الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


من شجرة التوت إلى المتراس: تأملات في جدلية الحب والحرب في رواية مملكة الرعاة للكاتب عبدالله حسين السالم

داود سلمان عجاج
روائي، قاص

2026 / 6 / 1
الادب والفن


تنهض رواية مملكة الرعاة للكاتب عبدالله حسين السالم ( أبو الميسرة) على جدلية حادة تجمع بين نقيضين ظاهرياً ومتداخلين وجودياً: الحب والحرب، بوصفهما قوتين فاعلتين في تشكيل الوعي الفردي والجماعي. فمن شجرة التوت، حيث تبدأ الحكاية بنبض عاطفي بريء ونظرة تؤسس لحب عذري صاف، إلى المتراس، حيث تسحق الأحلام تحت أقدام النزاعات ونزوات السلطة، يرسم الكاتب مساراً سردياً يعكس التحولات العميقة التي تصيب الإنسان حين يُجبر على العيش خارج اختياراته.
وغالبا ما يكون العمل السردي الأول للكاتب مشبعاً بكثافة وجدانية عالية، إذ يخرج محملاً بما تراكم في الذاكرة من هموم وأسئلة مؤجلة، فتغدو الكتابة لحظة انكشاف ومصارحة، تتداخل فيها التجربة الذاتية بالهم العام. وفي هذا السياق، تتأرجح رواية مملكة الرعاة بين أمل لا غنى عنه لاستمرار الحياة، وانكسار تفرضه الظروف القاسية والعادات الاجتماعية الراسخة، تلك التي كثيرا ما تعجز الإرادة الفردية عن تجاوز أسوارها الصلبة.
يفتتح الكاتب روايته بحوار مطول مع شخصية وسمت اجتماعياً بالمجنون، رجل رث الثياب، يقتات على فتات الخبز اليابس، ويتخذ من قارعة الطريق مقاماً دائماً. غير أن هذا المشهد لا يأتي بوصفه هامشاً سردياً، بل يشكل مفتاحاً تأويلياً للنص بأكمله. فمن خلال هذا الحوار، يعري الكاتب زيف التعقيد الذي أحاط بالحياة الحديثة، ويعيد الاعتبار إلى البساطة بوصفها شكلاً من أشكال الحكمة، وكأنما يستدعي المقولة المأثورة: ( خذ الحكمة من أفواه المجانين)، أو يلمح إلى أن الجنون، في زمن اختلال المعايير، قد يكون أرقى حالات الاتزان الإنساني.
فالكاتب هنا يقترح، في الظاهر، على هذا الرجل مراجعة طبيب نفسي، غير أن تطور السرد يكشف أن ما يعانيه ليس مرضاً بقدر ما هو نتيجة مباشرة لانحراف المجتمع عن فطرته. لقد تعايش هذا المجنون مع أكثر من جيل: جيل كانت البساطة والتكافل سمته الأبرز، يفرح لفرح جاره ويحزن لحزنه، وجيل راهن طغت عليه اللامبالاة، وأصبح فيه الشأن العام عبئاً لا يعني أحداً.
وفي مستهل الرواية، يؤكد أبو المسيرة أن الإنسان، وفق سنن الحياة، يدفع ثمن حماقاته، غير أن المفارقة المؤلمة في الزمن الراهن تتمثل في أن البعض بات يدفع ثمن أخلاقه. فالطيبة، والنزاهة، والعفة، لم تعد فضائل خالصة كما كانت، بل أعيد تأويلها بوصفها ضعفاً أو سذاجة. ومع ذلك، لا ينفي الكاتب امتداد هذه القيم عبر التاريخ، مستحضراً نموذج النبي يوسف عليه السلام، الذي دفع ثمن عفته سنين من السجن. لكن المفارقة الأشد إيلاماً أن واقع اليوم يكافئ من يضع يده على المال العام، ويمنحه الجاه والاحترام، بل ويحوله إلى مرجع يستشار، في انقلاب صارخ على منظومة القيم.
ويعزز الكاتب هذا الطرح بالتأكيد على أن الالتزام بقوانين الفطرة هو السبيل الأنجع للنجاة من الزلات، لأن هذه القوانين تضبط الرغبات ضمن أطر أخلاقية عامة. ويستشهد بمملكة النحل وغيرها من الممالك الطبيعية، حيث القوانين موضوعة بإرادة الخالق جل في علاه، فتسير الحياة بانسجام. في المقابل، تبدو قوانين البشرية وضعية، كما يصورها السرد، أسيرة الأهواء والمصالح، تفصّل لخدمة الأقوياء، وتطبق على الضعفاء باسم العدالة.
وفي منحى آخر من الرواية، يبرز الحب بوصفه نقيضاً للحرب. حب عذري يبدأ بنظرة صامتة نحو الشابة سهام، نظرة تشبه السهام في اختراقها للقلب. حب لا يتجاوز حدود الكلمة الموحية، ولا يحمل سوى إشارات ودّ تبلغ حد الشغف. تحت شجرة التوت، على درب الملايات، حيث كان البطل يقرأ دروسه، تنقدح الشرارة الأولى، ويتجاوب القلب بنبض صادق.
غير أن الحرب، بوصفها قدراً جمعياً، لا تلبث أن تزحف، فتبدد هذا الصفاء. وتتحول شجرة التوت إلى ملجأ ترابي، وتستحيل النبضات العاشقة قلقاً وترقباً للموت المحتمل.
