الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


11. الهزيمة بوصفها لحظة جدلية: لماذا لم تتحول الانتفاضات إلى ثورات اجتماعية

عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)

2026 / 3 / 5
مواضيع وابحاث سياسية


لا يمكن استيعاب مسار الربيع العربي دون التوقف عند سؤال الهزيمة بوصفه مدخلاً للتحليل لا مناسبة للرثاء. فبعد أكثر من عقد على اندلاع الانتفاضات، استعادت الأنظمة القديمة زمام المبادرة في مصر، وانزلقت سوريا واليمن وليبيا إلى حروب مدمرة، بينما دخلت تونس في مأزق سياسي واقتصادي عميق. غير أن الهزيمة هنا لا تُقرأ كخاتمة نهائية، بل كلحظة جدلية تكشف حدود التجربة، وتعيد ترتيب عناصر الصراع، وتدفع نحو مراجعات ضرورية. المهم ليس اجترار الخسارة، بل تحويلها إلى وعي نقدي يمهّد لما هو قادم.

الانتفاضات العربية كانت، في جوهرها، ثورات سياسية أطاحت برؤوس أنظمة دون أن تمس البنية الاقتصادية-الاجتماعية التي أنتجتها. هذا التناقض يفسر الكثير من مآلاتها. لقد استهدفت الجماهير قمم السلطة ورموزها، لكنها لم تقترب بالقدر الكافي من عمق علاقات الملكية وهيكل التراكم وموقع الاقتصادات المحلية في شبكة التبعية العالمية. بقيت قوى الإنتاج وعلاقاتها على حالها، فظل الأساس الذي تستند إليه السلطة قائماً حتى بعد سقوط واجهتها السياسية. هذا الفصل بين السياسي والاقتصادي أتاح للثورة المضادة أن تعيد تنظيم صفوفها من داخل البنية ذاتها.

تشبه هذه اللحظة ما حدث في ثورات 1848 الأوروبية التي حللها كارل ماركس في "الثامن عشر من برومير لويس بونابرت"، حين تحالفت قوى كانت تبدو متعارضة خوفاً من صعود قوة اجتماعية جديدة. في السياق العربي، لم تكن هناك برجوازية ثورية تحمل مشروعاً تحويلياً، بل برجوازية ريعية مرتبطة عضوياً بالدولة وأجهزتها. لذلك، حين تهاوت الرؤوس السياسية، بقيت المصالح الاقتصادية في مواقعها، وسرعان ما وجدت من يحميها. أخافتها الانتفاضات، لكنها لم تهدد وجودها الطبقي فعلياً، فاختارت الاستقرار على حساب التغيير الجذري.

غياب الوضوح الطبقي في قيادة الحراك كان عاملاً مركزياً في هذا المسار. القوى التي تصدرت المشهد بعد سقوط الأنظمة تنوعت بين إسلامية وليبرالية ويسارية تقليدية، لكنها التقت عند حدود معينة: المطالبة بإعادة توزيع سياسي للسلطة دون المساس بجوهر علاقات الملكية. انحصرت المطالب في الانتخابات والدساتير وتعديل هياكل الحكم، بينما بقيت مسألة توزيع الثروة وبنية الاقتصاد في الظل. هذا التردد أمام السؤال الاجتماعي الحاسم فتح الباب أمام عودة قوى النظام القديم بأشكال جديدة.

من هنا تبلورت ثلاث آليات رئيسية للهزيمة. أولها استعادة الدولة العميقة تماسكها، إذ بقيت الأجهزة العسكرية والأمنية خارج المساءلة، فاستثمرت الانقسامات السياسية لتقديم نفسها كضامن للاستقرار، ثم كمنقذ من الفوضى. ثانيها التفريغ التدريجي للمكتسبات، كما في تونس، حيث استمر النهج الاقتصادي نفسه تقريباً، فأعيد إنتاج علاقات المحسوبية والفساد، وبقيت أسباب الغضب الاجتماعي دون معالجة، مما جعل الديمقراطية الوليدة هشة ومهددة. ثالثها الانزلاق إلى حروب أهلية في بلدان انهارت فيها مؤسسات الدولة أو اشتد فيها القمع، فتحولت الانتفاضة إلى صراع مسلح متعدد الأطراف، تدخلت فيه قوى إقليمية ودولية وحوّلته إلى ساحة تنازع بالوكالة.

ومع ذلك، فإن الهزيمة ليست انقطاعاً مطلقاً، بل لحظة وعي قاسٍ. لقد كشفت التجربة حدود الرهانات الجزئية، وأظهرت أن التغيير السياسي المنفصل عن التغيير الاقتصادي يظل هشاً. دروس العقد الماضي تشير بوضوح إلى أن أي تحوّل حقيقي يقتضي برنامجاً يمس علاقات الملكية، ويفكك تحالف الدولة العميقة مع رأس المال، ويعيد تعريف الاستقلال الوطني بوصفه استقلالاً اقتصادياً واجتماعياً لا مجرد سيادة شكلية.

كانت الانتفاضات مثقلة بأوهام متعددة: وعود القومية غير المنجزة، رهانات الإسلام السياسي، ثقة مفرطة بقدرة الليبرالية الإجرائية على حل التناقضات البنيوية. بعد الهزيمة، تتساقط هذه الأوهام تدريجياً، ويصبح ممكناً رؤية الصراع في طابعه الطبقي العاري. وكما كتب أنطونيو غرامشي في "دفاتر السجن": "التشاؤم بالعقل، التفاؤل بالإرادة". فالعقل يدرك صعوبة المهمة وتعقيد موازين القوى، لكن الإرادة ترفض تحويل الهزيمة إلى قدر نهائي.

الهزيمة، بهذا المعنى، ليست مبرراً لليأس بل شرطاً للنضج. إنها لحظة مراجعة تعيد صياغة الأسئلة وتدفع نحو بناء أدوات نظرية وتنظيمية أكثر رسوخاً. والثورات المقبلة، إن أتت، لن تكون تكراراً لما سبق، بل نتاجاً لتراكم الوعي الذي ولد من رحم الإخفاق.

النضال مستمر،،








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. بين أميركا وإيران.. كيف تؤثر شروط إسرائيل على مسار المفاوضات


.. سياق الحدث| ما الأفق الذي ينتظر المفاوضات المرتقبة في إسلام




.. فيصل أبو صليب: الرادارات القطرية المتطورة رصدت محاولات إيران


.. الوفد الإيراني المفاوض يصل العاصمة الباكستانية.. تعرف على أع




.. فرقة المظليين 82 تعزز الوجود العسكري الأميركي بالمنطقة