الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
الحريةُ في زمنِ الاستلاب: رحلة في رواية انتحار تكتيكي للدكتورة تهاني محمد.
داود سلمان عجاج
روائي، قاص
2026 / 5 / 31
الادب والفن
الحبُ ونسجُ مستقبلِ الأحلامِ والشوقُ يطول والاستماعُ إلى أناشيد القلوب, والحربُ ذلك الكابوسُ الدائمُ ووسواسُ التكرار, الوطنُ والانتماء, تلك الدوامةُ التي تدور ما بين الولادةِ والحقوق, فالعهودُ وِجِدت لتكتب فقط على سطحِ الماء, والواجباتُ ضمن إطار ذلك السورِ الذي صمم ليحتوي من لا يمتلكون الحضور, الحريةُ تلك المقدسةُ في الخيال, والتضحيةُ في أن تعيش كالصبّارِ ثم لتكون حطباً للحروب, الغنى أن تمتلك القلوبَ بالمالِ والدعاءِ بابتهالاتٍ غامضة, والفقر, فالفقرُ ليس مجردَ النقصِ المادي فحسب, بل أن تدخل في حالةٍ نفسيةٍ تعيق الإبداع, أن تكون كأداة, وقد تؤرقك كلُّ حركة, وأن لا يعلن الضميرُ صرخته من ذلك الخوفِ المتجذر, اليقظةُ أن تعيش الألمَ وتتراقص على جمرِ الصبرِ اللاهب, والخيالُ هو الهروبُ إلى عالمِ الجنون, فذلك الجنونُ هو الملاذُ الآمن, التلونُ أن تبدل القناعَ وفق حاجةِ الموقف, أما الأحلام, فما أجملها فهي تحقق كلَّ ما نرغب فيه بوقت قصير قبل أن نعود إلى الواقعِ المرير, أو السفرِ إلى عالمِ الصمتِ بصراخٍ أبكم, الحياةُ أن تترك أثرا ما بين الحياةِ والموت, والموتُ بالتجزئة, أن تموت المشاعر, الإحساس بالوحدة, التخلي, أن تفقد وجودَك كإنسان, إذ ما استخدمنا الغباءَ كله لكي نعيش, قد لا يكون البعضُ مضاد للأخر, بل ربما تتداخل هذه المفاهيم, أو تكون امتدادا لبعضها البعض, ففي خضمُ النزاعاتِ قد تتلاشى ملامحُ الهويةِ ويتحول إلى البحثِ في جذورٍ أكثر تعقيدا, ثنائياتٌ تحملُ في طياتِها تناقضاتٌ عميقة, وتؤرقُ حسينُ الذي وجد نفسه منذ نعومةُ أظفاره يعشقُ القراءةَ والبحثُ عن الحقيقة, وكيف له أن يكسرَ أغلالَ الحديد, فهو لا يريد أن يكون وهماً أو سحابةً جافةً عابرة.
