الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


7. الثورة ضد النهاب: الاقتصاد السياسي الخفي لشعارات الربيع العربي

عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)

2026 / 2 / 25
مواضيع وابحاث سياسية


حين خرجت الجماهير إلى الساحات العربية في 2010-2011، لم تكن تحمل بيانات نظرية أو برامج حزبية جاهزة. كانت تحمل شعارات تبدو بسيطة: "عيش، حرية، كرامة إنسانية"، "الشعب يريد إسقاط النظام"، "يسقط حكم العسكر". هذه الشعارات، في ظاهرها العفوي، أخفت في باطنها وعيًا طبقيًا عميقًا، وعيًا لم يصل بعد إلى مرتبة التنظيم لكنه التقط بدقة طبيعة النظام كـ"نهاب" جماعي. فكلمة "الفساد" التي ترددت في كل الخطابات لم تكن تعني مجرد سرقة أموال عامة، بل كانت تشير إلى نمط كامل من العلاقات الاجتماعية يقوم على نقل الثروة من الجماهير المنتجة (أو المفقرّة) إلى نخبة طفيلية. كان الخطاب الشعبي أكثر دقة من التحليلات الأكاديمية: "الفساد" هو اسم العلاقة الطبقية في المجتمعات الريعية.

ما أطلق عليه الإعلام "مطالب ديمقراطية" كان في جوهره رفضًا لعلاقة نهب متكاملة. حين يهتف شباب تونس "التشغيل حق، يا دولة اللصوص"، فإنه يربط بين البطالة وسرقة الدولة للثروة. حين يهتف شباب مصر "عيش، حرية، عدالة اجتماعية"، فإنه يصوغ معادلة سياسية-اقتصادية متكاملة: لا حرية بدون عيش، ولا عيش بدون عدالة، ولا عدالة بدون حرية. هذا الربط بين المطالب هو ما أعطى الانتفاضات عمقها الثوري، وهو ما جعلها تخيف النخب الحاكمة والمانحين الدوليين معًا.

الاقتصاد السياسي الخفي لهذه الشعارات يمكن تفكيكه عبر ثلاث حلقات مترابطة. الحلقة الأولى: رفض الريع كأساس للشرعية. حين هاجمت الجماهير رموز النظام، كانت تهاجم فكرة أن الحكم يمكن أن يستمر عبر توزيع الريع لا عبر إنتاج القيمة. الخروج على النظام كان خروجًا على عقد اجتماعي وهمي: "نحن نوزع عليكم فتات الريع مقابل سكوتكم عن حقكم في تقرير المصير". رفض هذا العقد كان لحظة وعي حادة: أدركت الجماهير أن ما تحصل عليه من النظام (دعم، وظائف وهمية، خدمات متدنية) لا يساوي شيئًا مقابل ما يسحبه منها النظام (كرامة، مستقبل، وجود اجتماعي).

الحلقة الثانية: كشف الطبيعة الطبقية للدولة. شعار "يسقط النظام" لم يكن مجرد هجوم على رئيس، بل كان هجومًا على كتلة تاريخية كاملة: رجال أعمال المراكز النافذة، ضباط الأمن والجيش المتحولين إلى رأسماليين، البيروقراطيين الفاسدين، النخب الإعلامية المرتبطة بالنظام. الساحات أنتجت وعيًا جماعيًا بأن "النظام" ليس شخصًا ولا عائلة، بل هو شبكة مصالح متكاملة تعيد إنتاج نفسها عبر السيطرة على الدولة والثروة معًا. هذا الوعي هو ما جعل الهجوم على الرؤوس غير كافٍ، وفرض ضرورة الهجوم على البنية.

الحلقة الثالثة: المطالبة باستعادة الثروة المنهوبة. كل الانتفاضات العربية حملت مطالب بالقصاص من رموز الفساد واستعادة الأموال المنهوبة. هذا المطلب، في عمقه، هو مطلب بإعادة توزيع جذرية للثروة. ليس مجرد محاكمة أشخاص، بل تفكيك الآليات التي سمحت بتراكم ثروات هائلة في يد أقلية بينما تعيش الأغلبية على الفتات. صحيح أن هذه المطالب ترجمت أحيانًا بشكل قانوني محدود (قوانين استرداد الأموال، هيئات مكافحة الفساد)، لكنها كانت تشير إلى ما هو أعمق: ضرورة إعادة هيكلة علاقات الملكية ذاتها.

