الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
قراءة قي قصة قصيرة للقاص الأردني جلال برجس..قصة -ناي الأكتع-.. تمثلات الحرب والعوق الرمزي
عامر هشام الصفّار
2026 / 2 / 4الادب والفن
تقدّم قصة "ناي الأكتع" للكاتب الأردني جلال برجس (المنشورة في العدد الأخير الصادر قبل أيام من مجلة نزوى العمانية) نصًا سرديًا متماسكًا يشتغل على ثيمة الحرب لا بوصفها حدثًا عسكريًا عابرًا، بل بأعتبارها كارثة وجودية تفتك بالإنسان في جوهره قبل أن تصيب جسده. فالقصة لا تنشغل بتفاصيل المعارك أو دوافعها السياسية، بل تنفذ مباشرة إلى الأثر النفسي والرمزي للحرب، ممثّلًا في شخصية جندي يجد نفسه منساقًا إلى حرب لا يعرف كيف اندلعت ولا لماذا قامت، في تجسيد واضح لعبثية الصراع الإنساني ولا معقوليته.
يقدّم برجس بطله رجلًا متزوجًا بلا أسم، عائدًا من الحرب مثقلًا بالحزن والخسارة. كان قبل الحرب عازف ناي، يتخذ من العزف هواية وملاذًا روحيًا، ويجد في الناي امتدادًا لذاته وصوته الداخلي. غير أنّه يعود هذه المرة بلا يدين، وقد سُلِب منه ما يمنحه القدرة على التعبير والحياة. ورغم هذا الفقد الفادح، يطلب من زوجته أن تضع الناي على حافة النافذة، كأنه يريد أن يراه في لحظات يقظته، وأن يتخيل نفسه يعزف أعذب الألحان، منتظرًا الريح بأصابعها كي تعزف معه، فيكتمل اللحن الذي أنقطع قبل الحرب.
هكذا يرسم القاص صورة بطل مأزوم، لا يعيش الحاضر بقدر ما يقيم في ذاكرة ما كان، وفي حلم ما لم يعد ممكنًا. وتغور القصة عميقًا في جرح هذا الجندي الأكتع — كما سمّاه الناس في المدينة — حيث يقوده تفكيره الغريب والمؤلم إلى أن يوصي زوجته بأن تضع الناي على قبره حين يموت، في دلالة على تلاشي الفاصل بين الحياة والموت، وعلى إدراكه أن موته الحقيقي قد حدث بالفعل مع فقدان قدرته على العزف.
تنتهي الحرب كما انتهت حروب كثيرة من قبل، وكما ستنتهي حروب أخرى ما تزال نيرانها مشتعلة، غير أنّ هذه الحرب تترك أثرها الحاسم في وعي البطل، إذ تجعله يكتشف حقائق جديدة عن نفسه والعالم. فيفكر في كتابة رواية عن البحر والناي، ويمليها على زوجته، في محاولة يائسة لأستعادة صوته عبر اللغة بعدما فقده عبر الجسد.
تبدأ الأشياء في مخيلته بالتداخل والأختلاط، فلا يعود قادرًا على المكوث في البيت. يركب حافلة المدينة، ويحدّق صامتًا في الأشياء وهي تركض إلى الخلف، وكأنها تستعيد أمامه حياةً سرقتها الحرب منه. وحين يموت الجندي المثقل بالحزن، ويوضع الناي على قبره، تحطّ حمامة بيضاء عليه، وتهبّ الريح في إحدى الليالي، فتسمع النساء لحنًا غريبًا، كأن روح الجندي قد تجسدت في الطير، وراحت تعزف لحن الخلود.
من الناحية البنيوية، تحافظ القصة على تماسكها من خلال أقتصاد سردي دقيق، حيث تتقدّم الأحداث بهدوء ظاهري يخفي توترًا داخليًا عميقًا. ويبلغ هذا التوتر ذروته في النهاية الدراماتيكية التي لا تعتمد على المفاجأة الحدثية، بل على الأنكشاف الدلالي، إذ يكتمل المعنى الرمزي في لحظة الفقد النهائي.
سيميائيًا، ينهض الناي بوصفه العلامة المركزية في النص. فهو لا يحيل إلى الموسيقى فحسب، بل إلى الروح والذاكرة والأستمرارية الوجودية. الناي هو الأمتداد الصوتي للذات، والوسيلة التي يتنفس بها الجندي إنسانيته وسط عالم متشظٍ. وحين يفقد الجندي ذراعيه، لا يفقد أداة جسدية فقط، بل يفقد صلته بالحياة نفسها، لأن الناي — رمز ديمومة الروح — يغدو بلا معنى في غياب الجسد القادر على منحه الصوت. وهنا تتحقق المفارقة القاسية: الجندي يموت رمزيًا قبل أن يموت فعليًا.
أما الحمامة، فتظهر بوصفها رمزًا أسطوريًا متجذرًا في الذاكرة الإنسانية، دالًا على السلام والبراءة والرجاء. غير أن حضورها في سياق الحرب يمنحها بعدًا إشكاليًا، إذ تتحول من علامة خلاص إلى شاهد صامت على الخراب، أو إلى حلم مستحيل في عالم لم يعد يعترف بالنقاء. وبهذا، لا تغدو الحمامة نقيضًا للحرب، بل فضحًا لعجز الإنسان عن بلوغ السلام.
يتجاوز الجندي الأكتع كونه شخصية فردية ليغدو رمزًا لعوق إنساني شامل؛ فالعوق هنا ليس جسديًا فقط، بل أخلاقي وحضاري، ناتج عن حروب بلا معنى ولا ضرورة.
في المحصلة، تنجح قصة "ناي الأكتع" للقاص جلال برجس في تقديم خطاب ضد الحرب من دون مباشرة أو خطابية، معتمدة على الرمز، والتكثيف، والدلالة المفتوحة. إنها قصة عن الفقد؛ فقد الأطراف، وفقد المعنى، وفقد القدرة على الأستمرار بوصف الإنسان إنسانًا. وبهذا، يرسّخ جلال برجس نصًا إنسانيًا عميقًا يضع القارئ أمام سؤال وجودي موجع: ما الذي يبقى من الإنسان حين تنجو الروح بينما يعجز الجسد عن التعبير عنها؟.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. سرديات أونلاين | بين الحقيقة والرواية: كيف تتحول المجازر إلى
.. كيف شكلت عقدة -اليهودي الضعيف- ثقافة القوة في إسرائيل؟
.. أتصور في ورشته أفلام وزاره نجوم كتير.. رحلة كفاح -عم أحمد- ف
.. الاستاذ الأديب مبارك عمرو العماري
.. شيرى عادل بعشق اغانى زمان ووالدتى كان نفسها أكمل غناء ودخلت