الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
2. من البرجوازية الوطنية إلى البرجوازية الريعية: إجهاض التصنيع وتحول الدولة إلى وسيط نهب
عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)
2026 / 2 / 15
مواضيع وابحاث سياسية
لم يكن التحول من برجوازية وطنية إلى برجوازية ريعية مجرد انزياح في طبيعة النشاط الاقتصادي، بل كان انقلابًا طبقيًا شاملًا أعاد تشكيل بنية الدولة وعلاقتها بالمجتمع. فالتجربة التصنيعية في منتصف القرن العشرين، رغم محدوديتها وتبعيتها، أنتجت برجوازية صغيرة ومتوسطة لها مصلحة نسبية في توسيع السوق المحلية وخلق فرص عمل. تلك البرجوازية، التي قامت على أساس استثمار فائض القيمة المستخرج من العمل الزراعي والصناعي المحدود، كانت بحاجة إلى استقرار نسبي وقدرة على إعادة الإنتاج. لكنها اصطدمت بحدود التراكم المحلي وبضغط الرأسمال العالمي، فكان الاختيار إما التصعيد نحو استقلال اقتصادي حقيقي أو التحول نحو الريع كحل سهل وسريع.
الريع لم يأتِ من فراغ، بل كان نتاج اندماج عضوي بين النخب المحلية وسياسات التكييف الهيكلي التي فرضتها مؤسسات بريتون وودز منذ الثمانينيات. تلك السياسات لم تفتح الأسواق فقط، بل أعادت هندسة الأولويات الاقتصادية لصالح قطاعات لا تحتاج إلى عمل منتج: العقار، الاستيراد، الوساطة المالية، الخدمات المرتبطة بالدولة. وهكذا انقلبت العلاقة بين الدولة والاقتصاد: فبدل أن تكون الدولة أداة لتنظيم السوق ودعم التراكم الوطني، تحولت إلى المصدر الأكبر للريع نفسه، عبر صفقات التخصيص، والتراخيص الاحتكارية، والعقود المباشرة دون مناقصات.
البرجوازية الوطنية التي وُئدت في مهدها لم تختفِ تمامًا، بل تحول جزء منها إلى طبقة وسطى متعلمة تبحث عن فرص في القطاع الخاص الضيق، بينما اندمج الجزء الآخر مع الدولة العسكرية والأمنية ليشكل البرجوازية الريعية الجديدة. هذه الأخيرة لا تعيش من الربح الرأسمالي بالمعنى التقليدي، بل من الحصة المضمونة في توزيع الريع العام. علاقتها بالعمل علاقة عدمية: فهي لا تحتاج إلى تنظيم العمل، ولا إلى رفع إنتاجيته، ولا إلى تدريب قوة عاملة. كل ما تحتاجه هو قدرتها على الاستمرار في التحكم بمفاتيح توزيع الثروة المستوردة أو المستخرجة بسهولة.
ما حدث في مصر بعد 2013 نموذج صارخ: جيش تحول إلى أكبر مقاول ورجل أعمال، يسيطر على قطاعات بأكملها ليس عبر الكفاءة الإنتاجية، بل عبر الحماية السياسية والتفوق القسري. الدولة هنا ليست راعية للاقتصاد، بل هي الاقتصاد نفسه، أو بالأحرى هي الغطاء السياسي لتحالف رأسمالي-عسكري-أمني يعيد إنتاج نفسه عبر إقصاء أي فاعل اقتصادي مستقل. تونس أيضًا، رغم اختلاف المسار السياسي، شهدت تحول النخب الحزبية والإدارية إلى بورجوازية صغيرة تتنافس على الريع الخارجي والداخلي دون مشروع إنتاجي حقيقي.
النتيجة المباشرة لهذا التحول هي تفكيك فكرة الطبقة العاملة كقوة اجتماعية متماسكة. ففي غياب قاعدة صناعية مستقرة، وفي ظل هشاشة القطاع الخاص المنتج، تتحول البروليتاريا إلى كتلة مشتتة: عامل يومي في ورشة صغيرة، سائق توصيل عبر تطبيق، بائع متجول، موظف مؤقت في مشروع حكومي ممول من مانح خارجي. هذا التشتت يخدم البرجوازية الريعية تمامًا، لأنه يحول دون تنظيم الطبقة العاملة ويجعل صراعها مجرد محاولات فردية للبقاء لا نضالًا جماعيًا من أجل تبديل علاقات الإنتاج.
لكن هذا التحول الطفيلي يحمل في ذاته تناقضًا قاتلًا: البرجوازية الريعية غير قادرة على تحقيق أي تنمية، لأن بقاءها يعتمد على استمرار تدفق الريع، والريع بطبيعته ناضب وغير مستدام. حين تجف منابع الريع (انخفاض أسعار النفط، تراجع التحويلات، أزمة سياحية، ضغط ديون خارجي)، ينهار الغطاء الاجتماعي الهش، وتظهر الدولة على حقيقتها: عصابة نهب منظمة لا تملك مشروعًا للمستقبل. هنا يصبح الصدام مع الجماهير المحبطة حتميًا، كما حدث في 2010-2011، وكما سيحدث مجددًا حين تنضج الشروط المادية.
لهذا السبب، فإن أي مشروع ثوري حقيقي لا يمكنه تجاهل هذه الطبيعة الطبقية للدولة والبرجوازية. النضال ليس ضد شخصيات معينة، ولا ضد حكومات عابرة، بل ضد كتلة تاريخية ريعية تعيد إنتاج نفسها عبر إفقار المجتمع وتفكيك قواه المنتجة. وكما كتب روزا لوكسمبورغ: "إما أن تنتصر الاشتراكية، أو نعود إلى الهمجية". الهمجية هنا ليست استعارة، بل هي الواقع اليومي لمن يعيشون تحت حكم الرأسمالية الريعية.
النضال مستمر،،
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. ما أوراق دول الخليج على طاولة مفاوضات أميركا وإيران؟
.. رصد لأبرز ردود الفعل الإسرائيلية على جولة المفاوضات المرتقبة
.. محجوب الزويري: إيران تشرعن للاعتداء على سيادة الدول تحت ذريع
.. آلاف البحّارة والمشاة.. تعزيزات عسكرية أميركية إلى الشرق الأ
.. تفاصيل كمين استهدف عناصر FBI ودبلوماسيين أميركيين في بغداد