الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
9. البونابرتية الرقمية والثورة المضادة: كيف أعادت الدولة العميقة إنتاج نفسها
عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)
2026 / 3 / 1
مواضيع وابحاث سياسية
لم تكتف الثورة المضادة في العالم العربي باستعادة مواقع السلطة عبر الانقلابات العسكرية والتزوير الانتخابي، بل طوّرت أدوات جديدة للسيطرة تستجيب لتحولات العصر الرقمي. يمكن تسمية هذه الظاهرة بـ"البونابرتية الرقمية": شكل معاصر من الدولة البونابرتية لا يكتفي باحتكار العنف المادي، بل يضيف إليه احتكارًا للبنية الرقمية، وتحكمًا في تدفقات المعلومات، وقدرة على إنتاج الوعي الزائف على نطاق غير مسبوق. هذه البونابرتية الجديدة أعادت إنتاج الدولة العميقة نفسها، لكن بأدوات أكثر تطورًا وقدرة على اختراق الحياة اليومية.
الانتفاضات العربية كانت أول ثورات في التاريخ تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي كأداة رئيسية للتنظيم والتعبئة. فيسبوك وتويتر ويوتيوب لم تكن مجرد منصات للتواصل، بل تحولت إلى ساحات افتراضية موازية للساحات الحقيقية، ساهمت في كسر احتكار الدولة للإعلام، وسمحت بتدفق المعلومات بشكل أفقي خارج سيطرة الأجهزة الأمنية. هذا الاستخدام الثوري للتكنولوجيا هو ما جعل الربيع العربي يحظى باهتمام عالمي، وهو ما دفع الكثيرين إلى التبشير بـ"ثورات فيسبوك" التي ستغير وجه المنطقة.
لكن النبوءات التفاؤلية سرعان ما اصطدمت بواقع أكثر تعقيدًا. فالدولة العميقة تعلمت بسرعة كيف تستخدم نفس الأدوات الرقمية لصالحها. تحولت منصات التواصل من فضاءات تحرر إلى ساحات معركة مفتوحة، حيث تتداخل المعلومات المضللة والدعاية المنظمة والتجسس الإلكتروني والاختراقات الأمنية. الدولة لم تعد تكتفي بقمع المظاهرات في الشوارع، بل طورت قدرات على قمع الخطاب في الفضاء الرقمي، عبر تشريعات مقيدة، ومراقبة موسعة، وحملات منظمة للتشويه والتضليل.
البونابرتية الرقمية تقوم على ثلاث آليات رئيسية. الآلية الأولى: احتكار البنية التحتية الرقمية. الدولة تسيطر على شركات الاتصالات، تراقب حركة البيانات، تمتلك القدرة على قطع الإنترنت عند الحاجة، وتفرض سيطرتها على المنصات المحلية. في مصر وسوريا وتونس وغيرها، شهدنا قطعًا متعمدًا للإنترنت في لحظات حرجة، بهدف شل قدرة المحتجين على التنظيم والتواصل. هذا الاحتكار للبنية التحتية يعطي الدولة أداة ضغط هائلة، تمكنها من التحكم في إيقاع الحراك الاجتماعي.
الآلية الثانية: إنتاج المعلومات المضللة وتنظيم حملات التشويه. أنشأت أجهزة الأمن في العديد من الدول العربية "جيوشًا إلكترونية" من الموظفين والمأجورين، مهمتها نشر الأكاذيب والشائعات، وتشويه صورة النشطاء والمعارضين، وخلق حالة من البلبلة والارتباك في الفضاء الرقمي. هذه الحملات لا تستهدف فقط توجيه الرأي العام، بل تهدف أساسًا إلى تقويض الثقة في أي معلومة، وإنتاج حالة من السخرية واللامبالاة تجعل الناس غير قادرين على التمييز بين الحقيقة والكذب. وكما تقول مقولة مشهورة في علم النفس السياسي: "الكذبة ليست هدفها أن تُصدق، بل أن تخلق حالة من الشك تجعل الحقيقة تبدو كذبة أيضًا".
الآلية الثالثة: التجسس والاختراق والملاحقة القانونية. استخدمت الأجهزة الأمنية برامج تجسس متطورة لاختراق هواتف النشطاء والصحافيين والمعارضين، ومراقبة تحركاتهم واتصالاتهم. هذه المعلومات تستخدم لابتزاز الناشطين، أو توجيه تهم جنائية لهم، أو تصفيتهم جسديًا في بعض الحالات. القوانين الجديدة للجرائم الإلكترونية في العديد من الدول العربية حولت الفضاء الرقمي إلى منطقة خطر دائم، حيث يمكن متابعة أي مستخدم بتهمة "نشر أخبار كاذبة" أو "إثارة الفتنة" أو "الانضمام إلى جماعة إرهابية".
