الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


جربة.. حيث تعانق الشمسُ التاريخَ في هدوء!

حسين محمود التلاوي
(Hussein Mahmoud Talawy)

2026 / 3 / 4
السياحة والرحلات


قد تحتار كثيرًا في توصيف هذه الجزيرة التونسية؛ هل هي قطعة من اليابسة طفت فوق المتوسط، أم حلمٌ أندلسي قديم قرر أن يستقر قبالة السواحل التونسية؟! ولكن الحيرة أن تلبث أن تتبدد بمجرد أن تطأ قدماك أرض جزيرة جربة التونسية؛ فستجدها كفتاة خجولة، تفضل الهدوء على الضجيج، وتختار الكبرياء المتجذر في أعماق التاريخ بديلًا عن صخب الحداثة الزائف. كذلك قد تحتار طويلًا في اختيار نقطة البداية، قبل أن تدرك أن الحيرة نفسها هي البداية الأنسب، وتترك نفسك الإحساس الذي يقول لك: أنت الآن في مكان له روح.
وهكذا كانت جزيرة جربة.

الشوارع الفسيحة... ضجيجُ الهدوء!
أول ما يصافح وجهك في جربة ليس رذاذ البحر، بل تلك الشمس الساطعة التي تبدو وكأنها قررت أن تتخذ من سماء الجزيرة مستقرًا أبديًّا لها. وسماء الجزيرة ليست كأي سماء؛ فهي تنافس البحر في زرقتها، قائلةً له: "لي لوني؛ فلا تحتكر الأزرق وحدك"، بل ربما تتفوق عليه أحيانًا في صفاءٍ نادر، يجعل الرؤية تمتد إلى ما لا نهاية.
إذا سرتَ في شوارعها الفسيحة، قد يستوقفك ذلك التناقض العجيب؛ فالشوارع مفعمة بالحياة، لكنّ ما يسود هو "هدوء الحياة"، إن جاز التعبير؛ فلا مكان للضجيج أو الضوضاء. واللافت أن بتمشية بسيطة، لا تكلفك سوى بضع دقائق من التأمل، يمكنك أن تنتقل من مناطق ذات مبانٍ حديثة، تخبرك أن العالم لا يزال يتحرك، إلى مناطق أخرى تحتضن منازل "الحوش" التقليدية بأسوارها البيضاء الناصعة وقبابها التي تعكس أشعة الشمس، وأبوابها التي تجعلك تشعر كأنك عبرت بوابة زمنية إلى تاريخ مزدان بالإبداع الإنساني. هذه الأحواش رمز للإبداع العابر للأزمنة.

في حضرة "حومة السوق".. عبق الزمان وأُنس الحياة
من النصائح المهمة ألا تجعل وجهتك تقتصر على البحر؛ فالبحر — على جماله — متاحٌ في كل مكان، لكن "الحياة" الحقيقية تكمن في "حومة السوق". هناك، في الأزقة المتداخلة التي تشبه متاهة يحفظها أبناؤها مثل أسمائهم، تجد "الحوانِت" (المحال الصغيرة) بواجهاتها البيضاء، تبيع كل ما صنعته يد أبناء الجزيرة بصبر وأناة، تحت مظلات تحجب سخونة الشمس، ولا تمنع ضياءها.
في تلك المحال، تطالعك أكوام التوابل الشعبية بألوانها المتدرجة من الزعفران إلى الكمون، تملأ الأنوف بعطر الأرض، وبجانبها المشغولات اليدوية والديكورات المنزلية المصنوعة بصبر المتقِن الخبير. وبطبيعة الحال سوف تتوقف طويلًا أمام الملابس التقليدية المنسوجة بخيوط من ذوق وأناقة وتاريخ. وقد لا تجد بأسًا في جلسة بأحد المطاعم لتتناول أكلات؛ مثل البريك أو اللبلابي.
في السوق سوف تشعر أن كل زقاق، بل كل حانوت، فيه هو "خيط في حبات عقد" يربط بين الماضي والحاضر، ويفتح نافذة تتعرف منها على ذائقة الناس، وعلى ما يضعون في بيوتهم، وما يلبسون في أفراحهم، وما يطبخون في مساءاتهم الطويلة

حارة اليهود... ملامح التاريخ وملح البحر
من قلب السوق، وبسهولة تُثير الدهشة، تجد نفسك تنتقل إلى منطقة "الحارة" أو حارة اليهود. هنا، يكتسب المكان طابعًا مختلفًا، لكنه يظل وفيًّا لروح الجزيرة في السياق المعتاد في تونس، من التنوع في إطار الوحدة. منازل تقليدية، ومعالم تحكي قصصًا عن تعايشٍ ضارب في القدم، ويمتد إلى حداثة تراها في رسومات جرافيتي على الحوائط.
ومن المؤكد أنك لن تقاوم رائحة الطعام المنبعثة من المطاعم الصغيرة هناك. مطاعم تزينها لافتات متعددة اللغات والملامح، وأطباقها لها مذاق آخر؛ خليط من المطبخ التونسي ونكهة الذاكرة اليهودية القديمة، تجمع بين ملوحة البحر وحلاوة الكرم التونسي. تجلس في أحد هذه المطاعم، فلا تشعر أنك سائح، بل عابر سبيل وجد مائدة مفتوحة؛ فقال: لم لا؟
في هذه المنطقة، تدرك أن جربة ليست مجرد مكان، بل هي "حالة شعورية" تحتضن الجميع، وتفتح أبوابها للكل.

الغروب... شعلةٌ لا تنطفئ
وبينما الشمس تهم بالرحيل، لترسم ألف لون وانعكاس على واجهات البيضاء للجزيرة، توقن أن سحر جربة لا يكمن في فنادقها الفارهة، بل في تلك النزهة الراجلة بين أزقتها، وفي السلام الذي يسكن شوارعها، وفي قدرتها على الحفاظ على "شخصيتها" وسط عالمٍ يتغير بسرعة جنونية.
وعندما ترحل عن جربة، سوف تشعر في داخلك برغبة في أن تعود إليها ثانية، ليس من أجل البحر، بل من أجل ذلك الهدوء والسلام الداخلي، وزرقة السماء والبحر، وشمس لا تكتفي أن تضيء النهار، بل تضيء ما قد تعتمه الحياة داخل النفس.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. ترحيب أوروبي كبير بفوز حزب -تيسا- المعارض في المجر


.. لحظة وصول الطائرة التي تقل البابا ليون الرابع عشر إلى الجزائ




.. الرئيس عبد المجيد تبون يستقبل البابا ليون الرابع عشر في مطار


.. عشرات الآلاف من أنصار حزب -تيسا- احتفلوا في بودابست بعد الفو




.. تصعيد أميركي ضد إيران عبر مضيق هرمز.. هل نحن أمام تصعيد أوسع