الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


حجرٌ يتعلّم الضوء

ميشيل الرائي

2026 / 2 / 5
الادب والفن


الكتابة إلى سيدي عبد الحق طوع وحبيبتي اميمة ملاك

أكتب إليكما، ولكن الكتابة نفسها ليست ملكًا لي؛ فهي كائن هجين، تهرب، تتجاوزني، وتتسلل بين فراغات الكلام، بين الظلال التي خلّفها صمتي، بين ما لم يُصرَّح به وما لم يُقال. الكتابة هنا ليست مجرد وسيلة تواصل، بل فضاءً معرفيًا، أداةً لاستكشاف الفراغات بين الشيء وما يُفهم منه، بين الفعل وما يظل غير مقصود. الاعتذار، إذن، ليس فعلًا أخلاقيًا اعتياديًا، بل تجربة معرفية: محاولة لإعادة الأشياء إلى أماكن ربما لم توجد أصلًا، لم تُسمَّ بعد، ولم تُفتح أبوابها على مصراعيها، ومحاولة لفهم الهشاشة البنيوية للعلاقات وللمعنى ذاته.
لقد أسأت، نعم، لكن الإساءة هنا ليست فعلًا مباشرًا، بل هي تسرّب في الأطر المخفية، في المسكوت عنه، في الإطراء الذي يختبئ وراءه معنى مضمر، في الكلام الطيب الذي يحمل صدى الشر. بهذا المعنى، يصبح الاعتذار كشفًا للغموض، وتعريةً لطبقات المعنى التي تتراكم بين السطور، بيننا، وبين الآخرين. هو إدراك للظلال المعرفية التي تشكّل كل تواصل بشري، واعتراف بأن كل فعل لغوي يحمل إمكانات غير مرئية لا تقل تأثيرًا عن الفعل المعلن.
أرسل إليكما هذا الاعتذار ليس كتصحيح، بل كاعتراف بالجنون المعرفي الذي يرافق كل فعل وكل كلمة، وباللعبة المستمرة بين الحضور والغياب، بين القول والمضمر، بين الإيمان والشك، بين ما يُقال وما يُقصد. الاعتذار هنا ليس أداة لإصلاح ما فات، بل تجربة فلسفية تجعل الفراغ مرئيًا، وتجعل الكلمات—حتى وإن حاولنا إسقاطها أو تجاهلها—ثابتة في وزنها الدلالي، متشابكة مع ظروف إنتاجها وإدراكها.
خذوا هذا الاعتذار، أو اتركوه. فهو ليس ملكًا لي وحدي، ولا لكما وحدكما، بل لنا جميعًا، نحن الذين نحاول أن نفهم، وأن نكتب، وأن نفسر، وأن نختبئ بين السطور، في جنون الكلمات وفي ظلال المعنى. إنه بيان عن طبيعة اللغة نفسها، وعن حدود المعرفة الإنسانية، وعن تلك المساحات الغامضة التي تصنع عالمنا المشترك، عالمًا تتقاطع فيه الوعي، والصمت، والفعل في حقل من الاحتمالات المفتوحة.
الكتابة إلى امرأة لا أفضّل كتابتها، ولا أفضّل نسيانها.
في الحب، أتدحرج حجرًا في منحدر الجحيم، ومع ذلك أشعّ. لدي موعد مع الكاهنات، في فراش الإله القديم. كلماتي ريح، تحرّك الحياة، والحمم تغطي كل ما تلمسه لتعيده إلى حجر الإله مرة أخرى… لكن، هل أعاده فعلًا؟
في المأساة، علينا أن نعرف كيف نؤدي أدوارنا، حتى لو تم إسكات صوتنا، لأن الجوقة العميقة تستأنف دائمًا العبارة المتقطعة، طالما أن المغني فعل ما في وسعه. لا يهم إن تخليت عني كفرضية في الطريق.
أنا لسان إله لم يأتِ بعد، ساحر الغبار، الشمس طائر القبرة، الريح قبعة. وُلدت في نهاية الطريق فصرخت، والغبار صرخ معي: «يا إلهي، ما أجمل الرحيل الذي يحملني إلى وجهي».
أكتب إلى امرأة لا أفضّل نسيانها. شخص ما ينسج الماء بأنماط الأشجار، لكن النسّاج غير مرئي، ولا حتى يديه اللتين أرغب في لمسها. في القمح المشوّه، في خريطة أرض أخرى، في اليد التي تمسك يدًا مفقودة للبدء في إنبات قمح الأمور الدنيوية.
دخلت سائقة العربة الماء كالحجر، حرّكت أغنية، وملابسها طفولة الخطوات الأولى المترددة. الرياح تحرّك اتساع مدينة في الخارج، لكنك بعيدة، في فخاخ وبؤس عقلك الممزوج بالجنون. ما الذي يمكن أن ندركه سوى ما يفلت منا؟
يلتقي الدخان بالدخان فوق النقطة التي يتفرع عندها فرع النهر. الحمار يختفي في صور لم تعد مفهومة، وهناك كان ينتظرك.
على حافة اللاشيء، يرمي الماضي نفسه كدمية قديمة. الجنون كلمة، أو اسم مستعار، أو ملابس جديدة مكدسة فوق بعضها بعضًا، فكرة مأخوذة عشوائيًا أو من عنوان كتاب لم يُدوَّن قط.
حدائق غاضبة حرثت بمخالبها الشجرة والجدار، حيث ينضج الظل الذي لا يمكن إتمامه، وحيث تنضج أسماء السر الذي لن يتوقف عن النضوج. المجهولون الذين لم يُسمَّوا، وربما لم أكن شاعرًا قط، ضعف الكائنات العاجزة عن الدفاع عن نفسها. قصيدتي تناديك من مكان بعيد جدًا.
لا أريد أن أبكي، بل أريد أن ألمس قلبك الخائف الذي يظهر فيك. عيون سعيدة… اسمك يحتفي باليوم بأكمله وبالصمت. الزهور تحب العزلة والجنون. ابتسامتك المفقودة، بالطبع، ستكون الشمس مشرقة في وجه الكئيب.
النهر ببياضه الخافت، ويده المشتعلة فوق وردة ملح فارغة، ثلج أعمى، وعيناه في الثلج. ثم تصبحين ماءً، يُخاط ويُخاط مرة أخرى.
الأرض بحاجة إلى الأشجار.
أشعر بالخوف الروحي من الغيوم.
رأس حصان المنزل سيتحوّل قريبًا إلى حمامة.
يترك طفل الليل على الشاطئ المميت كتابةً ضد الحب، من هذه المرأة الباكية النائمة، وجسدها في داخلها يتكشف في خفّة الكلمات القديمة. أخفت سيف الدموع في داخلها، عمى المغني وتمثاله، وبديل التمثال الذي سيأتي لإضاءة أجسادنا المرئية تحت وطأة الأمطار المتساقطة.
أجسادنا غير مرئية.
إنها العين الأبدية لهذا القلب، لهذا اللهب.



بيروت








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. سرديات أونلاين | بين الحقيقة والرواية: كيف تتحول المجازر إلى


.. كيف شكلت عقدة -اليهودي الضعيف- ثقافة القوة في إسرائيل؟




.. أتصور في ورشته أفلام وزاره نجوم كتير.. رحلة كفاح -عم أحمد- ف


.. الاستاذ الأديب مبارك عمرو العماري




.. شيرى عادل بعشق اغانى زمان ووالدتى كان نفسها أكمل غناء ودخلت