إنَّ الخساراتِ والخيباتِ تحيط بنا, وشبحُ الموتِ يرافق الحياةَ كظلِ لا يفارقنا, البعضُ ينصتُ لما يقوله الأخر, في حين يحملُ الأخرُ الطيبةَ في قلبه, لكننا نشتركُ جميعا في التساوي في فرصِ الموت, تلك النهايةُ الحتميةُ التي تنسب إلى القدرِ حينما تعكسُ لنا عدم إمكانيةِ الرفضِ أو إبداءِ الرأي بكلِّ شفافية, كما تذكرها الكتب, في خضمِ تقاسمِ الألم والبحثِ عن بدايةِ خيطِ الخلاص, وسط ذلك الساترِ الترابي الممتد, والزمن اللانهائي, يحدث صمتٌ في الأجسادِ المتعبةِ التي تنتظر دورها في التحولِ إلى رماد, فلقد وقع أحدُ الجنودِ قتيلاً من جراءِ قصفٍ أو طلقةٍ من الجانبِ الأخر, فلربما تركَ زوجاً من العيونِ الجامدة, أو أشلاءً متناثرة, وربما أحلاماً لم تتجاوز المخيلة, كلُّ شيءٍ يقفُ للحظاتٍ مع ذلك الصفيرِ المتصاعدِ الذي يعبثُ بالرؤوس, ويتنحى النحيبُ جانباً من كثرةِ التكرار, وتذرفُ العيونُ بعضَ الدموع, هي لن تكون النهاية, فلا يزال الطريقُ طويل, حتى تحرقَ آخرَ جثةٍ في هذا الساترِ الطويل, هكذا كان يتعايشُ بصعوبةٍ حسين, فكيف يجد معنى للحياة بعدما تجرع مرارةَ الفقدِ للمرةِ الأولى؟
تعودُ الحياةُ الروتينيةُ بصعوبةٍ بعد أن تمحى آثار ذلك الفقيدِ من الأرضِ والتخيل, لا نعرف كيف تُبَثْ في الروحِ الأمان, لتبقى كلماته فقط التي كانت تدور وزرعت في الأذهان, استحضارا لذلك الكائنِ الحالمِ بعيدا عن النسيان, ثم لتسلك طريقَ التلاشي مع الأيام ومع تكرارِ الفقد, لتكتمل الصورةُ في الظلمةِ حينما تتوارى الشمسُ خلف التلال, فلا نورٌ بعد غروبها, ويرتدي الليلُ ثوبَ الأحزان, وتصبح فيها غريبا, كأنما توقفت بوصلةُ الحياة, تمضي فيها نحو المجهول, حيث تتوالى الإطلاقاتُ من كلِّ حدبٍ وصوب, لتفقد الأمانات, ولم يعد للصباحِ وجود, عدا من حضورٍ لحلمٍ امتد لسنين, ليعيد بدايةَ الرحلةِ من جديد, من هنا بدأت ومضةُ تفكير حسين.
هنا الوطنُ يقفُ على كفِ عفريت, فلا نهايةٌ للمأساةِ تعيشها, فكلما توقفت حرب, استلمتها حربٌ أخرى, وربما رؤيةٌ أخرى, فتلعن سابقتها, فهنالك أوقاتٌ تجتاحُ فيها النفسَ مشاعرُ الرفض, كأنها محاولةٌ لكسرِ القيودِ في سبيلِ الحصولِ على الحرية, ففي معمعةِ الحربِ ربما يفكر البعضُ في ذلك الخلاص, ومع حتميةِ تواجد القاتلُ والمقتولُ في مكانٍ واحدٍ على امتدادِ الرؤية, فماذا لو كان لا يتمنى حسينُ أن يكون من بين الاثنين؟ ترى هل يمتلكُ ذلك الخيارَ وسط تلك الفوضى؟ إنَّ المحيطَ مليءٌ بالقوانينِ تفسر حسب الأهواءِ والتوجهات, وقد يعزو البعضُ تلك الصراعاتِ للقدر, حين تعجزُ الألسنُ عن الدفاع, أو حين تتعثرُ الخطىُ أثناءَ المسير, فالنتائجُ قد لا تأتي كما نريد, وقد تختار الطريقَ الأسهلَ لنيلِ حريتنا المفترضة, لكن وسطَ تلك الخيارات قد تتحطمُ الآمالُ أو تتورط في تحقيقٍ لا ينتهي, أو تُثْبَت في سجلاتٍ تبقى دليلا إلى أن تتبدلَ المفاهيم, من هنا بدأ يخوضُ معركةَ التوجسِ الذي يصل إلى حدِ الهذيان, وأثقلَ صدرُه بالآلام, وكأن الشعورَ بالحياةِ قد توقف, ثم أتخذَ القرار, فأي عدالةٍ هذه ليصبحَ العوقُ الدائمُ طريقاً إلى ضمانِ الاستمرارِ بالحياة, فكلُّ الطرقِ تؤدي أما إلى الموتِ فتأخذ معه جميعَ الاسرار والذكريات, أو الأسر والسكون الطويل, مع أنَّ النتائجَ فاقت توقعات حسين, ليعيش باقي الحياة بلا عنوان, فالأحلامُ وأدت, واستولت عليه عزلةُ الواقعِ المرير.
