الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
4. الدولة البونابرتية الجديدة: من دولة التحديث إلى دولة الأمننة الشاملة
عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)
2026 / 2 / 19
مواضيع وابحاث سياسية
لم تكن الدولة العربية المعاصرة في أي مرحلة كياناً محايداً يدير التناقضات، بل كانت دوماً التجسيد المادي لتحالف طبقي ريعي يحتكر أدوات الإنتاج والعنف معاً. غير أن هذا التحالف لم يبقَ على حاله؛ إذ مرّ بتحولات بنيوية عميقة نقلته من صيغة "دولة التحديث" البيروقراطية في منتصف القرن العشرين، التي حملت مشروعاً تنموياً قائماً على رأسمالية الدولة بهدف استيعاب الجماهير واحتوائها، إلى صيغة "دولة الأمننة الشاملة" التي لم تعد تملك سوى إنتاج القمع وإدارة الانهيار. وفي هذا المسار يبرز مفهوم "البونابرتية" كما صاغه كارل ماركس في "الثامن عشر من برومير"، حيث تتضخم السلطة التنفيذية لتعلو فوق المجتمع مستفيدة من إنهاك الطبقات وتوازنها السلبي، فتوزع الريع والقهر معاً، وتستمد شرعية زائفة من ادعاء حماية الدولة من الفوضى التي صنعتها سياساتها ذاتها.
قامت دولة التحديث، في صيغها الناصرية والبعثية والبورقيبية، على عقد اجتماعي شعبوي: خدمات عامة ووظائف وتعليم مقابل تحييد الفاعلية السياسية المستقلة للجماهير. استند هذا العقد إلى فائض ريعي، نفطي أو قائم على المعونات، لا إلى قاعدة إنتاجية وطنية متماسكة، ما جعلها دولة توزيعية بامتياز. ومع تفكك هذا النموذج تحت ضغط أزمة الديون وسياسات التكييف الهيكلي النيوليبرالية، تآكلت قدرة الدولة على شراء الولاء الاجتماعي، فانكشف جوهرها القمعي العاري. لم تعد معنية بإقناع الجماهير، بل أصبح همها الأساسي إخضاعها.
تتحدد البونابرتية الجديدة في السياق العربي الراهن عبر ثلاث سمات طبقية حاسمة. أولاً: الاستقلال الظاهري للجهاز التنفيذي، حيث يقدم رأس السلطة نفسه حكماً "فوق طبقي" يحمي التوازن من الإرهاب أو التقسيم، بينما يصون في الواقع مصالح البرجوازية الطفيلية وكبار البيروقراطيين. ثانياً: عسكرة الرأسمال، إذ لم يعد الجيش مجرد مؤسسة دفاعية، بل تحول إلى رأسمالي كلي يمتلك المصانع والشركات والأراضي، وينافس القطاعين الخاص والعام في فائض القيمة مستنداً إلى سلطته السيادية لإقصاء المنافسين. ثالثاً: تحويل القضايا الاجتماعية إلى ملفات أمنية؛ فالبطالة وأزمة السكن لم تعودا مسائل تخطيط اقتصادي، بل صارتا تهديدات أمنية تستدعي الردع وتوسيع السجون وتعميق المراقبة.
يمثل النموذج المصري بعد 2013 المختبر الأوضح لهذه البنية؛ فقد جرى ابتلاع المجال العام لصالح تحالف عسكري-أمني-استخباري يدير الدولة كملكية خاصة. المؤسسات الدستورية والبرلمانية تحولت إلى واجهات شكلية تمنح غطاءً لقرارات الجهاز التنفيذي، بينما غدا الاقتصاد مجال نفوذ مباشر للأجهزة السيادية. الدولة هنا لا تنظم مجتمعاً بقدر ما تدير معسكراً واسعاً منضبطاً طبقياً ومكانياً: مجمعات مغلقة للنخبة المحمية، وأحياء هامشية للفقراء تخضع لرقابة مستمرة.
أما في تونس، فقد اتخذت الأمننة مساراً قانونياً التفافياً؛ إذ أعيد تفعيل الترسانة القمعية تحت شعارات مثل حالة الطوارئ والحرب على الإرهاب، لتكتشف قطاعات من النخب الليبرالية أن الاتكاء على الأجهزة الأمنية أكثر ضماناً لمصالحها من الرهان على تعبئة الجماهير. وفي الحالات الأكثر دموية، كما في سوريا وليبيا واليمن، تفككت البونابرتية المركزية إلى بونابرتيات ميليشياوية مجزأة، حيث تعيد كل سلطة محلية إنتاج منطق الريع والقمع ضمن نطاق ضيق، محولة السياسة إلى صراع مسلح ذي أبعاد طبقية وإثنية متداخلة.
يفسر هذا الإطار عجز انتفاضات 2011 عن إحداث قطيعة جذرية؛ فقد انصب الهجوم على الرأس السياسي دون المساس بجهاز الدولة العسكري-الأمني الراسخ. وحين تراجع الزخم الشعبي، استعاد الجسد الصلب للدولة تماسكه، مستبدلاً بعض الوجوه ليعيد إنتاج البنية ذاتها بصورة أكثر انغلاقاً وعنفاً. إن الدولة البونابرتية الجديدة تمثل رد فعل الطبقة الحاكمة على خوفها من السقوط، ومحاولة لتأبيد علاقات الاستغلال عبر القوة المباشرة.
وتنبثق من ذلك مهمة تاريخية واضحة أمام البروليتاريا والمهمشين: ليس إصلاح هذا الجهاز أو المطالبة بديمقراطية إجرائية ضمن حدوده، بل تحطيم هذه الماكينة الطبقية كما أكد فلاديمير لينين في "الدولة والثورة". فلا يمكن تشييد مجتمع الحرية عبر أدوات القمع البونابرتية؛ إذ إن الدولة الأمنية العربية لا تحرس الوطن بقدر ما تحرس امتيازات النخبة الريعية من غضب المفقرين. وأي مشروع تحرري حقيقي يبدأ بكسر احتكار الدولة للعنف والثروة، وإحلال سلطة المجالس الشعبية والمنتجين كبديل تاريخي يفتح أفقاً مغايراً.
"إن الدولة ليست إلا آلة لقمع طبقة من قبل طبقة أخرى، وهذا يصدق على الجمهورية الديمقراطية بقدر ما يصدق على الملكية."
فريدريك إنجلز.
النضال مستمر،،
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. أول تعليق من ترامب على مفاوضات أميركا وإيران في باكستان.. هذ
.. نافذة تحليلية | إسلام آباد تستضيف مفاوضات حساسة بين واشنطن و
.. ترمب: سيعاد فتح مضيق هرمز وشرطنا الأول ألا يكون هناك تخصيب ن
.. اتصال لبناني إسرائيلي أمريكي رسمي.. ماذا جاء فيه؟
.. مشاهد وصول وفد إيران إلى إسلام آباد للمشاركة في محادثات السل