الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


7. من حرب الفقراء إلى ثورة المنتجين - الجزء الأول

عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)

2026 / 2 / 9
الارهاب, الحرب والسلام


تنتهي حرب السودان حين تتحول من صراع بين فقراء مسلحين إلى ثورة منتجين واعين بطبقتهم وبقدرتهم على تحويل أدوات الدمار إلى أدوات بناء، وهو التحول الذي لا يعني مجرد وقف لإطلاق النار أو توقيع اتفاقيات سلام بل يعني قلباً جذرياً للعلاقات الاجتماعية والاقتصادية التي جعلت من الحرب مهنة ومصدر رزق وميدان حياة لملايين السودانيين الذين لم يجدوا في النظام الاقتصادي القائم سوى الباب المغلق والطريق المسدود، مما يفرض علينا أن نعيد تعريف الصراع من أساسه فلم يعد صراعاً بين جيش نظامي ومليشيات متمردة بل بين نظام تراكمي يحول العنف إلى سلعة ويستثمر في الدمار وبين شعب يريد أن يحول جهده إلى إنتاج ويريد أن يستثمر في الحياة، يقف هذا التعريف الجديد كبوصلة ترشدنا إلى أن السلام الحقيقي لن يأتي بانتصار عسكري لأي طرف لأن انتصار أي طرف سيكون بالضرورة انتصاراً للنظام الحربي ذاته وإن تحت راية مختلفة، ولن يأتي بمفاوضات بين النخب لأن هذه المفاوضات ستظل تتعامل مع الحرب كظاهرة سياسية قابلة للتسوية وليس كنظام اقتصادي يحتاج إلى التفكيك، بل سيأتي فقط بانتفاضة طبقية تجمع ضحايا الحرب في كل المعسكرات ضد النظام الذي حوّلهم إلى أعداء وجعل من دمائهم سوقاً لتجارة النخب.

تنطلق هذه الرؤية الثورية من فهم أن الحرب في السودان أصبحت نمط إنتاج قائماً بذاته، نظاماً اقتصادياً متكاملاً يولد أرباحاً من الخراب ويخلق فرص عمل من القتل ويعيد إنتاج شروط استمراره عبر تحطيم كل البدائل الاقتصادية الممكنة، حيث يتحول الدمار إلى استثمار والخراب إلى ربح والموت إلى تجارة، في دورة مروعة تذكرنا بما كتبه المفكر الماركسي ديفيد هارفي عن "التراكم عبر النهب" لكن في صيغة أكثر قسوة حيث يصبح النهب هنا منظماً عبر آلة حربية ضخمة تديرها الدولة نفسها أو أجزاء منها، وتتحول الحرب من وسيلة لتحقيق أهداف سياسية إلى غاية في ذاتها لأن توقفها يعني انهيار نظام اقتصادي بأكمله بني على أنقاض الاقتصاد المنتج، وهذا الفهم يفرض علينا أن نرفض كل الحلول التي تتعامل مع الحرب كحادث يمكن إصلاح عواقبه دون المساس بأسبابه، ويدفعنا إلى تبني رؤية ثورية ترى أن الخلاص لن يأتي إلا عبر تفكيك هذا النظام الحربي وتحويل موارده وطاقاته البشرية إلى اقتصاد إنتاجي يعيد للسودانيين سيطرتهم على ثروات بلدهم وعلى مصيرهم الاجتماعي.

تتطلب هذه الثورة شروطاً تاريخية موضوعية وذاتية تتشابك في لحظة تحول كبرى، فالشروط الموضوعية تتجسد في انهيار اقتصاد الحرب تحت وطأة تناقضاته الداخلية حيث يصل النظام إلى مرحلة لا يستطيع فيها حتى إعادة إنتاج شروط حربه الخاصة، فيفقد القدرة على تمويل عملياته وتجنيد مقاتليه الجدد وتأمين ولاءات وسطائه، ويصبح النهب الذي كان يغذيه يتحول إلى آكلة تنهش من داخله، وتبدأ الأزمات الاقتصادية التي كان يخلقها لدفع المزيد نحو الحرب تنقلب عليه فتخلق حالة من التمرد الداخلي حتى داخل صفوف النخبة المسلحة نفسها، وهنا يتحول النظام من آلة حرب فعالة إلى عبء تاريخي لم يعد قادراً حتى على إدارة دماره الخاص، وتصبح الحرب نفسها، التي كانت مصدر قوته، السبب في انهياره.

