الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


في نقد الربيع العربي: نحو نظرية طبقية للانفجارات الاجتماعية في المجتمعات الريعية - 1. الرأسمالية الريعية تحطم التشكيلة الاجتماعية العربية

عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)

2026 / 2 / 13
مواضيع وابحاث سياسية


تشكلت بذور ما عُرف بالربيع العربي خارج ميادين التظاهر، إذ ترسخت داخل عقود الامتياز النفطي، ووثائق الخصخصة، وغرف اتخاذ القرار التي أعادت تعريف الدولة كوسيط منظّم للنهب. تلك السيرورة دشّنت بنية اجتماعية قوامها اقتلاع القيمة من العمل المنتج وتحويلها إلى ريع محتكر. لذلك لم يكن الانفجار اللاحق سوى مآل مادي لتراكم تناقض بين رأسمال طفيلي يتضخم وقوى إنتاج تُخنق بسياسات الإفقار الممنهج.

وَراء الغطاء السياسي الذي حمل تسمية "الربيع العربي"، عملت البرجوازية الريعية على حجب التناقض الجوهري داخل المجتمع. إذ مع بلوغ الرأسمالية التابعة سقفها التاريخي، وتفكيكها لشروط إعادة الإنتاج الاجتماعي، انتقل التمزق الاقتصادي إلى مستوى أزمة في البنية الفوقية. فغدا عجز جهاز الدولة عن استيعاب ما أفرزته القاعدة المادية الشرارة التي أطلقت موجة الانفجار.

تُمثّل عملية فصل العمل عن القيمة الركيزة الأساسية لنمط الإنتاج الريعي، لأن الثروة فيه لا تُشتق من فائض القيمة الناتج عن العمل المنتج، بل تنبع من التحكم في تدفقات الريع الخارجي وإعادة تدويرها عبر احتكارات محلية مغلقة. ومن هنا تتكون برجوازية وسيطة تستمد وجودها من الدولة والعمولات بدلاً من الاستثمار الإنتاجي. بينما يؤدي احتكار التداول بدل توليد القيمة إلى إجهاض نشوء برجوازية وطنية قادرة على قيادة تراكم صناعي، ويقضي بالتالي على أي مسار يخلق طبقة عاملة مستقرة ومندمجة في دورة الإنتاج.

فِي هذا السياق، تتحول الدولة إلى جهاز طبقي يختص بتوزيع الريع وشراء الولاءات الاجتماعية. إذ تغدو أجهزة القمع والإدارة أدوات مباشرة لصيانة شبكة النهب. ويتحول ما سُمي بالإصلاح النيوليبرالي إلى عملية مصادرة منظمة للملكية العامة لصالح تحالف رأسمال-دولة. هكذا يصبح الفساد القاعدة التي تحكم عملية التراكم نفسها لا استثناءً عنها. ولذلك تنفجر كل أزمة اقتصادية في هيئة أزمة سياسية، لأن الدولة تمثل مركز التراكم الريعي لا وسيطًا محايدًا بين القوى الاجتماعية.

الشباب يشكّلون الضحية الأكثر مباشرة لهذا النمط من التراكم المشوّه، حيث تفتح البطالة البنيوية والهشاشة الاقتصادية والقطاع غير الرسمي أبواب الإقصاء من دورة الإنتاج. فالرأسمالية الريعية لا تحتاج إلى قوة عمل واسعة ومنظمة، بل تتطلب أجهزة قمع تدير فائضًا بشريًا خارج منطق التراكم. فتتشكل بروليتاريا مشوّهة بلا استقرار ولا أفق اجتماعي، تُحافَظ حياتها عند الحد الأدنى عبر اقتصاد هامشي، وتُضبط حركتها عبر عنف الدولة. فيتحول التمرد إلى شرط وجود اجتماعي شبه وحيد.

وَعندما وقع الانهيار النيوليبرالي عام 2008، تحوّل إلى صاعق فجّر هذا التناقض الكامن. فقد أدى تقلص تدفقات الريع وارتفاع تكاليف المعيشة إلى انهيار قدرة الدولة على شراء السلم الاجتماعي الهش. وتسارعت وتيرة الإفقار إلى مستوى يهدد البقاء المادي المباشر. فتحول الفائض البشري إلى مادة قابلة للاشتعال، لأن التناقض بين العمل المعطل والرأسمال الريعي بلغ درجة يستحيل احتواؤها بإصلاحات سطحية. لذلك اندلعت الانتفاضات باعتبارها رفضًا ماديًا لنمط إنتاج يعوق المجتمع عن إعادة إنتاج نفسه، لا مجرد مطالبة سياسية شكلية بالديمقراطية.

