الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


8. من حرب الفقراء إلى ثورة المنتجين - الجزء الثاني

عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)

2026 / 2 / 11
الارهاب, الحرب والسلام


يمثل التحول من حرب الفقراء إلى ثورة المنتجين لحظة تاريخية تتجاوز مجرد إيقاف آلة الدمار نحو تفكيك بنيتها وتحويل مكوناتها إلى أدوات بناء اجتماعي، إذ لا يكفي تحويل المقاتلين السابقين إلى عمال وفلاحين بينما تظل المؤسسات والثقافة التي أنجبت الحرب قادرة على إعادة إنتاج شروطها الموضوعية. يتطلب ذلك انتقالاً شاملاً يطال الدولة والمجتمع والثقافة والاقتصاد معاً، انتقالاً لا يستهدف إصلاح النظام القائم بل استبداله بمنظومة إنتاج تعاوني تقوم على الديمقراطية المباشرة والتضامن الطبقي العابر للتقسيمات المصطنعة التي صنعتها الحروب لتقسيم ضحاياها وتحويلهم إلى أدوات اقتتال تخدم مصالح النخبة المسلحة وحدها دون غيرها من القوى الاجتماعية.

تمثل إعادة بناء جهاز الدولة نقطة الارتكاز الأولى لهذا التحول، لأن الدولة التي انحرفت لتغدو شركة أمنية تدير اقتصاد حرب لا يمكن أن تتحول تلقائياً إلى دولة تنموية أو رعائية، ويستدعي ذلك تفكيكها وإعادة تأسيسها كأداة في يد المنتجين لا كأداة لقمعهم، بحيث يتحول الجيش من مؤسسة لحماية المصالح العسكرية التجارية إلى قوة دفاع شعبي خاضعة لرقابة المجالس المحلية وتعمل على حماية عمليات البناء والإنتاج، وتتحول الوزارات من أجهزة بيروقراطية لإدارة النهب إلى مؤسسات تخطيط وتنسيق تخدم احتياجات المجتمعات المنتجة، كما يستوجب تفكيك الجهاز القضائي الذي رسخ الإفلات من العقاب واستبداله بمحاكم شعبية تعيد الحقوق المنهوبة إلى أصحابها الحقيقيين، ويقود هذا التحول إلى إعادة تعريف الدولة نفسها بوصفها تنظيماً اجتماعياً لخدمة المنتجين لا جهازاً فوقياً لقمعهم واستغلالهم.

إن الذاكرة الجمعية للسودانيين تستدعي عملية إعادة كتابة جذرية بعد أن تعرضت لتشويه ممنهج عبر خطاب رسمي صوّر الحرب كصراع قبلي أو ديني أو جهوي أخفى التناقض الطبقي الأساسي، وتقتضي هذه العملية استعادة التاريخ الفعلي للصراع الطبقي وتوثيق التجارب المشتركة للاستغلال التي عاشها المقاتلون من مختلف الأطراف، وتحويل هذه الذاكرة إلى مادة تربوية تزرع وعياً تاريخياً يمنع إعادة إنتاج العنف الطبقي المسلح في المستقبل، كما يستلزم الأمر إنتاج أدب وفنون تعيد تعريف البطولة باعتبارها قدرة على البناء والإنتاج والتحرر من الاستغلال بدلاً من تمجيد القتل والانتصار العسكري الزائف، بما يسهم في إعادة تشكيل الوعي الجمعي على أسس تحررية تضع حداً لدورة إنتاج الحرب وإعادة إنتاج شروطها الرمزية.

تلعب وسائل التواصل الاجتماعي والإنتاج الثقافي هنا دوراً حاسماً في إعادة تشكيل الخيال الاجتماعي وتحريره من سرديات الحرب المهيمنة، إذ يمكن تحويل المنصات الرقمية من أدوات تضليل وتفريق إلى فضاءات واسعة لإنتاج الوعي الطبقي عبر سرديات التحول من المقاتلة إلى الإنتاج، وإنتاج أعمال درامية وإذاعية تكشف وحدة المعاناة بين أبناء المناطق المتحاربة وتظهر تشابه قصص الاستغلال رغم اختلاف الرايات، وإبداع أشكال فنية تمجد التعاونيات الإنتاجية والانتصارات الاجتماعية على اقتصاد النهب، ويؤدي هذا الاستخدام الثوري للإعلام إلى إعادة احتلال المخيلة الشعبية بصورة مستقبل بديل قائم على العدالة والكرامة، مستقبل لا مكان فيه لقادة الحرب ولا لاقتصاد الطفيليات.

تتطلب إعادة هيكلة الاقتصاد الوطني تجاوز نموذج اقتصاد الريع والحرب باتجاه اقتصاد إنتاجي يعتمد الاكتفاء الذاتي والتوزيع العادل، عبر إعادة توجيه الموارد من القطاع العسكري والأمني إلى القطاعات المنتجة، وتحويل الشركات العسكرية التجارية التي نهبت ثروات البلاد إلى ملكيات تعاونية للعاملين فيها، واستصلاح الأراضي الزراعية المهجورة بسبب القتال والنزوح وتحويلها إلى مشاريع جماعية تحت إدارة الفلاحين أنفسهم، وإعادة تأهيل المصانع المدمرة تحت إدارة عمالية ديمقراطية تخضع لرقابة المجالس الشعبية، ويؤسس هذا التحول لعلاقات إنتاج جديدة تحرر الإنسان من التشيؤ في سوق العمل ومن التحول إلى سلعة رخيصة في سوق الحرب، ليصبح منتجاً لمصيره الاجتماعي وسيداً على عمله وثمرة جهده.

