الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
تحت السرير وفوق العالم: تشريح صناعة الخوف للسيطرة على الوعي الجمعي
أوزجان يشار
كاتب وباحث وروائي
(Ozjan Yeshar)
2026 / 2 / 9
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
يُحكى أن مواطناً ألمانياً ظلّ لسنوات يعاني من رهاب النوم، مقتنعاً بأن كائناً مجهولاً يتربّص تحت سريره كل ليلة. وحين قصد طبيباً نفسياً، أخبره الطبيب أن العلاج يتطلّب ثلاث جلسات أسبوعياً لمدة عام كامل، بتكلفة تقارب 28,800 يورو، وهو مبلغ لا يغطيه التأمين الصحي.
بعد عام، التقيا صدفة في المترو، فسأله الطبيب:
“لماذا لم تعد للعلاج؟”
فأجابه ببساطة:
“لقد بعت السرير وبدأت أنام على الأرض… وانتهت المشكلة.”
قد تبدو القصة طريفة، لكنها في حقيقتها تلخيص مكثّف لآلية إدارة الرعب في عصرنا. فبدلاً من مواجهة مصدر الخوف الحقيقي، نعيد ترتيب أثاث وعينا حول الوهم، نشتري حلولاً وهمية، ونتفاوض مع أشباحنا، بينما يظل “ما تحت السرير” – أي بنى السلطة الخفية – بمنأى عن المساءلة.
هذه ليست مجرد نكتة وجودية، بل تشبيه دقيق لكيفية إعادة تعريف الرعب، وبيع الحلول، وإدارة الأزمة دون حلّها.
⸻
الخوف: أقدم سلعة في سوق الهيمنة
يقول الفيلسوف الألماني هانز يوناس:
“الخوف يمكن أن يكون معلماً أخلاقياً عندما يكون حقيقياً، لكنه يصبح أداة تدمير أخلاقي عندما يكون مُصنَّعاً.”
ما نعيشه اليوم هو صناعة منهجية للرعب، حيث تحوّل الخوف من ردّ فعل غريزي إلى سلعة سياسية واقتصادية.
لطالما استخدم الحكّام الخوف كأداة حكم، لكن القرن الحادي والعشرين أتقن ما يمكن تسميته بـ تخصيص الرعب.
وكما يشرح عالم الاجتماع باري جلاسنر في كتابه ثقافة الخوف، يتم تضخيم المخاطر النادرة إحصائياً – كالهجمات الإرهابية أو الجرائم العنيفة – لتبدو كتهديد يومي، في حين تُهمَّش المخاطر الحقيقية الأكثر شيوعاً، مثل الأمراض المزمنة أو التلوّث البيئي.
النتيجة هي مجتمع مشلول الإرادة، يسلّم عقله لمن يعده بالأمان.
خداع الشعوب أسهل بكثير من إقناعها بأنها خُدِعت.
وأفضل طريقة لإخفاء الحقيقة… أن تكون أمام أعين الجميع.
من يعرفني أيها الأفاضل أو حاورني سابقاً، يعلم أنني لا أؤمن كثيراً بمصطلح “نظرية المؤامرة”، لأن ما يحدث ليس نظرية، بل ممارسة تاريخية متكرّرة. ليست هناك مؤامرة واحدة كبرى، بل منظومات مصالح عضوية تُسطّح الوعي، وتُجهِّل المجتمعات، وتُنتج إنساناً مشغولاً منهكاً بالاستهلاك لا بالسؤال.
والجهل هنا ليس حكراً على منطقة أو ثقافة، بل ظاهرة عالمية تختلف في أدواتها وتتوحّد في هدفها.
⸻
ما تحت السرير: بنى السلطة الخفية
عندما قال المفكر الروسي ألكسندر دوغين:
“ما يحدث أخطر بكثير مما يُقال”،
كان يشير إلى البنى العميقة التي تُدار من خلالها لعبة الخوف.
هذه العبارة ليست توصيفاً لحدث واحد، بل تحذير من الوقوع في فخ التفاصيل، حيث ننشغل بالأعراض ونغفل عن البنية.
تلك البنى لا تحتاج إلى “مؤامرة مركزية” بالمعنى الساذج، بل تعمل كمنظومة مصالح عضوية، تتجلّى في عدة مستويات:
• الإعلام كمسيِّج للوعي:
حيث تُصمَّم العناوين لإثارة الذعر الانتقائي، وتُدار دورة أخبار تعيد تدوير المخاوف – الإرهاب، الوباء، الهجرة، الذكاء الاصطناعي – ليبقى المجتمع في حالة تأهّب دائم.
• الاقتصاد الافتراسي:
ازدهار صناعات الأمن الخاص، وتقنيات المراقبة، والأدوية النفسية ليس صدفة، بل نتيجة منطقية لاقتصاد قائم على بيع الأمان الوهمي.
• السياسة الاستثنائية:
كما يذكر الفيلسوف جورجيو أغامبن، أصبحت “حالة الاستثناء” – حيث تُعلَّق القوانين بحجة الطوارئ – نموذج الحكم السائد.
الخوف هنا لا يبرّر فقط السلطة، بل يبرّر التنازل الطوعي عن الحريات.
