الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
قصة قصيرة: ذاكرةُ الشك
داود سلمان عجاج
روائي، قاص
2026 / 5 / 20
الادب والفن
لا شيء يعدل دفء الطفولة، ذاك الحضن الذي يمنح الأمان، كأن العالمَ بأسره يختزل في ذراعين صغيرتين تحتضنان براءة الأيام الأولى، وما أروع الحكايات حينما تبدأها الأم بصوتها الواثق قرب الموقد الخامد في زاوية الغرفة الطينية الوحيدة، حيث تتعالى الكلمات فتغزل دفء الذاكرة، وتعيد للحياة نكهة قديمة يعتقها الحنين.
ووسط ذلك الدفء، تشدو الأم بقصصها، فينصت الولد بكل حواسه، وكأنه يغفو على جناح حكاية، وقد تتساقط دمعة من عينيه حين يواجه بطل الحكاية مأزقاً أو ينادي طالباً النجدة، وتتيقظ الحواس كلها إذا ما دخل الذئب المشهد، فيعلو التوتر وتزداد الحكاية ترقباً.
لكن حينما تغيب الأم بذاك الفقد الذي لا يفهمه، عندها يخفت كل دفء، وتغيب الأيادي التي كانت تُذيب الصقيع عن الكتف بحنان، تطوى الحكايات كما تطوى أيام الطفولة المبللة بالحزن، ويصبح الفزع رفيق تلك الطفولة، فيطل كعفريت من كل زاوية، ويتسلل إلى الأحلام، فيزرع الخوف في زوايا القلب الصغيرة.
ومع غيابها الذي لا يفهمه، تظل الذاكرة حائرة، تبحث عن الأم الغائبة، عن رائحتها العالقة بوسادة الليل، عن صوتها الذي يشبه همس النسيم على شاطئ الرمل. ولأن الولد لا يزال لا يعي بعد معنى الموت، يظن أن الغياب مؤقت، وأنها ستعود كما تعود الشمس كل صباح، أو كبطل الحكاية بعد غياب طويل. فإذا بالانتظار مهلة تعلٌق الأحلام، وإذا بالحقيقة ضربةٌ تهوي بالأحلام، وهكذا يتحول ذلك الانتظار إلى طقس يومي، يتجاوز المألوف، ويترسخ في الروح حتى يصبح وجعاً.
يتسلل الشك إلى قلبه الصغير بلا استئذان، يعتصره بصمت، فلا يجد من يربت على كتفه، ولا صوتٌ يهمس له أن كل شيء سيكون بخير، ليظل وحده يواجه الفقد، يصارع وجعاً يفوق عمره، يبحث عن أمان لن يعود، وعن حكاية لم تنتهي بعد.
وكأن هذا الشك الذي بدأ صغيراً، كبر معه عبر سنواتٍ وتجارب قاسية، حتى رافقه وهو رب أسرة، لكنه قد يوصله في أغلب الأحيان إلى بر الأمان، فالفقد الأول ترك في قلبه شرخاً، ما لبث أن تمدد، حتى وجد انعكاسه في حكاية الشاة التي لم تكن سوى مرآة لشك قديم. إذ كانت لديه شاةٌ سمينة، لا تشبه سواها، عامرة بالنشاط والحيوية، حتى غدت محط أنظار التجار رغبة لا تخفى، حتى باتت ترى كرمزٍ للثروة المحتملة، كأنها دفقة من ربيعٍ لا ينتهي، أو كأنها لم تعد مجرد بهيمة، بل أصبحت رمزا لما تبقى لديه من رجاء، أو قوة تمكنه من تجاوز مرحلة الفقر والفاقة التي يمر بها، أو كأنها أقرب إلى ذاكرة لا يريد أن يفرط بها، رغم ما كان يمر به من ظروف قاسية، إلا أنه كان يرفض بيعها، لا عن ترفٍ، بل عن حذر فطري من تاجرٍ قريب، ينتمي إليه نسبا، لكنه ينأى عنه روحاً، شخص يعرفه تماما، مثل بعض من يصادفهم في يقظته أو في المنام، ولم يكن غريب الأطوار، فهو مرتبط بتاجر كبير في المدينة، إذ كان يعرف أن بعض الطمع لا يجيء من الغريب فحسب، بل قد يتدثر بعباءة القربى أو يتوشح بملامح الثقة، لذا ظل يؤجل بيع الشاة، يتحصن بالانتظار، ويصطنع الاعذار كلما اقترب منه التاجر القريب.
