الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
8. التمثيل دون تنظيم: لماذا عجزت الثورات عن إنتاج سلطة طبقية بديلة
عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)
2026 / 2 / 27
مواضيع وابحاث سياسية
خرجت الملايين إلى الساحات العربية، هتفت واحتلت وواجهت الرصاص وأسقطت رؤوس الأنظمة، لكنها عند المنعطفات الحاسمة اكتشفت أنها بلا قيادة قادرة على تحويل هذا الزخم إلى سلطة بديلة. لم يكن الخلل في شجاعة الجماهير ولا في استعدادها للتضحية، بل في غياب التنظيم الطبقي الذي يحول الغضب العفوي إلى قوة سياسية مستدامة. لقد أنجبت الساحات أشكالًا من "التمثيل" الرمزي للجماهير، من شخصيات إعلامية ووجوه صاعدة وأحزاب وليدة، لكنها أخفقت في بناء "تنظيم" فعلي يستطيع إدارة الصراع الطويل وتشييد مؤسسات بديلة.
الفرق بين التمثيل والتنظيم يشبه الفرق بين الواجهة والبنية التحتية. فالتمثيل يمنح الجماهير صوتًا مسموعًا، أما التنظيم فيمنحها قدرة متواصلة على الفعل. التمثيل قابل للاحتواء وإعادة التوظيف من قبل النخب، بينما يحمي التنظيم الإرادة الشعبية من المصادرة. التمثيل يتوهج في اللحظات الانتفاضية الساخنة، لكنه يخبو حين يبرد الصراع، في حين أن التنظيم وحده يضمن استمرارية النضال عبر تقلبات المعركة الطبقية.
في مصر وتونس تجسد هذا العجز بوضوح. فبعد سقوط مبارك تنافست قوى متعددة على تمثيل الثورة من دون أن تمتلك بنية جماهيرية تتجاوز قواعدها التقليدية. كان الإخوان الأكثر تنظيمًا، غير أن تنظيمهم اتسم بهرمية جامدة لم تعكس ديناميكية الميادين. أما اليسار فحضر بقوة رمزية لكنه ظل مشتتًا بين أحزاب صغيرة وقيادات متنافرة، في حين اعتمد الليبراليون على كاريزما أفرادهم وحضورهم الإعلامي. والنتيجة ثورة بلا هيئة قيادية موحدة، وبلا مجالس شعبية في الأحياء والمصانع، وبلا شبكة تنظيمية قادرة على مواجهة الدولة العميقة.
أما في تونس فكان المشهد أكثر تعقيدًا. وجود اتحاد شغل قوي ونقابات مستقلة منح الحراك سندًا مهمًا، لكن هذا الاتحاد ظل مقيدًا ببنيته البيروقراطية وإرثه التفاوضي مع السلطة. صحيح أنه أسهم في حماية المسار السياسي من الانهيار، إلا أنه لم ينجح في تحويل الطاقة الثورية إلى مشروع تنظيمي جديد يفرض تغييرًا جذريًا في علاقات الإنتاج. الأحزاب التي برزت بعد الثورة بقيت نخبوية، تعتمد على قياداتها وحضورها الإعلامي أكثر مما تستند إلى قواعد شعبية منظمة.
غياب التنظيم الطبقي فتح الباب أمام ثلاث آليات للثورة المضادة. أولها الاختطاف السياسي، حيث استولت نخب قديمة وجديدة على مواقع القرار باسم تمثيل الجماهير ثم استخدمتها لتفريغ المطالب من مضمونها الجذري. وثانيها تفتيت الساحات، إذ انحرفت الطاقة الجماهيرية إلى صراعات بين القوى المتنافسة بدل أن تُوجَّه نحو العدو الطبقي المشترك. وثالثها إنهاك الجماهير، فإطالة أمد الصراع بلا مكاسب ملموسة أدت إلى تراجع الحماسة وعودة اليأس، مما مهد لرجوع الأنظمة القديمة تحت شعارات "الاستقرار" و"مكافحة الفوضى".
