الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
قصة قصيرة: رحيل أنثى
داود سلمان عجاج
روائي، قاص
2026 / 5 / 31
الادب والفن
كبرت الطفلة، تلك الكائنات الصغيرة التي تتفتح على الحياة كزهرة لا تعرف إن كان الربيع لها أم أن الخريف يتخفّى في ظلها. حين خطت أولى خطواتها نحو المدرسة، لم يكن الأب يرى فيها طفولةً تمضي إلى المعرفة، بل كان يرى احتمال الفقد يمشي على قدمين صغيرتين. كان يراقبها بعينين مثقلتين بسؤال لا يهدأ:
"أهي بداية حياةٍ جديدة، أم مقدمة لغيابٍ آخر يضاف إلى سجل الخسارات الثلاث التي حفرت في روحه ندبة لا تندمل؟"
كان الزمن، في نظره، لا يُقاس بالسنين، بل بعدد من يبقون على قيد الحياة.
ومع الأيام، أخذت الطفلة تتحول إلى معنى آخر للبيت؛ لم تعد مجرد ابنة، بل صارت الاحتمال الذي يؤجل الألم، والفرح الذي يتخفف من ذاكرة الفقد. كانت تملأ المكان بضحكتها، وكأنها تعيد ترميم ما تصدّع في الداخل الإنساني لأبويها. حتى حين كانت تقترب لتقبل رأسيهما قائلة:
"إني أحبكما"
كان الحب في تلك اللحظة يبدو كأنه اعترافٌ خفيّ بأن الفناء يقترب، وأن الكلمات الجميلة تُقال أحياناً لتقاوم ما لا يُقاوم.
وكانا يرددان:
"ونحن كذلك نحبكِ يا نور عيوننا"
لكن الدموع كانت تقول ما تعجز اللغة عن احتماله: أن الحب، حين يشتد، لا يصبح خلاصاً دائماً، بل قلقاً دائماً من زوال المحبوب.
كبرت الفتاة أكثر، وأخذ حضورها يفيض على البيت كضوء لا يعرف كيف يحمي نفسه من الانطفاء. كانت تضحك مع صديقاتها في الحديقة، توزع الحلوى كأنها توزع طمأنينة مؤقتة على عالمٍ يعرف هشاشته. لكن في قلب الأب والأم، كان هناك خوف يشبه يقيناً مؤجلاً، كأن السعادة نفسها لا تأتي إلا لتختبر قابلية الروح للكسر.
ثم جاء ما كانا يخشيانه دون أن يجرؤا على التلفظ به. مرض يعود كظل قديم، كأنه لا يختار الجسد بل يختار الأسرة كلها كقدرٍ واحد. حين خرجت نتيجة الفحوصات، لم يكن الخبر مجرد تشخيص طبي، بل كان إعلاناً صامتاً بأن الموت يكرر أدواره حين لا يُهزم في المرة الأولى.
قال الطبيب بصوتٍ منخفض:
"فصبرٌ جميل والله المستعان"
وكأن اللغة نفسها تعترف بحدودها أمام ما لا يُقال. هناك، لم يعد السؤال: ماذا نفعل؟ بل أصبح: "كيف نحتمل المعنى حين يلبس هيئة الفقد؟"
صار الأب والأم معلقين بين رغبتين متناقضتين: أن يقتربا منها حتى آخر لحظة، وأن يبتعدا كي لا يزداد انكسار التعلّق. غير أن القلب، حين يدخل في منطقة الخسارة، لا يعود قادراً على التنظيم؛ إنه يتشبث أكثر كلما اقترب الانهيار.
وفي مساءٍ بدت فيه الشمس أطول من المعتاد، سمعت الطفلة ما كان يُخفى عنها. لم تنهَر، بل اتسعت في داخلها مساحة غريبة من الوعي، كأنها أدركت فجأة أن الحياة ليست وعداً، بل تجربة عابرة لقياس القدرة على الحب رغم الفناء.
جمعت صديقاتها في الحديقة، حيث الضوء كان جميلاً على نحوٍ مؤلم، كأنه لا يدري أنه يودّع. لعبت معهم، ضحكت، قدّمت لهم ما اعتادت أن تمنحه للعالم من دفء. ثم، قبل أن يغادرن، قالت بصوت هادئ يشبه المسافة بين الحياة والموت:
"أخواتي، أعرف أني مريضة مثل إخوتي، وأن رحلتي قصيرة. لكني أريد منكن شيئاً واحداً: لا تنسوني، وزرنّ والديّ بين حين وآخر، فهما يحتاجان ما تبقى من حنان لا أستطيع منحه لهما"
في تلك اللحظة، لم يعد الفقد حدثاً قادماً، بل صار معنى حاضراً يمشي بين الكلمات. حتى الأشجار بدت كأنها انحنت قليلاً، وكأن الطبيعة نفسها أدركت أن بعض الوداعات أكبر من قدرة المكان على الاحتمال.
وفي الليل الأخير، حين اشتد عليها التعب، لم تكن الكلمات التي خرجت منها مجرد وداع، بل كانت إعادة تعريف للحب ذاته:
"أمي… أبي… وداعاً. لا تنسيا أني أحبكما."
ثم خفت الصوت، لكن الحب بقي، كأنه الشيء الوحيد الذي لم يستطع الموت أن يفسّره أو يلغيه.
وهكذا، رحلت أنثى لم تكن مجرد حياةٍ قصيرة، بل كانت تجربة كاملة عن هشاشة الوجود: أن نُحب، ثم نفقد، ثم نفهم متأخرين أن أجمل ما في الإنسان ليس ما يملكه… بل ما يتركه في قلوب الآخرين قبل أن يرحل.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. تحضن والدها.. محامى يتهمها بخدش الحياء والفنانة منى ممدوح: م
.. عام الثقافة قطر-المكسيك يعزز روابط دائمة تتجاوز نهائيات كأس
.. مجلس الشعب السوري الجديد.. انطلاقة تشريعية وسط تساؤلات حول ا
.. لماذا تعشق ثقافة -راغاره- السيارات الأمريكية الكلاسيكية؟ | ع
.. كونتراست: ألبوم سليم عبيدة القادم، موسيقى تحتفي بالتناقضات