الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


أول ولادة بعد زراعة رحم من سيدة متوفاة في بريطانيا: قصة أمل تحوّلت إلى معجزة حياة

عامر هشام الصفّار

2026 / 2 / 25
الطب , والعلوم


في سن السادسة عشرة، تلقت غريس بيل خبراً غيّر مجرى حياتها بالكامل. أخبرها الأطباء بأنها وُلدت من دون رحم. تتذكر تلك اللحظة قائلة إنها دخلت إلى دورة المياه في المستشفى وانفجرت بالبكاء، بعدما أدركت أنها قد لا تتمكن يوماً من إنجاب الأطفال.
منذ ذلك اليوم، وفي كل عيد ميلاد، كانت تطفئ شموعها وتتمنى الأمنية نفسها: أن تُرزق بطفل.
وفي شهر ديسمبر الماضي، تحققت أمنيتها أخيراً. فلقد
أصبحت غريس بيل أول امرأة في المملكة المتحدة تضع مولوداً بعد خضوعها لعملية زراعة رحم من سيدة متوفاة. فقد وُلد ابنها، هوغو باول، في مستشفى “كوين شارلوت آند تشيلسي” في لندن، بوزن 6 أرطال و13 أونصة، وسط أجواء وصفتها بأنها كانت “غرفة مليئة بالفرح”. وقالت بيل: “إنها معجزة بكل معنى الكلمة. لم أتخيل يوماً أن هذا ممكن. أشعر أنني أسعد إنسانة في العالم”.
تعاني بيل، وهي في الثلاثينيات من عمرها وتعيش في جنوب إنجلترا، من متلازمة “ماير-روكيتانسكي-كوستر-هاوزر”، وهي حالة نادرة تؤدي إلى غياب الرحم أو عدم اكتمال نموه. وفي عام 2024 خضعت لعملية جراحية معقدة استغرقت سبع ساعات لزراعة رحم، تبرعت به امرأة بعد وفاتها، وكانت قد أنقذت حياة عدة أشخاص عبر التبرع بخمسة أعضاء لمرضى آخرين.
ولقد شهدت المملكة المتحدة حتى الآن خمس عمليات زراعة رحم، جميعها نُظمت ومُولت من قبل مؤسسة “وومب ترانسبلانت UK” الخيرية.
ويُعد هوغو ثاني طفل يولد في بريطانيا نتيجة زراعة رحم، لكنه الأول من متبرعة متوفاة. أما الحالة الأولى فكانت للطفلة إيمي إيزابيل ديفيدسون، التي وُلدت العام الماضي بعد أن تبرعت خالتها برحمها لوالدتها في عملية تبرع من متبرعة على قيد الحياة.
بعد نجاح عملية الزراعة، خضعت بيل وزوجها ستيف باول لعملية إخصاب في المختبر (IVF). وعندما علما بحملها، لم يصدقا الخبر. تقول بيل: “شعرت أنني أكثر فتاة محظوظة في العالم. أود أن تعرف عائلة المتبرعة كم هو عظيم هذا العطاء الذي قدموه لي. لقد حققوا كل أحلامي. أفكر في المتبرعة وعائلتها كل يوم، وأدعو أن يجدوا بعض السلوى في معرفتهم أن ابنتهم منحتني أعظم هدية… هدية الحياة. جزء منها سيبقى حياً إلى الأبد”.
ومما يذكر فإن من قادت عملية الزراعة هي الجرّاحة الاستشارية إيزابيل كيروجا، المسؤولة السريرية عن استرجاع الأعضاء في مركز أكسفورد لزراعة الأعضاء. وأوضحت أن هناك نافذة زمنية “ثمينة جداً” لا تتجاوز 12 ساعة يمكن خلالها استخدام الرحم من متبرعة متوفاة. ووصفت العملية بأنها “خطوة رائدة” تمنح الأمل لنساء أخريات، خاصة من لا تتوفر لهن متبرعات على قيد الحياة، قائلة إن هذا الإنجاز يفتح الباب أمام المزيد من النساء لتحقيق حلم الأمومة.
