الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
5. الدولة الأمنية كفاعل اقتصادي: الميليشيا، الخصخصة، ورأس المال العنيف
عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)
2026 / 2 / 21
مواضيع وابحاث سياسية
تتحول الدولة العربية المعاصرة من جهاز سياسي يحتكر العنف إلى فاعل اقتصادي مباشر يندمج في عملية التراكم ذاتها. لا يتعلق الأمر بفساد طارئ أو بسوء إدارة يمكن إصلاحه إداريًا، بل بإعادة صياغة العلاقة بين رأس المال والقوة المسلحة بحيث تصبح المؤسسة العسكرية-الأمنية مستثمرًا ومحتكرًا في آنٍ معًا. في هذا السياق يتبلور ما يمكن تسميته بـ"رأس المال العنيف"، وهو شكل من التراكم لا يعتمد على التنافس في السوق بقدر اعتماده على السيطرة على مفاصل الدولة لضمان الربح المحمي بالقوة.
الميليشيا، في هذا الإطار، ليست انحرافًا عن نموذج الدولة، بل تكثيفًا له في لحظة تفكك المركز. فعندما تضعف السلطة المركزية لا يختفي منطق الريع، بل يتشظى إلى تشكيلات مسلحة تعيد إنتاجه على نطاق محلي. في سوريا والعراق وليبيا واليمن تستولي التشكيلات المسلحة على موارد النفط والموانئ والمعابر، وتفرض جبايات غير رسمية، وتحتكر التجارة مقابل توزيع الولاءات عبر شبكات قبلية أو طائفية. العنف هنا أكثر مباشرة، لكنه يظل خاضعًا للمنطق ذاته: احتكار المورد مقابل احتكار السلاح.
أما الخصخصة التي جرت منذ التسعينيات فلم تكن تحريرًا للسوق بقدر ما كانت إعادة توزيع للملكية داخل الشبكة الحاكمة. بيعت شركات القطاع العام إلى رجال أعمال مرتبطين عضويًا بأجهزة الأمن والجيش، بعضهم ضباط سابقون أو مقاولون عسكريون. بهذا المعنى لم تُفتح الأسواق أمام تنافس مستقل، بل جرى تحويل الملكية العامة إلى ملكية خاصة لكتلة مترابطة من رأس المال المرتبط بالقوة. الخصخصة هنا كانت لحظة تأسيس لرأس المال العنيف لا قطيعة معه.
وتعمل الدولة الأمنية اقتصاديًا وفق منطق "الريع المحمي". لا يمر مشروع كبير دون موافقة أمنية، ولا ينجح استثمار أجنبي دون شراكة مع مراكز القوة، ولا يُمنح ترخيص إلا عبر قنوات رقابية سياسية. السوق يتحول بذلك إلى فضاء مشروط، حيث تصبح الميزة التنافسية الأساسية هي القرب من جهاز القمع. يخشى رأس المال العنيف فقدان الحماية السياسية أكثر مما يخشى تقلبات العرض والطلب، لأن مصدر قوته الحقيقي هو الامتياز السيادي لا الكفاءة الإنتاجية.
النتيجة الاجتماعية لهذا النمط من التراكم هي تحول المجتمع إلى مجموعات متباينة في الحقوق: فمن يمتلك القوة يحدد من يحق له الحياة بكرامة، ومن يُترك للإقصاء والموت البطيء. المدن الجديدة المغلقة للأثرياء تحرسها شركات أمنية خاصة تتبع لشبكة رأس المال العنيف نفسها، بينما الأحياء الشعبية تخضع لحملات أمنية دورية هدفها الظاهري "استعادة النظام" وجوهرها الحقيقي حماية مناطق النفوذ الاقتصادي من غضب المفقرين.
يقدم النموذج المصري بعد 2013 الصيغة الأكثر تنظيماً لهذه العلاقة، حيث تتحول المؤسسة العسكرية إلى تكتل احتكاري يسيطر على قطاعات البنية التحتية والعقارات والغذاء والوقود، مستندة في ذلك إلى سلطة سيادية تحميها من أي منافسة حقيقية. في السودان، قدمت قوات الدعم السريع نموذجًا مغايرًا: ميليشيا تتحول إلى إمبراطورية اقتصادية تمتلك مناجم الذهب والمزارع والمشاريع التجارية، ثم تستخدم هذه الثروة لتعزيز قوتها العسكرية، حيث يذوب الفرق بين الحرب والتجارة وبين السياسة والجريمة المنظمة.
تكشف هذه البنية لماذا أي نضال ديمقراطي حقيقي يجب أن يكون نضالاً ضد هذا التشابك بين الاقتصاد والعنف. فالمطالبة بإصلاح قطاع الأمن أو بمحاربة الفساد تبقى سطحية ما لم تستهدف التفكيك الجذري لعلاقة رأس المال بالعنف. الدولة الأمنية كفاعل اقتصادي لا يمكن إصلاحها، بل يجب تفكيكها عبر نزع ملكية شركاتها وإخضاعها للمساءلة الشعبية وكسر احتكارها للقوة والثروة معًا.
وكما كتبت روزا لوكسمبورغ: "الحرية هي دائماً حرية من يفكر بطريقة مختلفة". في ظل هيمنة رأس المال العنيف، تعني الحرية أولاً وقبل كل شيء حرية الفقراء من الابتزاز المزدوج: ابتزاز السوق الذي لا يوفر عملاً، وابتزاز الدولة التي تبيع الحماية لمن يدفع. إن كسر هذه الدائرة هو المهمة التاريخية للطبقات المسحوقة اليوم، وأي مشروع تحرري لا يضع تفكيك هذه العلاقة في صميم برنامجه سيبقى أسيرًا للأوهام الإصلاحية.
النضال مستمر،،
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. أول تعليق من ترامب على مفاوضات أميركا وإيران في باكستان.. هذ
.. نافذة تحليلية | إسلام آباد تستضيف مفاوضات حساسة بين واشنطن و
.. ترمب: سيعاد فتح مضيق هرمز وشرطنا الأول ألا يكون هناك تخصيب ن
.. اتصال لبناني إسرائيلي أمريكي رسمي.. ماذا جاء فيه؟
.. مشاهد وصول وفد إيران إلى إسلام آباد للمشاركة في محادثات السل