الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
قصة قصيرة: الأرملة
داود سلمان عجاج
روائي، قاص
2026 / 5 / 24
الادب والفن
في عينيها أعماقٌ شتى, وبريقٌ خافتٌ لذكرياتِ الحرمان, حيث تتدفقُ في رأسِها الأفكاُر كالنهرِ الهائج, دون أن تستسلم لسيلِ الصمتِ الجارف, فتزيحُ عن كاهلِها كسلَ الذهنِ عنوة, أسئلةٌ تتصارعُ في عقلها, وتستمر بالنزال, فيا ترى لماذا تفكر فيه؟ هل ستتحقق مخاوفُها في سراديبِ القلقِ أم ستتحول لأنينٍ مسموع؟ يداهما القلقُ الذي كانت تخشاه, فلم يعد يوافيها النومُ إلى أن انبلجت كوةُ الصبحِ من ستارِ العتمةِ الحزينة, ومع ذلك, بدأ شعورٌ خفيٌ يحيطُ بها, يبعثُ الوجلَ في نفسها, ويغوصُ في أعماقِها وينتشرُ في كلِّ مسامها, تشاطرها ريحٌ عاتيةٌ تعوي, مما يؤدي بها إلى النفور, يتمدد الوقت, فيعيد لها صورَ العالمِ المثقلِ بالجراح, وجوهٌ تحضرُ أغلبها من دون أسماء, والقليلُ منها يحملُ الألقاب, تتساءل, لماذا عادت هذه الوجوهُ إلى ذهنِها بعد سنواتٍ من الهدوءِ الذي لا يتجاوز تدبيرَ لقمةِ العيشِ لطفليها اليتيمين.
بدأت توجه الأسئلةَ إلى نفسها, محاولةً التعايش مع هذا الانتظارِ الذي لا يرحم, لم تستطع مقاومةَ وسواسها, فحياتُها الضائعةُ تحت عنوان " الأرملة" أصبحت كابوساً مؤلماً, وأضغاثَ آمال, يتردد الرعبُ في صدرِها كلما تذكرت نظراتِ الرجالِ إليها, وبألسنٍ تحملُ وراء المزحِ ما تخفيه الصدور, هكذا هي حياتُها بعدما تجاوزت الخامسة والعشرين من العمر, في دوامةٍ من الخيالِ والواقع, تلك الوجوهُ كلُّها, كالأشباح, تختلطُ خيالاتُ يقظتها بحلمٍ قديمٍ في سِنتها القصيرة, وفقرُها الروحي يشير إلى مستقبلٍ ضبابي, فتلك الوجوهُ قد فقدت هدوءها, أو خرجت من روتينِها المعتاد, وكأنما تراقبها من بعيد.
تدخل السوقَ الضيقَ المزدحمَ بخجلٍ رغم تعاملها اليومي مع الزبائن, يداهمها الوجلُ بعدما انتهت من تهيئةِ بعض الأمورِ في بيتها ذلك العشُ البسيطُ الموحش, وجدت نفسها ضمن التزامٍ رهيبٍ لم تكن لتتصوره, فقد خرجت من ذلك البيتِ الذي أصبح أقل قدرا مع توالي السنين, في حين تتطور الأبنية حولها وقد ذهبت بعيدا في الارتفاعاتِ الشاهقة, المحلاتُ لا تزال مغلقة, ربما نسيت أنه يوم جمعة, وبدأت المصابيحُ تفقد تأثير أضوائها في خطٍ طويلٍ كانت تراه بشكلٍ واضحٍ قبل لحظات, ولم يبق أمامها سوى خوضِ العملِ في ذلك السوق.
هي مجبرةٌ في معركتِها ضد الفقر, وقد تعلمت أنَّ أصعب ما في هذه الحياةِ أن تمد يدَك كمحتاج, إلا أنها تعرف صمتَ عقولهم, فلا أحد يعرف أين تسكن, ولا كيف تعيش, كلُّ الذي تعرفه الناس عنها, امرأةٌ ترتدي السوادَ وتتوشحَ به كذلك, تجلسُ على الرصيفِ في بدايةِ الشارعِ تبيع السمكَ الذي تعودت على روائحهِ التي تؤدي أحياناً إلى الغثيان.