ورغم بقاء هوية المتبرعة مجهولة، عبّر والداها عن “فخر عظيم” بابنتهما. وقالا في بيان مؤثر: “فقدان ابنتنا حطم عالمنا بطرق لا يمكن للكلمات أن تصفها. الألم طاغٍ، وغيابها وجع سنحمله معنا إلى الأبد. لكن وسط هذا الحزن الذي لا يُحتمل، وجدنا عزاءً بسيطاً في أن فعلها الأخير كان عملاً خالصاً من الكرم. من خلال التبرع بالأعضاء، منحت عائلات أخرى هدية الوقت، والأمل، والشفاء، والآن الحياة. نحث الآخرين على التفكير في التبرع حتى يُمنح مزيد من المحتاجين فرصة للعيش، كما كانت ابنتنا تتمنى بسخاء”.
ولا يشمل برنامج التبرع بالأعضاء التابع لهيئة الخدمات الصحية الوطنية (NHS) الرحم ضمن قائمة الأعضاء المتاحة للتبرع الروتيني، بل يتطلب الأمر موافقة خاصة من عائلة المتوفاة. وعلى مستوى العالم، وُلد نحو 70 طفلاً نتيجة عمليات زراعة رحم منذ أول عملية أُجريت في السويد عام 2014، إلا أن معظم الحالات كانت من متبرعات أحياء.
في المملكة المتحدة، تُمول العمليات من قبل مؤسسة “وومب ترانسبلانت UK”، التي يقودها البروفيسور ريتشارد سميث، استشاري جراحة أمراض النساء في “إمبريال كوليدج هيلث كير”. وتكريماً له، أطلق الزوجان على طفلهما الاسم الأوسط “ريتشارد”.
وقال سميث، الذي حضر لحظة الولادة: “لقد ساعدت في ولادة أكثر من ألف طفل خلال مسيرتي. لم يُسمَّ أي طفل باسمي من قبل. هذا الأمر أبكاني حقاً”. وهو يجري حالياً محادثات مع هيئة الخدمات الصحية الوطنية لتأمين تمويل مستقبلي للنساء اللواتي لا يملكن وسيلة أخرى للإنجاب.
ومما يذكر فأن تكلفة عملية زراعة الرحم تبلغ نحو 30 ألف جنيه إسترليني. ويُقدَّر أن حوالي 15 ألف امرأة في سن الإنجاب في بريطانيا لا يملكن رحماً فعالاً، سواء بسبب حالات خلقية أو نتيجة استئصال الرحم خلال علاج السرطان. وتشترط الأهلية لإجراء العملية أن تكون المرأة مقيمة في المملكة المتحدة، ويتراوح عمرها بين 24 و40 عاماً.
وقد تفكر بيل في إنجاب طفل ثانٍ، على أن يُزال الرحم المزروع بعد ذلك، إذ إن إبقاءه يتطلب تناول أدوية مثبطة للمناعة مدى الحياة، وهو ما ينطوي على مخاطر صحية.
وكان الزوجان قد درسا سابقاً خيار تأجير الأرحام لتكوين أسرة، قبل أن ينضما إلى برنامج زراعة الرحم قبل عدة سنوات.
ويرى خبراء أن المملكة المتحدة قد تشهد مستقبلاً إجراء ما يصل إلى 30 عملية زراعة رحم سنوياً. وتشير بيانات من الولايات المتحدة إلى أن أكثر من نصف النساء اللواتي خضعن لزراعة رحم نجحن لاحقاً في تحقيق حمل ناجح.
إن قصة غريس بيل ليست مجرد إنجاز طبي، بل شهادة إنسانية على قوة الأمل، وكرم العطاء، وقدرة العلم على تحويل الأمنيات المستحيلة إلى واقع نابض بالحياة.
(ترجمتي بتصرف عن الأصل : جريدة التايمز اللندنية الصادرة اليوم الثلاثاء ٢٤ شباط ٢٠٢٦)








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الحلقة الأولى | الجزر المتجمدة | ناشونال جيوغرافيك أبوظبي


.. بصور الأقمار الصناعية العسكرية.. حجم الدمار على إيران




.. ابتداءً 13 أبريل | إخفاقات البناء | ناشونال جيوغرافيك أبوظبي


.. موسم جديد | فريق إنقاذ الطرق الجليدية | ناشونال جيوغرافيك أب




.. المتحدث باسم الخارجية الفرنسية: مضيق هرمز دولي تنطبق عليه قو