⸻
فضيحة إبستين: ليست فضيحة، بل نموذج
قضية جيفري إبستين لم تكن مجرد “فضيحة أخلاقية” للإثارة الإعلامية، بل نموذجاً صارخاً لـ اقتصاد الابتزاز كآلة للسيطرة.
وكما قُدّمت للرأي العام، صُوِّرت كفضيحة أخلاقية، لكن السؤال الأهم يبقى:
هل نحن أمام نهاية قصة… أم بداية كشف أعمق؟
ما كشفته الوثائق ليس مجرد أسماء، بل آلية كاملة:
كيف تُستخدم “الملفات” كأدوات ضبط للنخب؟
وكيف يتحوّل “العار الشخصي” إلى “ولاء سياسي”؟
التاريخ يعلّمنا أن الفضائح لم تكن يوماً مجرد انحرافات فردية، بل أدوات نفوذ منهجية.
من يطمح إلى السلطة، غالباً ما يُمسك عليه “ملف”.
ليس لاستخدامه بالضرورة، بل لضمان الطاعة الصامتة.
هنا نرى كيف تُصنَّع أدوات الخوف داخل دوائر النخبة نفسها، قبل أن تُوجَّه للجمهور.
فالخوف ليس أحادي الاتجاه، بل هرمي:
نخب تخشى الفضائح، وشعوب تُغذّى بالتهديدات المصنوعة.
⸻
اللعبة الكبرى: من يحكم بينما ننشغل بالسرير؟
السؤال القديم “من يحكم العالم؟” يرتدي اليوم ثوباً رقمياً جديداً.
سمِّها ما شئت: حكومة عالمية، نخب عابرة للدول، لوبيات مالية–سياسية.
التسمية لا تغيّر الجوهر.
مراكز الثقل تحوّلت تاريخياً من روما إلى بريطانيا، ثم إلى الولايات المتحدة.
واليوم، السؤال الحقيقي ليس: هل سيتغيّر المركز؟
بل: متى؟ وبأي ثمن؟
وكما يوضح الباحث كارول كويل في كتابه أسياد العالم، فإن السلطة لم تعد تُمارَس بالضرورة عبر الحكومات، بل عبر شبكات غير مرئية تتحكم في التدفقات المالية والمعلوماتية.
الولايات المتحدة، كمركز هيمنة تقليدي، تبدو قوة ضخمة بحجم اقتصادها، لكنها مثقلة بديون هائلة، وانقسام داخلي عميق، واستنزاف طويل الأمد في حروب بلا نهاية.
إمبراطورية كبيرة… لكنها متعبة.
ما يجري اليوم لا يبدو منفصلاً عن اهتزاز النظام المالي العالمي، وتضخم الديون الأميركية، وتراجع الهيمنة الأحادية.
نحن أمام مرحلة انتقالية لا أحد يعرف شكلها النهائي، لكن المؤكد أن النظام القديم يترنّح.
وفي مثل هذه اللحظات التاريخية، تتصاعد آلة الخوف لتحويل الانتباه عن الأزمة البنيوية نحو “أعداء خارجيين” أو “تهديدات وجودية”.
⸻
الخلاصة: كيف نوقف الآلة؟
لسنا في عالم بريء تُدار فيه السياسة بالأخلاق، ولا تُصنع فيه القرارات لمصلحة الشعوب، ولا تُحل فيه الأزمات… بل تُدار.
نحن في عالم يُستثمر فيه الخوف، وتُسوَّق فيه الأوهام، ويُطلب من الإنسان أن ينظر تحت سريره، بينما الخطر الحقيقي فوق رأسه.
مقاومة صناعة الخوف تبدأ من هنا:
1. رفض “السرير” برمّته:
أي رفض الإطار الذي تُقدَّم فيه المخاوف. من يحدّد لنا ما نخافه؟
2. قراءة ما بين الفضائح:
البحث عن الآليات، لا الاكتفاء بالأسماء والصور الصادمة.
3. استعادة السؤال الجوهري:
لماذا هذا الخوف الآن؟ ومن المستفيد من بثّه؟
4. بناء مناعة جمعية:
عبر مجتمعات محلية متماسكة، ووعي نقدي بالإعلام، ورفض ثقافة الاستثناء الدائم.
الخطر الحقيقي ليس تحت السرير، بل في استسلامنا لفكرة أن الخوف قدر لا مفرّ منه.
وعندما نبيع السرير وننام على الأرض، قد نكتشف أن الأشباح الحقيقية لم تكن هناك أبداً، بل في قبولنا المستمر بدور الضحية.
ما تحت السرير قد يكون أقلّ رعباً
مما يجري فوق العالم…
حين نقرّر أن نفتح أعيننا حقاً.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. ما هو الحصار البحري؟ • فرانس 24 / FRANCE 24
.. رغم مغادرة الوفدين باكستان.. هل لا تزال المفاوضات مستمرة بين
.. عاجل | ترامب يدرس توجيه ضربات محدودة لإيران بعد فشل المحادثا
.. انتخاب مجلس النواب مرشح الاتحاد الوطني الكردستاني نزار آميدي
.. الولايات المتحدة تعلن فرض حصار بحري شامل على الموانئ الإيران