الهجوم الشعبي على منظومة النهب لم ينجح في بلوغ علاقات الإنتاج التي تولّدها، إذ أدى فصل البرجوازية الصغيرة والليبرالية السياسية بين الصراع السياسي والبرنامج الاقتصادي الجذري إلى إبقاء رأسمال الريع محصّنًا داخل جهاز الدولة. ذلك الفصل مكّن الثورة المضادة من استعادة المبادرة وإعادة ترتيب هيمنة النظام، ليس بالقمع العسكري فحسب، بل عبر إعادة تدوير خطاب الإصلاح النيوليبرالي تحت لافتة "الانتقال الديمقراطي".

إذ تتحول الأيديولوجيا الليبرالية والدينية إلى أدوات فعالة لتجريد الصراع من مضمونه الطبقي، لأن تحويله إلى صراع أخلاقي أو هوياتي يعكس عجز البرجوازية الريعية عن تقديم حل مادي لأزمة الإفقار. وبهذا يُستبدل الصراع حول فائض القيمة بصراعات رمزية تنتج وعيًا زائفًا يحمي نمط الإنتاج من انكشاف تناقضاته أمام خصومه الطبقيين.

مَسار دول مثل مصر وتونس والسودان يبرهن على حقيقة بنيوية مفادها أن أي استقرار سياسي لا يستهدف تفكيك الرأسمالية الريعية يعيد إنتاج الأزمة بصورة أشد عنفًا، لأن علاقات الإنتاج تبقى دون تغيير. وقد أشار كارل ماركس إلى أن "كل أشكال الدولة تقوم على أساس العلاقات المادية للإنتاج". لذلك فإن أي انتقال سياسي داخل التشكيلة الاجتماعية الاقتصادية ذاتها لا يلد سوى أنماط القهر نفسها بأقنعة مختلفة. فتغدو الدولة البونابرتية الجديدة نتيجة طبيعية لمحاولة إدارة تناقضات الرأسمالية الريعية بأدوات أكثر بطشًا.

المهمة التاريخية التي تفرض نفسها اليوم تتمثل في كسر التحالف بين الدولة والبرجوازية الريعية، وهي مهمة لا تتحقق عبر صناديق الاقتراع أو الإصلاحات الدستورية الشكلية. بل عبر تنظيم البروليتاريا المشوهة، أي العاطلين وعمّال القطاع غير الرسمي والشباب المحاصر، وتحويلها إلى قوة واعية تستهدف قاعدة النهب ذاتها. فالصراع الحقيقي ليس مع حكومات بعينها، بل مع نمط إنتاج يعيد إنتاج البطالة والفقر والعنف بوصفها شروطًا ضرورية لاستمراره.

وَكما ورد في كتاب "الصراع الطبقي في فرنسا"، فإن الثورات تمثل قاطرة التاريخ. غير أن تجربة الربيع العربي كشفت أن القاطرة إذا لم ترتبط بمسار واضح يقود إلى السيطرة على وسائل الإنتاج وإعادة بناء الدولة كأداة بيد الطبقات المسحوقة، فإنها قد تنحرف أو تُدفع إلى الخلف بقوة أعنف. ولذلك يصبح بناء هذا المسار التاريخي المهمة المركزية الراهنة.

"ليست الأزمة في هذا أو ذاك من أشكال الدولة، بل في المجتمع الذي ينتج هذه الأشكال."
كارل ماركس.

النضال مستمر،،








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - الرفيق عماد حسب الرسول
جلال عبد الحق سعيد ( 2026 / 2 / 14 - 23:26 )
شكرا
في انتظار تحليلك الرائع في بقية الاجزاء
مودتي


2 - يسار واحد، عدو واحد، معركة واحدة
عماد حسب الرسول الطيب ( 2026 / 2 / 24 - 02:38 )
شكراً جزيلاً لك. المودة متبادلة، والتواصل مع رفاق يتابعون التحليل بهذا العمق هو الوقود الحقيقي لمواصلة هذا المشروع.

البقية قادمة بإذن الله، وفي انتظارك دائماً.

النضال مستمر،،

اخر الافلام

.. أول تعليق من ترامب على مفاوضات أميركا وإيران في باكستان.. هذ


.. نافذة تحليلية | إسلام آباد تستضيف مفاوضات حساسة بين واشنطن و




.. ترمب: سيعاد فتح مضيق هرمز وشرطنا الأول ألا يكون هناك تخصيب ن


.. اتصال لبناني إسرائيلي أمريكي رسمي.. ماذا جاء فيه؟




.. مشاهد وصول وفد إيران إلى إسلام آباد للمشاركة في محادثات السل