إن التعليم الثوري يفرض نفسه كركيزة أساسية لهذا المشروع التحرري الشامل، لأن المناهج التقليدية أسهمت عبر عقود في ترسيخ الانقسامات الهوياتية وإخفاء جذور الاستغلال الطبقي وتزييف وعي الأجيال، ويستلزم ذلك تصميم مناهج جديدة كلياً تدرس تاريخ الصراع الطبقي في السودان لا تاريخ الحروب القبلية والانتصارات العسكرية الزائفة، وتقدم الاقتصاد السياسي كأداة علمية لفهم علاقات الاستغلال وآليات إنتاج فائض القيمة، وتعيد تعريف الجغرافيا باعتبارها علماً لتوزيع السلطة والثروة لا مجرد خرائط حدود رسمتها الاستعمارية القديمة والجديدة، وتوجه العلوم التطبيقية نحو حل مشكلات الإنتاج والتنمية المجتمعية بدلاً من خدمة آلة الحرب وتطوير أدوات القتل، بما يخلق جيلاً يدرك أن قوته الحقيقية تكمن في المعرفة والعمل المنتج لا في السلاح وقدرته على تدمير الآخرين.

النضال مستمر،،

خاتمة

قدمت هذه السلسلة قطيعة منهجية صارمة مع قاموس الحرب البرجوازي السائد في السودان؛ ذلك القاموس الأيديولوجي الذي يتعمد تحويل العنف الطبقي المادي إلى صراع هوياتي متوهم، ويخفي وحدة المستغَلين خلف ستار التعددية العسكرية الزائفة. لقد انطلق تحليلنا من ضرورة تفكيك الخطاب المهيمن للكشف عن البنية التحتية التي يحرسها، واضعين في المركز مفهوم "البروليتاريا الرثة المسلحة" بوصفه المفتاح النظري والمادي لفهم الواقع؛ حيث ينتمي المجند المفقر في الجيش النظامي والمقاتل المعدم في الميليشيا إلى ذات الموقع الطبقي، ويخضعان لذات آلية الاستلاب، رغم تضاد الشعارات واختلاف الولاءات المصطنعة.

لقد برهن التشريح المادي أن الحرب في السودان ليست انحرافاً سياسياً طارئاً، بل هي نمط تراكم رأسمالي طفيلي قائم بذاته، له دورة إنتاجية متكاملة تبدأ بانتزاع وسائل الإنتاج من يد الكادحين، وتنتهي بإعادة تدوير أرباح النهب والريع في تسمين آلة الدمار. إن الجيش النظامي والميليشيات، في جوهر التحليل الطبقي، ليسا قطبي صراع متنافرين بقدر ما هما جناحا نظام إنتاج موحد يوزع أدوار القمع والنهب لضمان استمرار تدفق الفائض لصالح النخبة العسكرية-التجارية. وبناءً عليه، فإن الأوهام الإصلاحية، من تسويات فوقية ونزاعات دستورية، لن توقف الحرب، لأنها تتعامل مع القشور وتترك جوهر البنية التراكمية دون مساس.

إن السلام الحقيقي، بمنظور المادية الجدلية، لا يتحقق بانتصار عسكري لأحد أطراف النخبة، ولا بتوافقات الغرف المغلقة، بل بتحطيم نظام التراكم الحربي من جذوره. ويتطلب هذا المسار تحويل الطاقة المدمرة للبروليتاريا الرثة المسلحة من أداة لإنتاج الموت إلى طاقة ثورية للبناء، وتحويل المقاتلين من سلع رخيصة في سوق العنف المنظم إلى منتجين أحرار يمارسون سيادتهم الكاملة على وسائل إنتاجهم ومصيرهم الاجتماعي.

وتبقى الحقيقة المادية التي لا تقبل التأويل: إن البروليتاريا الرثة المسلحة، رغم اغترابها الراهن واستلاب وعيها، هي الكتلة التاريخية الوحيدة القادرة على تصفية هذا النظام؛ لأنها تمتلك الخبرة المادية بالخداع، ولأن تحررها من "الوعي الزائف" بالهوية هو الشرط الموضوعي لتحرر المجتمع بأسره. في هذه الطبقة التي حوّلتها النخب إلى أداة للقتل، تكمن ضرورة تحويل السلاح إلى أداة للتحرر الاجتماعي. وفي جوعها الذي استثمرته قوى الحرب، تكمن إمكانية تحويل البندقية إلى محراث في يد المنتجين. إن مستقبل السودان لن يُكتب بمداد الوعود الزائفة، بل بوعي الفقير الذي يرفض أن يقتل أخاه الفقير ليراكم الثروة لجلاديهما.

"إن الجماهير التي تتعلم في النضال تخلق أشكال تنظيمها الخاصة، وتفتح الطريق أمام تحررها الذاتي، ولا قوة في الأرض تستطيع أن تسلبها هذا التحرر حين تعي ذاتها وتعي أعداءها."
روزا لوكسمبورغ.

النضال مستمر،،








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. أول تعليق من ترامب على مفاوضات أميركا وإيران في باكستان.. هذ


.. نافذة تحليلية | إسلام آباد تستضيف مفاوضات حساسة بين واشنطن و




.. ترمب: سيعاد فتح مضيق هرمز وشرطنا الأول ألا يكون هناك تخصيب ن


.. اتصال لبناني إسرائيلي أمريكي رسمي.. ماذا جاء فيه؟




.. مشاهد وصول وفد إيران إلى إسلام آباد للمشاركة في محادثات السل