الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


ومضات من حياة فراشة يوركشاير -إيميلي برونتي-

أوزجان يشار
كاتب وباحث وروائي

(Ozjan Yeshar)

2026 / 2 / 11
الادب والفن


روح الرومانسية في قلب يوركشاير

في أرض التلال الوعرة والرياح العاتية في يوركشاير الإنجليزية، وُلدت إيميلي جين برونتي في 30 يوليو/تموز 1818، في قرية ثورنتون الصغيرة. كانت الخامسة بين ستة أطفال للقس باتريك برونتي وزوجته ماريا برانويل.
امتدت حياة إيميلي ثلاثين عامًا فقط، لكنها كانت حافلة بالألم والإبداع، بالعزلة والعواطف المتأججة. روايتها الوحيدة «مرتفعات ويذرينغ» (Wuthering Heights)، التي نُشرت عام 1847 باسم مستعار هو «إليس بيل»، غدت لاحقًا أحد أعمدة الرومانسية الإنجليزية، لما تحمله من قصة حب عاصفة تتجاوز القيود الاجتماعية وحدود الموت ذاته.

في هذا المقال، نستعرض ومضات من حياتها، مستلهمين سيرتها وأعمالها، مع ربط تجربتها بالثقافة العربية التي تشاركها الاحتفاء بالحب الروحي والانفعال الوجداني العميق.

إيميلي برونتي ليست مجرد كاتبة، بل رمز لامرأة تحدّت قيود العصر الفيكتوري، حيث كانت المرأة محاصرة بأدوار اجتماعية صارمة. وفي الثقافة العربية، نجد أصداءً مشابهة لدى شعراء مثل قيس بن الملوح (مجنون ليلى)، الذي عبّر عن حب يتجاوز الواقع إلى المطلق الروحي. فكما يقول: «أنا وهي روحٌ واحدة في جسدين»، نقرأ لدى إيميلي: «مهما كانت أرواحنا مصنوعة منها، فإن روحي وروحه واحدة».
هذا الاندماج الروحي العابر للجسد يشكّل جوهر هذه الومضات، التي تكشف كيف صاغت حياة إيميلي أعمالها، وكيف تتقاطع تجربتها مع التراث العربي في الرومانسية والشعر.

الطفولة: فقدان الأم وصنع العوالم الخيالية

بدأت ومضات حياة إيميلي بألم مبكر. ففي عام 1821، توفيت والدتها ماريا برانويل عن ثمانية وثلاثين عامًا، تاركة خلفها أطفالًا صغارًا. انتقلت العائلة إلى هاوورث، حيث تولّى باتريك برونتي، القس الإيرلندي الأصل، رعاية الكنيسة المحلية. كانت هاوورث قرية قاسية، تحيط بها المستنقعات والتلال، ما ترك أثرًا عميقًا في نفسية إيميلي وأختيها شارلوت وآن.

في عام 1824، أرسل باتريك بناته الأربع الكبريات إلى مدرسة «كليرجي دوترز» في لانكشاير، غير أن الظروف القاسية هناك أدت إلى وفاة الأختين الكبريين، ماريا وإليزابيث، بمرض السل. عادت إيميلي وشارلوت إلى المنزل محمّلتين بذكريات موجعة شكّلت نظرتهما القاتمة للعالم.

في خضم هذه العزلة، شرع الأشقاء في ابتكار عوالم خيالية. مستلهمين من ألعاب الجنود الخشبية التي أهداها لهم والدهم، أنشأوا مملكة «غلاس تاون» و«أنغريا». ثم انفصلت إيميلي وآن لتؤسسا عالم «غوندال»، جزيرة متخيَّلة تعجّ بالملوك والملكات والحروب.
كتبت إيميلي قصصًا وقصائد عن هذه العوالم، وكانت شخصية الملكة أوغوستا جي. ألميدا محورًا مركزيًا، تمثّل القوة الأنثوية في عالم يهيمن عليه الذكور. شكّلت هذه الخيالات ملاذًا من قسوة الواقع، على نحو يشبه لجوء الشعراء العرب في العصر الجاهلي إلى القصيدة بوصفها فضاءً للتعبير عن الحب والصراع، كما في شعر عنترة بن شداد الذي يزاوج بين الفروسية والعشق.

