الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


قصة قصيرة: الذاكرةُ لا تورث

داود سلمان عجاج
روائي، قاص

2026 / 5 / 19
الادب والفن


منذ أن اختفى "شلال الخلف" دون أن يترك أثراً يُرى، لم يبقَ منه سوى الذكريات، تتداولها الألسنُ بعد أن هدأت العاصفة، تلك الحادثةُ الأخيرةُ باتت تُروى كخاتمةِ مأساة، كأنها فصلٌ أغلق على رجولةٍ مباغتةٍ نبتت في لحظةِ شرف. لا شك أنه عانى ما عانى في غربته، وتذوق طعمَ العيشِ الناقصِ ومرارةَ الفقد، وعزف على وترِ الذاكرة بسيمفونية الرحيل الموجعة، بعد أن ترك كلَّ شيء خلفه في لحظة غضب، قبل مائة عام ونيف، فكانت سنين قدرٍ لا تُحتمل. لم تكن طيشاً، بل وقفة شرف في لحظةِ حضورٍ استثنائي استدعت رجولة نادرة، حين دافع عن شرفِ امرأة بريئة من كل دنس، ترتبط به بصلة دم بعيدة، فالنخوةُ لم تغب عن قلبه آنذاك.
ومع مرور الأوقات، شعر بالابتعاد عن الجذور، عن لمسات الطفولة، عن صدى أصدقائه الذي يتناسل في داخله، إذ كان في كل صباح يجد نفسه يتوكأ على الأمل، غارقاً في التفكير ذاته، فشريطُ الذكرياتِ يهرولُ كالهاربِ من قيده نحو لحظةِ الألم، فيخاطب الضوءَ الرابضَ في عتمةِ روحه، ويُعبّر عن عطشٍ لا يرتوي، عن بوحٍ بطعمِ الصمتِ وملوحةِ الحنين في غربةٍ مفرطة.
لم يعد يجيد الانتظار، فالزمنُ استحال إلى قيدٍ لا ينكسر، لكن ما الحيلة؟ فشظايا قلبه تتناثر على رصيفِ ذلك الانتظار، بينما الأرقُ يحاصره من كلِ الجهات. يتساءل:
- كيف يكون شكل النوم؟ ومتى ينقشع الضبابُ عن خيطِ الفجر؟
لكنه يدرك أن الأحلامَ في منامه ليست سوى غصّات معلقة على أكتافِ الوهم، فيرى في الحلمِ ملجأ يؤنس وحدته، إلا أن ما يغيظه هو انكسار تلك الأحلامِ مع أولِ خيطِ نور، كما لو أن الفجرَ خصيمُ الأمل.
مرت السنين، ومعها تراجع وهجُ القصةِ في أذهانِ الناس، كان يعرف أن الانتظارَ حالةُ شوقٍ وحنين، وأن الأيامَ تتسرب من ثقوبِ العمر، فيغدو حديثُ الروحِ مجرد صدى، عانى في الغربة، وتذوق طعم العيش المرّ، وبات الحفاظ على نفسه ضمن حدود الكبرياء المنسي مسؤولية وجودية يومية. كان يدرك أن الذين كانوا يذكرونه قد أقسموا صمتاً على نسيانه، فالكلماتُ باتت قاصرةً على حمل تلك الآلام، والزمنُ لا يعود إلى الخلف، لكن في أعماقه المشتتة، ظل يتردد سؤال كأنه صدى في كهفٍ مهجور:
- من يسمعني؟ من يردد "غادر الإنسانُ الطيبُ" كما كان يسمع من قبل؟
كان يحدق في نهر دجلة، حيث تلتقي مياهه بمياه الزاب الأعلى، وتتشابك التيارات كما تشابكت سنواته الماضية. بدا المشهد أمامه كلوحةٍ بين الوهمِ والحقيقة، لكنه أدرك أن النهر، يأبى أن يهادن الروح، كما لو أنه مرآة لعزلته. حتى الريح تقتحم سكينته كسيوفٍ ناريةٍ مسنونة، جاءت لتأخذ القصاص منه كما يتصور ذلك. ينظر بعيداً إلى الأمام، حيث لا شيء واضح المعالم، لكنه أخذ يبتسم، لأن يدرك أن جرحه في النهاية لا يندمل، وأن الوجعَ هو الإرث الوحيد الذي لا يسرق.