لكن هذه الشعارات الثورية اصطدمت بغياب التنظيم والقدرة على التحول إلى برنامج سياسي-اقتصادي واضح. ظلت في مستوى الرفض الأخلاقي للنظام، دون أن ترتقي إلى مستوى بناء بديل ملموس. هذا الفتح ترك الساحات مكشوفة أمام قوى الثورة المضادة التي استغلت الغموض لتعيد تعريف المطالب الشعبية بصيغة محايدة سياسيًا: "الدولة المدنية"، "الانتقال الديمقراطي"، "محاربة الفساد" كشعارات يمكن تفريغها من محتواها الطبقي وإعادة توظيفها لصالح إعادة إنتاج النخب القديمة بوجوه جديدة.

في مصر، استطاع تحالف العسكر ورأس المال القديم أن يلتقط شعارات الثورة ويعيد توجيهها. "عدالة اجتماعية" تحولت إلى برامج مساعدات عينية، "محاربة الفساد" تحولت إلى حملات انتقائية ضد خصوم سياسيين، "الديمقراطية" تحولت إلى صناديق اقتراع شكلية تفرغ الانتخابات من معناها. في تونس، استطاعت النخب الحزبية الجديدة أن تتبنى الخطاب الثوري بينما كانت تعيد إنتاج نفس العلاقات الاقتصادية القديمة عبر الشراكات مع صندوق النقد والمانحين الدوليين.

هذا الفشل في تحويل الشعارات الثورية إلى برنامج طبقي واضح يعود، في جذوره، إلى ضعف التنظيم السياسي للطبقات المسحوقة. الساحات أنتجت وعيًا متقدمًا لكنها لم تنتج أدوات تنظيمية قادرة على ترجمة هذا الوعي إلى قوة مادية. الغضب تحول إلى زخم، والزخم تحول إلى مكاسب سياسية مؤقتة، لكن المكاسب السياسية لم تتحول إلى تغيير في علاقات الإنتاج لأن القوى القادرة على فرض هذا التغيير كانت غائبة أو مشتتة.

لذلك، فإن الدرس المركزي للمرحلة القادمة هو ضرورة تجاوز شعارات الرفض الأخلاقي نحو برنامج إيجابي واضح. برنامج لا يكتفي بمحاربة الفساد، بل يحدد آليات استعادة الثروة العامة ونزع ملكية البرجوازية الريعية. برنامج لا يكتفي بالمطالبة بالديمقراطية الإجرائية، بل يبني أشكالًا جديدة للديمقراطية المباشرة تقوم على مشاركة المنتجين في إدارة الاقتصاد. برنامج لا يكتفي برفض النهب، بل يبني بديلًا إنتاجيًا قائمًا على أولوية العمل على الريع، وحاجة المجتمع على ربح القلة.

كما كتب كارل ماركس في "نقد برنامج غوتا": "لكل حسب مساهمته" هو مبدأ المجتمع الانتقالي، لكن الهدف الأسمى هو "من كل حسب قدرته، لكل حسب حاجته". بين اللحظة الراهنة وذلك الهدف، تقف مهمة بناء برنامج مرحلي واضح يستجيب لمطالب الجماهير بلغة المصالح الطبقية، ويترجم شعارات الساحات إلى أدوات تغيير جذري في علاقات الإنتاج. هذه هي مهمة النظرية الثورية اليوم: تحويل الغضب الأخلاقي إلى برنامج سياسي-اقتصادي ملموس.

النضال مستمر،،








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. بين أميركا وإيران.. كيف تؤثر شروط إسرائيل على مسار المفاوضات


.. سياق الحدث| ما الأفق الذي ينتظر المفاوضات المرتقبة في إسلام




.. فيصل أبو صليب: الرادارات القطرية المتطورة رصدت محاولات إيران


.. الوفد الإيراني المفاوض يصل العاصمة الباكستانية.. تعرف على أع




.. فرقة المظليين 82 تعزز الوجود العسكري الأميركي بالمنطقة