الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


6. العولمة النيوليبرالية والدولة البوابة: إدارة النهب من الخارج والداخل

عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)

2026 / 2 / 23
مواضيع وابحاث سياسية


لا يمكن فهم الدولة العربية المعاصرة بمعزل عن موقعها في نظام التراكم العالمي. فالدولة هنا ليست كيانًا مغلقًا يمارس سيادة مطلقة على أراضيه، بل هي "دولة بوابة" (Gateway State) تعمل كحلقة وصل بين تدفقات رأس المال العالمي والسوق المحلية. وظيفتها الأساسية ليست حماية الاقتصاد الوطني أو تطوير قوى الإنتاج الداخلية، بل تسهيل حركة رأس المال العابر للحدود، واستقطاب الاستثمارات الأجنبية، وضمان تدفق الريع الخارجي، سواء كان نفطًا أو تحويلات أو مساعدات أو سياحة. هذه الوظيفة الجديدة تعيد تعريف السيادة ذاتها: الدولة تحافظ على شكلها السياسي مقابل تفريغ محتواها الاقتصادي لصالح شبكات التراكم العالمية.

العولمة النيوليبرالية لم تفرض نفسها على العالم العربي عبر القوة المباشرة فقط، بل عبر بناء تحالف عضوي بين النخب المحلية ورأس المال العالمي. هذا التحالف له مصلحة مشتركة في إبقاء الاقتصاد منفتحًا على التدفقات الخارجية، ومقفلًا في وجه أي مشروع تنمية وطنية مستقل. فالدولة البوابة لا تريد صناعة محلية قوية قد تنافس المستوردات، ولا تريد طبقة عاملة منظمة قد تطالب بأجور أعلى، ولا تريد رأسمالية منتجة قد تستغني عن الوساطة. كل ما تريده هو بقاء قنوات الريع مفتوحة، وقدرتها على تحصيل عمولتها من كل صفقة تمر عبرها.

المنظمات المالية الدولية (صندوق النقد، البنك الدولي) لعبت دورًا محوريًا في تشكيل هذه الدولة البوابة. شروط الإقراض والتكييف الهيكلي لم تكن مجرد توصيات فنية، بل كانت إعادة هندسة كاملة للدولة: خصخصة القطاع العام، تحرير التجارة، تعويم العملات، إلغاء الدعم، فتح الأسواق أمام المستوردات. هذه السياسات قدمت على أنها "إصلاحات اقتصادية" ضرورية، لكنها في جوهرها كانت عملية تفكيك لأي قدرة وطنية على الإنتاج المستقل، وتحويل الاقتصاد إلى ملحق تابع للأسواق العالمية.

في المقابل، استفادت النخب المحلية من هذه السياسات بشكل مضاعف. فمن جهة، حصلت على عمولات من صفقات الخصخصة والاستثمار الأجنبي. ومن جهة أخرى، أصبحت وكلاء حصريين للشركات العالمية في الأسواق المحلية. هذا الموقع المزدوج (وسيط بين العالمي والمحلي) هو مصدر قوتها وثروتها. لذلك تدافع هذه النخب بشراسة عن سياسات الانفتاح والتحرير، ليس لأنها تؤمن بفعاليتها الاقتصادية، بل لأنها تشكل أساس وجودها الطبقي ذاته.

الريع الخارجي بأشكاله المتعددة هو شريان الحياة لهذه الدولة البوابة. النفط في الخليج والجزائر والعراق وليبيا، تحويلات العمالة في مصر والأردن ولبنان، المساعدات والمنح في كل الدول تقريبًا، السياحة في تونس والمغرب ومصر، الاستثمارات العقارية في الإمارات ومصر. هذه التدفقات لا تحتاج إلى عمل منتج محلي، ولا تخلق روابط أمامية أو خلفية مع الاقتصاد الوطني، بل تبقى فوائض منفصلة تُستهلك في استيراد السلع الكمالية والاستثمار العقاري والمضاربات المالية. الدولة البوابة تعيش على هذه التدفقات، وعندما تجف، تنهار قدرتها على توزيع الريع وشراء الولاء، وتدخل في أزمة عميقة كما حدث في 2010-2011.

هذه البنية تفسر التناقض الظاهري في موقف القوى الإمبريالية من الثورات العربية. فالغرب يعلن دعمه للديمقراطية وحقوق الإنسان، لكنه يتعامل ببراغماتية كاملة مع الأنظمة المستبدة طالما استمرت في ضمان تدفق الريع وحماية المصالح الغربية. حين هددت الانتفاضات استقرار الدولة البوابة، تحول الدعم الغربي من الأنظمة القديمة إلى قوى الثورة المضادة، ثم عاد بسرعة إلى أحضان الأنظمة العسكرية-الأمنية الجديدة التي أثبتت قدرتها على إدارة النهب بكفاءة أكبر. ليس هناك تناقض هنا، بل استمرارية في الهدف: الحفاظ على الدولة البوابة مهما كان شكلها السياسي.

لبنان يقدم النموذج الأكثر كارثية لهذه العلاقة. دولة بوابة بامتياز، تعيش على تحويلات المغتربين والمساعدات الخارجية والودائع المصرفية الجاذبة للفوائد المرتفعة. مصرف لبنان المركزي والبنوك التجارية شكلوا العمود الفقري لهذه الدولة، حيث يجمعون الأموال من الخارج ويعيدون توظيفها في دين عام مرتفع العائد ووهم استقرار العملة. وعندما انهارت الثقة وهربت الودائع، انهارت الدولة كلها، لأنها لم تكن تملك أي قاعدة إنتاجية حقيقية تعوّضها. ما حدث في لبنان بعد 2019 هو صورة مصغرة لما ينتظر كل الدول العربية إذا استمرت في نموذج الدولة البوابة دون بناء قدرات إنتاجية ذاتية.

هذه البنية تفرض تحديات استراتيجية على أي مشروع تحرري. فالنضال ضد الاستبداد المحلي لا يكفي إذا لم يقترن بنضال ضد موقع التبعية في النظام الرأسمالي العالمي. الدولة البوابة لا يمكن إصلاحها، بل يجب تفكيكها وبناء دولة جديدة قائمة على أولوية الإنتاج المحلي، وحماية السوق الداخلية، والتخطيط الديمقراطي للاقتصاد. كتب فرانز فانون في "معذبو الأرض": "إن التحرر الوطني الحقيقي لا يتحقق بطرد المستعمر فقط، بل ببناء مجتمع جديد يلغي علاقات التبعية جذريًا"، في زمن العولمة، يعني هذا كسر احتكار النخب الوسيطة للعلاقة مع الخارج، وبناء قدرة وطنية على تحديد أولويات التراكم وفقًا لمصالح الأغلبية المسحوقة.

النضال مستمر،،








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. أول تعليق من ترامب على مفاوضات أميركا وإيران في باكستان.. هذ


.. نافذة تحليلية | إسلام آباد تستضيف مفاوضات حساسة بين واشنطن و




.. ترمب: سيعاد فتح مضيق هرمز وشرطنا الأول ألا يكون هناك تخصيب ن


.. اتصال لبناني إسرائيلي أمريكي رسمي.. ماذا جاء فيه؟




.. مشاهد وصول وفد إيران إلى إسلام آباد للمشاركة في محادثات السل