فالحرب، كما يصورها الراوي، ليست ضرورة تاريخية، بل نزوة سلطة، يدفع ثمنها الفقراء، أولئك الذين لا خيار لهم سوى الامتثال.
ويقف البطل بين أتون الحرب وذكرى سهام، ليُجبر مرة أخرى على الإذعان، حيث يطلب منه والده الزواج من ابنة عمه وفق الأعراف، وكأن السرد يستدعي مقولة نيتشه عن خطورة الاختيار الخاطئ في شراكة الحياة، بوصفه خطأً وجودياً فادحاً. في تأكيد إضافي على عجزه عن اختيار مسار حياته: فهو لا رفض الحرب ولو بكلمة، ولا في اختيار شريكة روحه، وكأن صدى الماغوط يتردد في ما جرى:
( أريد كفناً لأحلامي)
فالحرية، كما يوحي النص، تبدأ من القدرة على قول (لا) لكن ثمن هذه الكلمة باهض. ويجد البطل نفسه بين جثث متحركة، فيدرك أن نجاته الجسدية، إن تحققت، ستكون على حساب شبابه وإنسانيته. وستبقى سهام ذكرى مؤلمة، تستيقظ كلما خلا إلى نفسه.
ويمضي الكاتب في بناء استعارة مملكة الرعاة، حيث يستعرض حكاية الصغار الذين قرروا، بدافع اللعب والفراغ، تنصيب ملكٍ بينهم. تاج من الحشائش، وصخرة مرتفعة، لكن تلك السلطة سرعان ما تحولت إلى استبداد، قبل أن تجف تلك الحشائش، بل وصارت بقرته تسرح كيفما تشاء. لذا قام الرعاة بحفر حفرة تصل في عمقها إلى مستوى صدر الملك الجبار، فدفنوه إلى أن تراجع وصار كما كان بذات البساطة، وعادت الأمور كما كانت بلا ملك يتجبر. غير أن هذه التجربة تركت أثرها العميق فيما بعد، بعد أن أصبحوا جزءاً من الحياة العملية، فلقد خيم الصمت, والأيد توقف عن الحركة، في دلالة رمزية على أن الخوف المتراكم هو الإرث الأثقل الذي تورثه الحياة للأجيال.
ويبلغ السرد ذروته عندما تحولت تلك اللعبة الطفولية إلى تهمة سياسية، فالعيون الراصدة ما تزال يقظة، وكاد الصغار يُعتقلون لولا تدخل الشيخ، بعد أن سلمهم مبلغاً من المال مع وجبة دسمة. هنا تتجلى هشاشة البراءة في مواجهة سلطة الشك، ويتردد صدى فلوبير:
( الوهم ضروري كالخبز، لا أحد يتحمل الحقيقة طوال الوقت)
وتختتم الرواية بمشهد النزوح القسري، ذلك المصير المفتوح على المجهول، حيث يفقد الإنسان مرجعياته، ويغدو بلا تاريخ ولا حاضر في عيون الآخرين. وطن لا يحمي أبناءه، وأفق يفتح باب الهجرة بوصفها حلماً يومياً. غير أن عودة جاسم، المغترب في ألمانيا منذ التسعينيات، تعيد الاعتبار لفكرة الانتماء، فالحنين أقوى من المسافات، والأرض, مهما قست، تظل ملاذاً روحياً. فالتربة التي نشأ عليها كأنها قطعت جزءاً من ذاته، والابتعاد لا يقطع الخيط، بل يجعله أكثير إيلاماً، وأكثر التصاقاً بالروح.
وفي ختام الرواية، لا يقدم عبدالله حسين السالم حلولاً جاهزة ولا نهايات مطمئنة، بل يترك القارئ أمام حقيقة مرة مفادها أن الإنسان، في مجتمعات مأزومة، غالباً ما يُساق إلى مصيره دون أن يُمنح حق الاختيار. فالحب، الذي وُلد تحت شجرة التوت رمزاً للنقاء والاحتمال، لم يصمد أمام زحف الحرب، التي حولت الأمكنة الدافئة إلى متاريس، والأحلام إلى ذكريات مؤلمة.
وهكذا، من شجرة التوت إلى المتراس، لا تتحرك مملكة الرعاة في خط سردي فحسب، بل في مسار تأملي يكشف كيف يُهزم الحب حين تُغتال الحرية وتسود الأعراف، وكيف تصبح الحرب نقيضاً للحياة لا حدثاً طارئاً عليها. إنها رواية عن الإنسان حين يُجبر على أن يعيش ما لم يختره، وعن وطن يبقى حاضراً في الوجدان حتى وهو غائب في الواقع، لتغدو الرواية شهادة سردية عميقة على زمن يُعيد إنتاج الخسارة، جيلاً بعد جيل.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. مشوفناش مخرج بياخد حق الأداء العلني.. شاهد رأي هشام عبد الخا


.. نقاش ساخن بسبب حق الأداء العلني بين السيناريست أيمن سلامة وه




.. نور محمود عن “التياترو” مفيش ليلة عرض بدخل فيها المسرح مطمن


.. فادي رأفت انضمامي لـ”التياترو” خطوة مهمة في مشواري ..ومحظوظ




.. هل الرواية الأمريكية عن انقسام المؤسسة العسكرية الإيرانية صح