أما الشروط الذاتية فتتجلى في تبلور وعي طبقي عابر للخطوط يعيد تعريف العدو الحقيقي، حيث يبدأ المقاتلون في كل المعسكرات يدركون أن خصومهم ليسوا في الخنادق المقابلة بل في مراكز القيادة التي تتحكم باقتصاد الحرب وتستفيد من استمراره، ويبدأ العمال والفلاحون خارج المؤسسة العسكرية يربطون بين فقرهم وبين نظام يحول الثروة الوطنية إلى تمويل للحرب، وتنشأ حركات اجتماعية جديدة لا تنطلق من الهويات التقليدية بل من المصالح الطبقية المشتركة، وتصبح اللغة الجديدة للصراع هي لغة الملكية والإنتاج والاستغلال لا لغة القبيلة والجهة والطائفة، ويتحول الوعي من مستوى الصراع على الأرض إلى مستوى الصراع على نظام اقتصادي بأكمله، وهذا الوعي لا ينشأ تلقائياً بل يحتاج إلى عملية تثقيف وتنظيم طويلة تعيد ربط الأفراد بتاريخهم الطبقي وبقدرتهم على التغيير.

يكمن الرهان الثوري الأكبر في تحويل الطاقة المدمرة التي أطلقتها الحرب إلى طاقة بناء خلاقة، فالمقاتلون السابقون الذين تدربوا على استخدام الأسلحة وتنظيم العمليات العسكرية يمكنهم أن يتدربوا على استخدام أدوات الإنتاج وتنظيم المشاريع الاقتصادية، والتنظيمات العسكرية التي كانت تدير الحرب يمكن إعادة تشكيلها لتدير عمليات البناء والإعمار، والموارد المهدرة في شراء الأسلحة وتجهيز الجيوش يمكن تحويلها إلى استثمارات في الزراعة والصناعة والتعليم، وهذا التحول ليس مجرد تحويل تقني للموارد بل هو تحول نوعي في العلاقات الاجتماعية حيث تنتقل السلطة من أيدي النخبة المسلحة إلى أيدي المنتجين، ويتحول المجتمع من مجتمع حرب إلى مجتمع إنتاج، ويصبح العنف الذي كان مهنة يصبح شأناً تاريخياً من الماضي.

تتطلب هذه العملية بناء تنظيمات جديدة عابرة للانتماءات التقليدية، ليست أحزاباً سياسية تسعى للسلطة بل تجمعات إنتاجية تعيد ربط الأفراد بوسائل إنتاجهم، تعاونيات زراعية تضم فلاحين سابقين ومقاتلين سابقين، نقابات عمالية تجمع عمالاً من كل القطاعات والخلفيات، مجالس شعبية تدير شؤون المناطق المحررة من سلطة السلاح، وهذه التنظيمات لا تهدف إلى الاستيلاء على الدولة القائمة بل إلى بناء سلطة موازية من القاعدة تتفكك الدولة القديمة تدريجياً وتستبدل بها أشكالاً جديدة من التنظيم الاجتماعي، وهي عملية طويلة ومعقدة لكنها الطريق الوحيد لتجاوز نظام الحرب دون الوقوع في فخ إعادة إنتاجه تحت أسماء جديدة.

وفي قلب هذا التحول الثوري تقف مسألة الأرض والثروة كقضية مركزية، فلا يمكن بناء سلام حقيقي بينما تبقى ثروات البلاد في أيدي النخبة التي أشعلت الحرب، مما يفرض عملية مصادرة شاملة لثروات قادة الحرب وإعادتها إلى المجتمع، وإعادة توزيع الأراضي المصادرة على الفلاحين، واستعادة المؤسسات الصناعية للعمال، وتحويل الموارد الطبيعية من ملكية خاصة للنخب إلى ملكية جماعية للمجتمع، وهذا التحول في علاقات الملكية ليس مجرد إجراء اقتصادي بل هو أساس التحول السياسي والاجتماعي الشامل، فهو الذي يقطع جذور سلطة النخب المسلحة ويخلق القاعدة المادية لمجتمع جديد.

"ليست المهمة تفسير الحرب بل تغيير النظام الذي ينتجها، وليس الهدف إصلاح الدولة بل تحويل علاقات الإنتاج التي تجعل من الدولة أداة حرب."
كارل ماركس.

النضال مستمر،،








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. هل تدفع هجمات الفصائل المسلحة في العراق إلى مواجهة مع أميركا


.. لقاء مكي: حجم الاستهداف الصاروخي لدول مجلس التعاون يثبت وجود




.. غارات إسرائيلية جنوب لبنان واستمرار المواجهات في بنت جبيل


.. برنامج الوفد التفاوضي الأمريكي في إسلام آباد.. التفاصيل مع م




.. -تحالف الـ 41-.. لندن تقود حراكاً دولياً لإعادة فتح مضيق هرم