهُ السويديُ في قصيدته، حيث يظلُّ العشقُ متجدداً رغم الغياب.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. تحضن والدها.. محامى يتهمها بخدش الحياء والفنانة منى ممدوح: م


.. عام الثقافة قطر-المكسيك يعزز روابط دائمة تتجاوز نهائيات كأس




.. مجلس الشعب السوري الجديد.. انطلاقة تشريعية وسط تساؤلات حول ا


.. لماذا تعشق ثقافة -راغاره- السيارات الأمريكية الكلاسيكية؟ | ع




.. كونتراست: ألبوم سليم عبيدة القادم، موسيقى تحتفي بالتناقضات