ما يميز البونابرتية الرقمية عن الأشكال التقليدية للرقابة هو طابعها الاستباقي والشمولي. الدولة لم تعد تنتظر حتى يحدث الاحتجاج لتفكر في قمعه، بل تراقب الفضاء الرقمي باستمرار لتوقع حدوث الاحتجاجات قبل وقوعها، وتحدد قادتها المحتملين، وتتدخل لتفكيك شبكات التنظيم الناشئة. هذا التحول من القمع التفاعلي إلى القمع الاستباقي هو جوهر الدولة الأمنية الرقمية.
في مصر، بعد 2013، تطور نموذج متكامل للبونابرتية الرقمية. قانون مكافحة الجرائم الإلكترونية، قانون تنظيم الصحافة والإعلام، قانون مكافحة الإرهاب، كلها قوانين أعطت الدولة غطاءً قانونيًا للسيطرة على الفضاء الرقمي. بالتزامن مع ذلك، توسعت أجهزة المراقبة الإلكترونية، وظهرت "اللجان الإلكترونية" التابعة للأمن التي تدير حملات منظمة لدعم النظام وهجوم المعارضين. الإنترنت في مصر لم يعد فضاءً للتواصل الحر، بل أصبح منطقة معركة غير متكافئة، حيث الفرد أعزل أمام آلة دعاية متكاملة.
في تونس، ورغم المسار الديمقراطي النسبي، شهدنا أيضًا تطورًا في آليات الرقابة الرقمية. قوانين مكافحة الإرهاب استخدمت أحيانًا لملاحقة ناشطين على مواقع التواصل، وحملات التشويه الإلكتروني أصبحت أداة مستخدمة من قبل قوى سياسية مختلفة. الدولة التونسية، رغم ضعفها النسبي، بدأت تبني قدرات رقابية تهدد مكاسب الثورة في فضاء كانت تعتبره مفتوحًا.
في سوريا، وصلت البونابرتية الرقمية إلى أقصى درجاتها الوحشية. نظام الأسد لم يكتف بقطع الإنترنت بشكل متكرر، بل طوّر قدرات متقدمة في المراقبة والاختراق، واستخدم منصات التواصل لنشر دعايته وملاحقة المعارضين حتى خارج سوريا. الجيش الإلكتروني السوري أصبح نموذجًا تحتذي به أنظمة أخرى، حيث جمع بين القرصنة الإلكترونية والحرب النفسية وحملات التضليل المنظمة.
هذه التطورات تفرض تحديات جديدة على أي مشروع ثوري. فالنضال اليوم لا يمكن أن يكتفي بمواجهة الدولة في الشارع، بل يجب أن يمتد إلى مواجهتها في الفضاء الرقمي أيضًا. هذا يتطلب بناء أدوات رقمية مضادة: منصات تواصل مستقلة، تقنيات تشفير لحماية الاتصالات، شبكات تضامن إلكتروني، قدرات على كشف المعلومات المضللة وتفنيدها. التنظيم الثوري الجديد يجب أن يكون قادرًا على العمل في بيئة رقمية معادية، وأن يحول الفضاء الإلكتروني من ساحة قمع إلى ساحة نضال.
لكن لا ينبغي المبالغة في الدور المستقل للتكنولوجيا. البونابرتية الرقمية تظل، في النهاية، تعبيرًا عن علاقات قوى طبقية. قوتها تأتي من قوة الدولة والطبقة الحاكمة، وضعفها مرتبط بضعفها. لذلك، فإن النضال ضدها لا يمكن اختزاله إلى نضال تقني، بل هو جزء من النضال الشامل ضد الدولة البونابرتية والبرجوازية الريعية. الأدوات الرقمية وحدها لا تصنع ثورة، ولا تقهر دولة. لكن غيابها، في عصر تهيمن عليه التكنولوجيا، يمكن أن يكون عامل حاسم في الهزيمة.
كما كتب فرانز فانون: "كل جيل، عليه أن يكتشف مهمته، فإما أن ينجزها وإما أن يخونها.". مهمة جيل الربيع العربي لم تكن فقط إسقاط الديكتاتوريات، بل بناء بديل شامل يستجيب لتعقيدات العصر. في هذا البديل، يجب أن يكون للبعد الرقمي مكانه، ليس كبديل عن التنظيم الميداني، بل كجزء لا يتجزأ منه. فكراهية الثورة المضادة للفضاء الرقمي الحر دليل على أهميته، لكنها أيضًا دليل على محدوديته إن بقي منفصلاً عن حركة الجماهير في الشارع والإنتاج.
النضال مستمر،،
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. هل تدفع هجمات الفصائل المسلحة في العراق إلى مواجهة مع أميركا
.. لقاء مكي: حجم الاستهداف الصاروخي لدول مجلس التعاون يثبت وجود
.. غارات إسرائيلية جنوب لبنان واستمرار المواجهات في بنت جبيل
.. برنامج الوفد التفاوضي الأمريكي في إسلام آباد.. التفاصيل مع م
.. -تحالف الـ 41-.. لندن تقود حراكاً دولياً لإعادة فتح مضيق هرم