تتجسدُ الحياةُ في مشهدٍ مشوش, صوتُ انفجارٍ يصم الآذان, وكوةٌ من دخانٍ تتصاعد, وأجسادٌ بأرواحٍ خرساءٍ تتراكضُ في صمت, وكأنهم يسعون لشيءٍ مفقود, أشلاءٌ ممزقة, فالموتُ قد حضر, وشظايا تملأ المكان, وتنتشرُ الدماء, مقابرٌ من دون أكفان, المكانُ دخل في ضبابٍ كثيف, تلك الصورةُ المكثفةُ نفسها التي كانت تجدها ترتسم في مخيلتها, بين الغبارِ والغبارِ تظهر الأشياء, إلا أنها لا تستطيع الهرب, فالوجعُ نهضَ من سباته, مع أنَّ قلبها قد رافق الجموع, وحاولت الاشتباكَ بعيونِها في نزال واهن, إلا أنها ادركت بعد لحظاتٍ أنها مجبرةٌ على الاستسلامِ للصمت, فالخريفُ الفاجرُ قد حان, وهي والاتهامُ يمشي كلاهما نحو الآخر, وكميةُ السمكِ التي لديها لم تبع منها شيئا لحد الآن, وحياةُ طفليها مرتبطان بما تبيعه في هذا اليوم, مع ذلك, تتمنى أن ما تراه ليس إلا تكرارا لحلمٍ يراودها, حلمٌ كانت قد فزعت منه منذ أيام.
مع ذلك, يزداد قلبُها هلعا, رغم أنها تعرف النهايةَ منذ البداية, أو كانت تتصورها, لذا, بقيت متصلبةً على الرصيف, تلملم أطرافَ ملابسها بشكلٍّ غريزي, وتوجه نظرها إلى بضاعتِها التي قد لا تنفد, فجأة, تجتاحها حالةٌ من الذعرِ الشديد, ففي لحظةٍ أدركت بأنَّ كلُّ شيء قد إنهار, فصورةُ طفليها, ملامحُهما البريئة, شاخصتان أمامها, وبدأت الشمسُ تختفي خلف ضبابٍ كثيف, ورجلان يقفان أمامها بزي رسمي, يأمرانها أن ترافقهما, بنبرةٍ هادئةٍ إلا أنها تعكس التسلطَ الواضح, لذا, نهضت بتثاقلٍ والاتكاءِ على ذراعيها من دون نقاش, فقد تيقنت أنَّ مصيرَها محتوم, فلقد تداخل احساسٌ بأنَّ ما يحصل لم يكن محضُ صدفة, إنما ما يحدث لها قد رُسم منذ البداية, وحانت لحظاتُ الوقوعِ في ما كانت تخشى منه, فلا شيء آمن طالما الفقرُ يرافقه الألم, ونظراتُها تراقبُ كومةَ السمكِ التي لم تبع منها شيئاً.
في تلك اللحظة, تلاشت الأصواتُ من حولها, فلم يُقطع حبلُ الصمت, وأصبح كلُّ شيءٍ غامضاً, إلا تلويحة الضياع, وشعرت كأن الزمنَ توقف, وكأنها تعيش في كابوسٍ لا ينتهي, ونهاراً يلفه رداءُ العتمة, بينما كانت خطواتُها تجرها بعيدا عن الرصيف, فتذكرت طفيليها, وأحاسيسهما المتوترة, وعيناهما اللامعتين تنتظران عودتها, تلك اللحظاتُ هي بصيصُ النورِ الوحيدِ في ظلامها, فما للنسيانِ من منفذ, لكن يبدو أنَّ ذلك النورَ بدأ يختفي, مثلما اختفت الشمسُ وراء الغيوم, فشبحُ الظلمِ لن يتركها, كالظلِ في الشرقِ يرافق صاحبه.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. تحضن والدها.. محامى يتهمها بخدش الحياء والفنانة منى ممدوح: م
.. عام الثقافة قطر-المكسيك يعزز روابط دائمة تتجاوز نهائيات كأس
.. مجلس الشعب السوري الجديد.. انطلاقة تشريعية وسط تساؤلات حول ا
.. لماذا تعشق ثقافة -راغاره- السيارات الأمريكية الكلاسيكية؟ | ع
.. كونتراست: ألبوم سليم عبيدة القادم، موسيقى تحتفي بالتناقضات