التجربة التاريخية تؤكد أن التنظيم الطبقي لا يولد تلقائيًا من لحظة الانتفاض. فهو يُبنى عبر عمل يومي شاق: تنظيم عمالي في مواقع الإنتاج، وتنظيم شعبي في الأحياء، وتكوين كوادر قادرة على القيادة الجماعية، وصياغة خطاب يربط المطالب المعيشية بالأفق الاستراتيجي. الساحات خلقت لحظة نادرة من الوحدة والوعي، لكنها لم تُراكم هذه البنية التنظيمية. لذلك، عندما انحسر المد الجماهيري، وجدت الجماهير نفسها مكشوفة أمام جهاز دولة منظم ومتماسك.
هذا الدرس يتصل مباشرة بالتراث الماركسي في مسألة التنظيم. فقد شدد لينين في "ما العمل؟" على ضرورة بناء حزب طليعي يقود الجماهير بوصفه منظمًا لإرادتها لا بديلاً عنها. واعتبر غرامشي الحزب "الأمير الحديث" القادر على تأسيس هيمنة مضادة وكتلة تاريخية جديدة. كما طوّر ماو مفهوم "خط الجماهير" لضمان العلاقة العضوية بين القيادة والقاعدة. هذه المبادئ تجسدت في ثورات نجحت في تحويل الانتفاض إلى سلطة بديلة، وغابت أو ضعفت في تجارب أخرى أخفقت رغم عظمتها.
غير أن استحضار هذه الدروس لا يعني استنساخ صيغ الماضي. فالشروط الراهنة تفرض أشكالًا تنظيمية مبتكرة تستجيب لتشتت الطبقة العاملة في الاقتصاد غير الرسمي والرقمي، ولانتشار الأيديولوجيا النيوليبرالية، ولتعقيد الدولة البونابرتية الحديثة وتشابكاتها الدولية. التنظيم المطلوب ينبغي أن يكون مرنًا ليستوعب تنوع ميادين النضال، وصلبًا في مواجهة القمع، وديمقراطيًا بما يضمن مشاركة القواعد في صنع القرار.
وتبرز اليوم بوادر واعدة في أشكال متعددة من العمل الجماعي. لجان شعبية في الأحياء تعزز التضامن وتدير خدمات أساسية، تنظيمات عمالية جديدة تخترق قطاعات غير رسمية وتناضل من أجل حقوق العاملين في المنصات الرقمية، حركات شبابية تربط بين النضال البيئي والطبقي، وتنسيقات نسوية تصل بين تحرير المرأة والتحرر الاجتماعي الأشمل. ورغم محدودية هذه المبادرات، فإنها تحمل بذور بنية تنظيمية أوسع.
المهمة الراهنة، نظريًا وعمليًا، تكمن في جمع هذه التجارب الجزئية ضمن رؤية تنظيمية متكاملة. رؤية تصون عفوية الجماهير وإبداعها، وفي الوقت ذاته تبني أدوات قيادة جماعية قادرة على التخطيط الاستراتيجي. رؤية تتجنب بيروقراطية الماضي ومركزيته المفرطة وانفصاله عن القواعد، لكنها لا تتخلى عن ضرورة التنظيم خوفًا من تكرار تلك الأخطاء.
وكما كتبت روزا لوكسمبورغ: "الجماهير هي التي تصنع التاريخ، لكنها تصنعه في صراع دائم بين العفوية والتنظيم". لقد أظهر الربيع العربي قوة العفوية بكل طاقتها، لكنه عجز عن إنتاج التنظيم الذي يحميها ويحولها إلى مشروع بناء دائم. سد هذه الفجوة هو شرط الانتقال من لحظة الانتفاض إلى أفق السلطة البديلة، ومن الغضب إلى التحرر الشامل.
النضال مستمر،،
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. بين أميركا وإيران.. كيف تؤثر شروط إسرائيل على مسار المفاوضات
.. سياق الحدث| ما الأفق الذي ينتظر المفاوضات المرتقبة في إسلام
.. فيصل أبو صليب: الرادارات القطرية المتطورة رصدت محاولات إيران
.. الوفد الإيراني المفاوض يصل العاصمة الباكستانية.. تعرف على أع
.. فرقة المظليين 82 تعزز الوجود العسكري الأميركي بالمنطقة