الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


سوناتا الغراب: سردية المنفى وتمزقات الهوية

عامر هشام الصفّار

2026 / 3 / 1
الادب والفن


صدرت رواية سوناتا الغراب للكاتبة العراقية فيحاء السامرائي عام 2022 عن دار نشر لندن في المملكة المتحدة حيث تقيم الكاتبة. ومنذ الصفحات الأولى يجد القارئ نفسه في مواجهة مباشرة مع الموت: شرطة لندن تعثر على جثة متحللة لرجل من أصول عربية داخل شقة في المدينة، فيبدأ التحقيق لكشف هويته وتحديد ما إذا كانت الوفاة ناجمة عن فعل جنائي أم عن أسباب طبيعية. غير أن هذا الأستهلال، على الرغم من طابعه البوليسي، لا يقود إلى رواية جريمة بالمعنى التقليدي، بل يشكّل مدخلًا فنّيًا لأستدراج القارئ إلى تأمل مصير الإنسان في غربته، ووحدته، وتصدّعاته النفسية.
تعالج الرواية موضوعات الأغتراب، والعزلة، والعنف الأسري، والتطرف، والمرض النفسي، عبر بنية سردية تقوم على “قوارير” عُثر بداخلها على أوراق تركها المتوفّى، وهو عراقي عاش سنوات طويلة في لندن. هذه القوارير تصبح مفاتيح لفهم تاريخه الشخصي، كما تكشف طبقات متعددة من الذاكرة المرتبطة بالعراق بوصفه وطنًا أول، وبإنكلترا بوصفها فضاء المنفى القاسي.
ولأن الأحداث تجري في بلد أجنبي، تستعين الشرطة بمترجم لقراءة ما كُتب على جدران الشقة بالعربية، بخط غير واضح أحيانًا، إضافة إلى الرسائل المحفوظة في القوارير. في شقة تقع في منطقة ويستمنستر اللندنية، تتجاور كتابات عربية وإنكليزية مع رسوم لغراب وإشارات إلى العنف والتطرف وأسماء من الماضي. ويحضر الغراب بوصفه رمزًا مركزيًا، مستلهمًا من قصيدة The Raven للشاعر الأمريكي إدغار آلان بو، ليغدو علامة على التشاؤم والموت وذاكرة لا تكفّ عن المطاردة.
تتمحور إحدى أهم الشخصيات حول وحيد فريد نعمان، الشاب المضطرب الذي يعاني التأتأة والكآبة، ويثقل كاهله شعور بالذنب منذ وفاة توأمه بعد ساعات من الولادة. قسوة الأب، المتأثرة بارتدادات الواقع السياسي العراقي في العقود الأخيرة من القرن العشرين، تترك أثرًا عميقًا في نفس الابن؛ فيتخذ الغراب في مخيلته هيئة صوت ينعق كلما أشتد عليه العقاب. إخفاقه الدراسي وهشاشته النفسية يجعلان منه فريسة سهلة للتطرف، فيُدفع إلى “الجبل” ثم إلى بلاد الشام، قبل أن يُطلب منه التوجه إلى “بلاد الإمبريالية” لطلب اللجوء ومواصلة ما قيل له إنه نضال.
في المنفى تتكاثر الشخصيات القلقة الباحثة عن معنى. تكشف أوراق “القارورة الثامنة” عن آلاء، الشابة التي تمرّدت على أسرتها في بغداد، ثم وجدت نفسها في بريطانيا زوجة لرجل متزوج من ثلاث أخريات. تعاني آلاء اضطرابا نفسيا هو متلازمة ثنائي القطب، وتخضع لإشراف طبيب نفسي، وتعترف بأن خوفها من الوحدة وحاجتها العميقة إلى الأحتماء بالآخر قاداها إلى وحيد. أما وحيد نفسه فيُحال إلى طبيب نفسي بعد ظهور أعراض قريبة من الفصام، فيُعالج بأدوية مضادة للاكتئاب والذهان، ثم يُلجأ إلى العلاج بالصدمات الكهربائية، في إشارة إلى هشاشة المنظومة العلاجية وإرباكها.
ولا تخلو الرواية من شخصيات إيجابية مضيئة، مثل الطبيب نبيل بهنام توما، الذي يعمل مترجمًا لوحيد عند وصوله إلى مطار هيثرو. درس نبيل الطب في بغداد قادمًا من قرية بطنايا ذات الكنائس والأديرة، ولا يزال يحنّ إلى جوزها وبلوطها ومياهها الجارية. وفي المقابل تحضر شخصية إنكليزية متعاطفة هي السيدة مونيكا، التي تعرّف عليها وحيد في مظاهرة احتجاج على الحرب أمام البرلمان البريطاني، وتمثل صوتًا إنسانيًا متضامنًا مع العراقيين.
أما المترجم العراقي الذي يفكّ أسرار القوارير، فيتجاوز دوره التقني ليغدو شخصية إشكالية بدوره؛ مثقف يرتاد الأمسيات الموسيقية في قاعة الآثار الآشورية في المتحف البريطاني، ويستعيد قول والده إن وجود الآثار العراقية في لندن يتيح للعالم رؤيتها. غير أن انغماسه في قراءة أوراق وحيد يدفعه إلى اضطراب داخلي، حتى يكاد يتخيله حيًا يتجول في شوارع لندن بهيئة مشرّد.
على مستوى البنية السردية، تعتمد الرواية واقعية سوداوية تميل إلى أجواء ديستوبية، وتستند إلى تعدد الأصوات عبر تقنية القوارير. ورغم حضور راوٍ عليم، فإن السرد يعتمد في معظمه على التبئير الداخلي؛ إذ تُرى الأحداث من داخل وعي الشخصيات، فتتحدد المعرفة بحدود إدراكها وتجربتها، ما يعمّق البعد النفسي ويمنح النص كثافة تأملية.
لغويًا، تسيطر الكاتبة على أدواتها لتجسيد تجارب الهجرة العراقية عبر عقود مختلفة، من ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي إلى ما بعد 2003، دون أن تفقد تماسُك المعنى رغم تشابك الحكايات. وتنتهي الرواية نهاية مفتوحة، حين تضيف خطيبة المترجم رسالة في قارورة جديدة، كأنها تقترح خاتمة متخيّلة، تاركة للقارئ حرية كتابة نهايته الخاصة لـ«سوناتا الغراب» — نهاية قد لا توضع في قارورة قابلة للانكسار، لكنها تظل معلّقة بين الذاكرة والمنفى وصوت الغراب الذي لا يصمت.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. سرديات أونلاين | بين الحقيقة والرواية: كيف تتحول المجازر إلى


.. كيف شكلت عقدة -اليهودي الضعيف- ثقافة القوة في إسرائيل؟




.. أتصور في ورشته أفلام وزاره نجوم كتير.. رحلة كفاح -عم أحمد- ف


.. الاستاذ الأديب مبارك عمرو العماري




.. شيرى عادل بعشق اغانى زمان ووالدتى كان نفسها أكمل غناء ودخلت