الحربُ هي الحرب, إن كنت فيها منتصراً كما تدعي, أو كنت فيها خاسرا كما يزعمون, فالأشباحُ فيها وما بعدها تنهضُ من تراكماتِ الذكرياتِ من دون مقدمات, تأخذ دورها في رسمِ خارطة عبثية الحياة, حتى لا تدعك تعيش بسلام كما تتمنى في وسطِ شبحِ ذلك السلام المفترض, فلم يعد نهر "ليشي" في نهر النسيان (نهر أسطوري إغريقي يمحي ذاكرة لمن يغتسل فيه) ليأخذ دوره في إزالة فيض تلك الذكريات, كم عانت الشعوبُ من ويلاتِ الحروب, وتجربةُ حسين تعكس معاناةً إنسانيةً شاملة, تتطلبُ التفكير في مفاهيمِ الهوية والانتماء.
يبدو لا أملٌ في تكرارِ التحديثِ في ذلك النهرِ وإزالةِ تلك الترسبات, فهي ستتجدد حتما, لتعيد ما محاه في لحظةٍ عند أي منعطفٍ من محطاتِ الأحزان, فالعالمُ قد تحول إلى حالةٍ من الهوس, حالةٌ من نزيفٍ مستمر, فإن كنت قويا, فحافظ على وجودك, كيف؟ أنت سيدُ العارفين, أما إذا كنت ضعيفا, فخذ نتائجَ ضعفِك, فحفارُ القبورِ ينتظرك بفأسٍ معطرةٍ بالكافور, هذا إذا ما تحولت إلى أشلاءٍ ممزقةٍ في مكانٍ ما وتناستك الأجيال, بعدما تسلبُ منك الحبيب, وتبقي لديك تلك الأحلامُ الوردية, التي قد تكون الوهمَ الأكبرَ في زمنِ الاستلاب.
إنَّ الصراعَ من أجلِ الحريةِ المنشودةِ يتطلب شجاعةً وقرار, فالكفاحُ ليس مجردَ كلمةٍ تقال, بل فعلٌ يُمارسُ في كلِّ لحظة, ففي خضمِ التحديات, نجد أنفسنا في مواجهةِ الاختباراتِ الصعبة, فكلُّ قرارٍ نتخذه يحملُ وزرَ الماضي وآمالَ المستقبل, فالحريةُ يفترض إعادة تعريفها وفق سياقات جديدة, لتكون الكرامةُ هي الغايةُ في نهايةِ المطاف, فتلك الحريةُ ليست مجردَ غيابِ القيود, بل هي القدرةُ على التعبيرِ عن الذاتِ وسط هذه الفوضى, والمساهمةُ في بناءِ عالمٍ تسودُ فيه القيمُ الإنسانية, كلُّ شيءٍ ينسى أو تتناساه الناس, إلا الحبُ لا يمكن أن يزهرَ في أرضٍ تحترقُ على الدوام, لكنه يظلُ ينمو في أعماقِ الروحِ رغم الجراحاتِ كلِّها, فرغم ما مر به حسين, يبقى الحبُ شعلةً لا تنطفئ.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. تحضن والدها.. محامى يتهمها بخدش الحياء والفنانة منى ممدوح: م
.. عام الثقافة قطر-المكسيك يعزز روابط دائمة تتجاوز نهائيات كأس
.. مجلس الشعب السوري الجديد.. انطلاقة تشريعية وسط تساؤلات حول ا
.. لماذا تعشق ثقافة -راغاره- السيارات الأمريكية الكلاسيكية؟ | ع
.. كونتراست: ألبوم سليم عبيدة القادم، موسيقى تحتفي بالتناقضات