وفي الثقافة العربية، نجد في «ألف ليلة وليلة» – التي كانت مصدر إلهام لآل برونتي – عوالم سردية مشابهة، حيث تمتلك المرأة زمام الحكاية، كما في شخصية شهرزاد التي تنقذ نفسها بالكلمات. هكذا استخدمت إيميلي الخيال لتجاوز القيود، فغدت أعمالها جسرًا ثقافيًا بين الشرق والغرب.

المراهقة والتعليم: رحلة إلى بروكسل والبحث عن الذات

مع بلوغها سن المراهقة، عملت إيميلي مدرسة. ففي عام 1835 التحقت بمدرسة «رو هيد»، لكنها سرعان ما عادت إلى المنزل بسبب شغفها بالعزلة. وفي عام 1842، سافرت مع شارلوت إلى بروكسل لدراسة اللغات في مدرسة هيغر، حيث تعلّمت الفرنسية والألمانية. هناك تأثرت بمعلمها كونستانتين هيغر، الذي ترك بصمة واضحة في تكوينها الأدبي.

غير أن إيميلي، بطبعها الخجول والمنعزل، كانت تميل إلى الطبيعة أكثر من المجتمع. عادت إلى هاوورث بعد وفاة عمتها إليزابيث برانويل، التي كانت تدير شؤون المنزل.

شهدت هذه المرحلة نضج شعر إيميلي، إذ كتبت قصائد عن الطبيعة والموت والروح، متأثرة بالرومانسية الإنجليزية لدى ووردزوورث وبايرون. وفي قصيدتها «الرياح»، تصوّر الطبيعة قوةً روحية، في تقاطع لافت مع شعراء التصوف العرب، مثل جلال الدين الرومي، الذي يرى في الطبيعة تجليًا للإلهي.
الرومانسية، بوصفها تيارًا أدبيًا، تركّز على الذات والعاطفة والطبيعة، وهي تلتقي مع الرومانسية العربية الحديثة، كما في شعر نزار قباني الذي يمزج الحب بالمشهد الطبيعي.

في عام 1846، نشرت الأخوات الثلاث ديوانًا شعريًا مشتركًا بأسماء مستعارة: كورير (شارلوت)، وإليس (إيميلي)، وأكتون (آن) بيل. لم يُبع من الديوان سوى نسختين، لكنه مثّل بداية فعلية لمسيرتهن الأدبية.

الإبداع الأدبي: ولادة «مرتفعات ويذرينغ»

أبرز ومضة في حياة إيميلي برونتي هي روايتها «مرتفعات ويذرينغ» (Wuthering Heights)، التي كتبتها بين عامي 1845 و1846. تروي الرواية قصة هيثكليف، الغجري الذي تتبناه عائلة إرنشو، وحبه العاصف لكاثرين إرنشو. وحين تسمع كاثرين نفسها تقول إنها لا تستطيع الزواج منه بسبب الفوارق الطبقية، يغادر هيثكليف، ثم يعود ثريًا ليشرع في انتقام طويل.
تمتلئ الرواية بعواطف متناقضة: الحب، الغيرة، الكراهية، والروابط الروحية العميقة.

من أشهر العبارات المنسوبة إلى إيميلي برونتي:
«مهما كانت أرواحنا مصنوعة منها، فإن روحي وروحه واحدة»، وهي عبارة تقولها كاثرين، معبّرة عن وحدة وجودية تتجاوز الجسد والزمان. وقد أُلحق بها لاحقًا مقطع شاع استخدامه بروح برونتي، يصوّر الحب بوصفه امتدادًا للطبيعة ذاتها، وهو ما ينسجم مع الجوهر الشعري للرواية.

تحلل الرواية الصراع بين الطبيعة الجامحة، التي يمثلها «مرتفعات ويذرينغ»، والحضارة المروّضة، التي يجسدها «ثراشكروس غرينج». ويقابل هذا في الأدب العربي الصراع بين البداوة والحضر، كما في «أيام العرب» أو في روايات نجيب محفوظ التي تناولت الفوارق الطبقية.
ورغم الانتقادات القاسية التي واجهتها الرواية عند صدورها، واتهامها بالوحشية والانفلات الأخلاقي، فإنها تُعد اليوم من روائع الأدب العالمي.