ها هم الأحفادُ يعودون على الطريق ذاته، الذي حمل خطى الجد المتسارعة، دون أن يدركوا أنهم يعودون إلى وجعٍ دفين، بعد أن سمح لهم بالعودةِ من يعتقد أنه يمتلك أسرار الحياة، يحملون ملامحَ التعبِ واللومَ المبطن، يمضون ويحيون على الغوامض، في محاولة لإثبات ذواتهم في عالمٍ واقعي يبدو غريباً، عالمٍ مليء بالتناقضات والزيف المطلق ، فما بين غربةِ الجسدِ بالأمس وغربةِ الروحِ اليوم، ضاعت ملامحُ الجد في مرايا الأحفاد، بعد أن غادر جدهم الحياة في دار الغربة ونسيته الأجيال، فلم يبق منه سوى اسمه في تسلسل النسب، بلا أثر أو حكاية تليق بما حدث، فقد تآكلت ذكرياته في وجدانهم كما تآكلت النقوش على شاهدة قبره، لا أحد يمكنه قراءة ما مكتوب، لذا أخذوا يرددون في مجالسهم الخاصة، حديث النفس:
" أيها الجد، نحن متعبون، كنا نعيش الغربة الحقيقية، والآن نعيش غربة الروح"
لم يطالبهم أحد بالثأر من " شلال الخلف"، ولم يتعاملوا معهم كما لو كانت تربطهم بهم صلة قربى أو نسب عشائري، حتى أراضيه، ذكرياته، رجولته، كلها تآكلت كأنها لم تكن يوماً، كأن الأرض نفسها أنكرت ظلاله، فالنار المسعورة بدأت تأكل كل شيء، والضفاف ضاقت بالقلب. فمن يزيل البرزخ ما بين الأزمنة؟ من يعيد نبض الذاكرة التي ذَبُلتْ في أرشيف النسيان؟
الأحفادُ ما بين كبوةٍ وأخرى يتأرجحون، وهم يرون بأن الموقفَ الرجولي صار عبئاً على وجودهم الاعتباري في أرضٍ كانت تمثل لجدهم انبعاث الذات والكينونة. وها هم الآن، لا يختلفون عنه كثيراً، اعتادوا الجلوس، يواجهون نفس النهر، وتتقاذفهم الأسئلة:
- ترى هل تركنا بصمة؟ أم أننا مجرد انعكاسات باهتة لظلالٍ قديم؟ فلا فرق بينهم الآن وبين جدهم الذي اعتاد الجلوس بمواجهة نهر دجلة، كأنما يستنطق صمته، عائدا من أعماق المتاهة، يحدث نفسه حديث الروح، حديث العودة، بعد أن أصبح صبحه بلا شمس، وصمته وصل حد الهذيان الصاخب.
الجرح عميق، الآن بدأوا يَعون ذلك، بعد أن تلاشى حلمُهم في إثبات وجودهم في أرضٍ كانت تسمى أرض الأجداد، تلك الأرضُ التي كانت يوماً تتغنى برجولته، صارت الآن تبتلع ظل الأحفاد، دون أن تسألهم عن الأسباب، ووعوا كذلك أن الذاكرةَ لا تورث، بل تكتسب بالخذلان، وتُحفظ بالخسارة. على مسامعِ الأجيالِ الحاليةِ وقفة الشرف، في لحظةٍ لا بد أن تحضر.
وكم تمنوا ولو مرة أن يطالبهم أحفاد ولي الدم بالفدية، عسى أن تعاد على مسامعِ الأجيال الحالية وقفة الشرف، في لحظةٍ لا بد أن تحضر.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. مشوفناش مخرج بياخد حق الأداء العلني.. شاهد رأي هشام عبد الخا


.. نقاش ساخن بسبب حق الأداء العلني بين السيناريست أيمن سلامة وه




.. نور محمود عن “التياترو” مفيش ليلة عرض بدخل فيها المسرح مطمن


.. فادي رأفت انضمامي لـ”التياترو” خطوة مهمة في مشواري ..ومحظوظ




.. هل الرواية الأمريكية عن انقسام المؤسسة العسكرية الإيرانية صح