كان التاجر يُكثر السؤال عن الشاة، يتودد، يُظهر حرصاً مبالغاً، ويقنع الآخرين أن ما يفعله هو بدافع المحبة والغيرة على مصيره، فيما عيناه تفضحان لهفنه. أما صاحب الشاة، فكان يماطل ويختلق الأعذار، مدفوعاً بحدس يخبره أن ما يُقال ليس كما يُراد.
ولأن الطمع لا يعرف الصبر، ولا يغفو، لم ييأس التاجر، كان يدور حول البيت يرقب اللحظة المناسبة، فحين اضطر الرجل للسفر لأيام، انتهز التاجر اللحظة. جاء إلى أهل البيت بوجه مطمئن، وكلام مغلف بحسن النية، وادّعى بثقة أن صاحب الشاة قد أوصاه قبل سفره بلحظات أن يأخذ الشاة إلى سوق المدينة، كي لا تفوته الفرصة. أبدى التاجر حرصاً أخوياً، وتحدث بلسان من يخشى على البيت من الضياع وبثقة لا تناقش. وما كان من أهل الرجل إلا أن صدقوا كلامه، فسلموه الشاة دون أن يطلبوا يقيناً، مكتفين بوشاح النسب وادعاء المحبة.
أخذ التاجر الشاة، وغاب، وغابت معه الحقيقة. مرت الأيام ولم يعد، وطال الانتظار، فلا شيء أجمل من الانتظار قبل أن تكتشف الحقائق، وبعد غياب طويل، عاد بوجه متهالك، ليقول بأن الشاة قد سقطت من مركبة النقل وماتت، وإنه يتأسف لما حدث، فلقد حاول الحفاظ عليها، لكنها لم تصمد، ثم أخذ يتظاهر بأن يخرج مبلغاً من المال ليثبت صحة نواياه، بطقس غرائبي حيث يجمع بين البراءة والخديعة، وبين العطاء المزعوم والأخذ المتخفي، غير أن نظرات أهل الرجل أربكته، فتراجع مدعياً أنه سيعوضه حال عودته من السفر، بمجازٍ لا يسمن ولا يغني من الحقيقة. هنا تلاشى كل شيء عن سؤال تائه عن يقين ليس له في دواخلهم جواب له، حقيقة تنزف عند أطراف حلمٍ تكسر فوق صفحات براءة الطفولة.
وبعد أن انكشفت الخديعة، عاد الرجل من سفره، تلقاه أولاده بعيون قلقة تفيض بالندم الصامت، وتنكسر فيها لهفة اللقاء، وتسكن في دواخلهم لواعج الشكوى، شكوى الحيرة ونفاذ الصبر، فتحيل أحلامهم إلى غصة معلقة على أكتاف الوهم، بعد أن باعوا الثقة واشتروا الندم، وأبلغوه بما حدث. لذا جلس بهدوء على حافة فراشه، كأن التعب قد نحت في ملامحه أخاديد الحكمة، وترك في عينيه رماد الصبر. ثم أشعل غليونه، ونفث دخاناً كثيفاً في عتمة الصمت، كأنما يخفي خيبته بين دوامات الدخان، أو يبعد عن وجهه خيبةً كان يتوقعها، عندما تكاثرت حوله شلالات من خواطر الشك الحزينة، كادت أن تنبثق مفردات الانفجار، لكنه تمكن من ايقاف صدى ذلك الهمس، ثم قال بكلمات ثقيلة، بصوت مبحوح، يقطر حكمةً كجرح قديم، ووجعاً تكسوه ملامح الصبر، لعل الليل يتحرك، ويقرع ناقوس اليقظة:
- لا تسألوا عنها ثانية، كنت أعلم... لكنكم أعطيتم الثقة بلا ضمان.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. تحضن والدها.. محامى يتهمها بخدش الحياء والفنانة منى ممدوح: م
.. عام الثقافة قطر-المكسيك يعزز روابط دائمة تتجاوز نهائيات كأس
.. مجلس الشعب السوري الجديد.. انطلاقة تشريعية وسط تساؤلات حول ا
.. لماذا تعشق ثقافة -راغاره- السيارات الأمريكية الكلاسيكية؟ | ع
.. كونتراست: ألبوم سليم عبيدة القادم، موسيقى تحتفي بالتناقضات