المرض والموت: نهاية مبكرة لروح عظيمة

في عام 1848، أُصيب برانويل برونتي بمرض السل، وتوفي في سبتمبر/أيلول من العام نفسه. حضرت إيميلي جنازته، لكنها أُصيبَت بنزلة برد تحوّلت لاحقًا إلى سل. رفضت تلقي العلاج، مفضّلة مواجهة مصيرها بصمت. توفيت في 19 ديسمبر/كانون الأول 1848 عن ثلاثين عامًا، ودُفنت في كنيسة هاوورث. وبعد خمسة أشهر فقط، لحقت بها أختها آن.
عاشت شارلوت بعدهما لتنشر أعمالًا أخرى، لكنها وصفت إيميلي دومًا بأنها شخصية غامضة، صامتة، ومرتبطة بالطبيعة حدّ التلاشي فيها.

يشبه موت إيميلي المبكر، في المخيال العربي، مصير شعراء مثل أبي القاسم الشابي، الذي رحل شابًا تاركًا إرثًا شعريًا يتغنّى بالحرية والطبيعة. فالرومانسية، في الثقافتين، ترى الموت امتدادًا للحب الأبدي، كما في قصة ليلى ومجنون، حيث يموت العاشق على قبر محبوبته.

الإرث الثقافي: برونتي في العالم العربي

يتجاوز إرث إيميلي برونتي حدود اللغة الإنجليزية. ففي العالم العربي، تركت أعمالها أثرًا واضحًا، ولا سيما في تيار الرومانسية. تُرجمت «مرتفعات ويذرينغ» إلى العربية عدة مرات خلال القرن العشرين، وألهمت كتابًا مثل يوسف السباعي في معالجته لفكرة الحب المستحيل.
وهكذا تعود الرومانسية الإنجليزية، التي استلهمت بدورها من «ألف ليلة وليلة»، إلى الشرق، مكوّنة دائرة ثقافية متبادلة التأثير.

وفي دراسات مقارنة، يُلاحظ تشابه بين برونتي وبعض الأصوات النسوية في التراث العربي، حيث يُنظر إلى الإيمان والطبيعة بوصفهما قوى تحررية. وكما استخدمت برونتي الطبيعة رمزًا للإلهي، نجد في الشعر الصوفي العربي الطبيعة مرآة للاتحاد مع المطلق.

حب أبدي كالمطر والمحيطات

كانت حياة إيميلي برونتي ومضات متتابعة من الألم والإبداع، لكنها خلّفت أثرًا أدبيًا يتجاوز حدود الزمن والمكان. في عالمها، لم يكن الحب عاطفة عابرة، بل قوة كونية، متجذّرة في الطبيعة، وممتدة إلى ما بعد الجسد والموت.
هذا المعنى يتجسّد بوضوح في روح روايتها «مرتفعات ويذرينغ» (Wuthering Heights)، حيث تتماهى الأرواح كما تتماهى الرياح مع التلال.

ولو كانت قطرات المطر قبلات، لأرسلت زخّات لا تنتهي،
ولو كانت الأحضان بحارًا، لأُهديت محيطات كاملة،
ولو كان الحب إنسانًا، لما وُجد ما يُبعث سوى الذات ذاتها.
فمهما كانت المادة التي صيغت منها الأرواح،
تبقى روحاهما من جوهر واحد.

بهذا الفهم للحب، تركت إيميلي برونتي إرثًا إنسانيًا عابرًا للثقافات، يجد صداه في الرومانسية العربية كما في الأدب الغربي، ويؤكد أن العاطفة الصادقة لغة كونية لا تعرف الحدود.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. ريلكه.. الشاعر الذي عاد بعد 100 عام ليُلهِم العالم من جديد |


.. الفنان هانى رمزى من أمريكا فيه 9 مليون مواطن بيتظاهروا ضد تر




.. سرديات أونلاين | ترامب يعلن حصار هرمز بعد فشل محادثات إسلام


.. تغطية خاصة | مفاوضات إسلام آباد تدخل المرحلة الفنية وتبادل ن




.. فيلم عرض وطلب | بطولة سلمى أبوضيف ومحمد حاتم ورحمة أحمد وعلي