الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


فن إعادة رسم التاريخ، وسلطة السرد، وإغراء التعاطف

أوزجان يشار
كاتب وباحث وروائي

(Ozjan Yeshar)

2026 / 2 / 3
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


حين تُكتب الكذبة بضمير الشهادة

في السابع عشر من مارس/آذار 1943، عند الساعة الخامسة وخمسٍ وأربعين دقيقة صباحًا، توقفت شاحنة عسكرية رمادية اللون أمام الثكنة رقم 7 في معسكر رافينسبروك.
لم يكن هناك صراخ الحراس المعتاد، ولا نباح الكلاب، ولا الأوامر الحادة التي اعتادت النساء أن يستيقظن عليها.
كان هناك صمت فقط. صمت ثقيل، كثيف، كأن الهواء نفسه امتنع عن الحركة احترامًا لهول ما هو قادم.

أُطفئ المحرك.
ونزلت أحذية عسكرية لامعة فوق الحصى المبلل بندى الصباح، بخطوات بطيئة، متعمدة، واثقة من حقها في سلطة المكان.

الرجل الذي خرج أولًا كان طويل القامة، عريض الكتفين، يحمل جسده كما يحمل الجزار سكينه: بثقة لا تحتاج إلى مجهود أو تبرير.
كان يرتدي معطفًا جلديًا أسود يصل إلى ما دون الركبتين، وقفازات سميكة داكنة، رغم أن البرد لم يكن قارسًا.
اسمه هاينريش فون فالكهورن، بريغادير في قوات الـSS، معروف داخل الجهاز بلقبه غير الرسمي: «العقرب»—ولا أدري إن كان اللقب إشارة إلى دقة الساعة، أم إلى العقرب ذاته: رهبةً، وسمًّا، وحضورًا صامتًا.

لم يكن كثير الكلام.
لم يكن يعنّف بيده.
كان يفعل ما هو أسوأ: ينظر، ثم يترك لجنوده ترجمة النظرة إلى أفعال.

عيناه ضيقتان، حادتان، بلون المعدن المصقول.
لم ينظر إلى النساء الواقفات في الصفوف كما يُنظر إلى بشر، بل كما يُنظر إلى مواد خام، إلى فائض قابل للاستخدام أو الإتلاف.
كانت شفتاه رفيعتين، جامدتين، بلا أي أثر لارتباك أو تردد.
هذا رجل لا يؤمن بالشر بوصفه انفعالًا، بل بوصفه نظامًا.

في الصف الثالث من جهة اليسار، وقفت ماريان دوبريه.
السجينة رقم 44117.

كانت في التاسعة عشرة من عمرها.
وُلدت في 12 يونيو/حزيران 1924 في مدينة بون الفرنسية، وسط عائلة متوسطة: أب يعمل في تجارة الألبان والأجبان، وأم تحيك الثياب النسائية وتؤمن أن الأدب رفاهية لا تليق بفتاة.
قبل الحرب، درست فصلين في جامعة ليون، وكانت تنوي كتابة أطروحة عن الرمزية عند بودلير.
وقبل الحرب، كانت تعتقد أن الشر حدثٌ استثنائي.

كانت ماريان تحب القراءة بصوت مرتفع، وتحتفظ بدفتر أزرق صغير تكتب فيه رسائل لن تُرسل أبدًا.
كما كانت تُدرّس الأطفال القراءة في مدرسة ريفية ضمن عمل تطوعي، وتؤمن—بسذاجة كاملة—أن اللغة قادرة على تهذيب البشر.

انضمت إلى شبكة مقاومة محلية في خريف 1941.
لم تحمل سلاحًا.
كانت تنقل الرسائل، وتخبئ المنشورات، وترافق أطفالًا يهودًا إلى بيوت آمنة، ممسكةً بأيديهم كي لا يخافوا أو يبكوا.

في 28 يناير/كانون الثاني 1943، أُبلغ عنها.
اعتقلها الجستابو في نانت.
خضعت للاستجواب خمسة أيام متواصلة.
لم تعترف.
وفي 9 فبراير/شباط 1943، وصلت إلى رافينسبروك.

كان وزنها آنذاك 48 كيلوغرامًا.
حُلِق شعرها.
جُرّدت من اسمها.
وأُخذ منها دفترها الأزرق، ومزقه أحد الحراس أمامها صفحة صفحة، قبل أن يُلقى في النار.

حين مرّ فون فالكهورن بين الصفوف، كانت ماريان تحدّق في الأرض.
لكنها شعرت، كما لو أن ظلًا سقط عليها.
رفعت رأسها قليلًا، دون قصد، دون وعي.

توقف.

وقف أمامها مباشرة.
لم يتكلم.
لم يبتسم.
أنزل نظره ببطء، ثم رفع إصبعه الأيمن وأشار إليها كما يُشار إلى قطعة لحم في سوق.

كانت الإشارة قصيرة.
قاسية.
نهائية.

بعد ثلاث ساعات بالضبط، فُتح باب الثكنة رقم 7.
نودي رقم 44117.
خرجت ماريان ولم تعد.

نُقلت إلى جناح إداري مغلق.
غرفة نظيفة على نحو مريب.
سرير واحد.
باب يُغلق من الخارج.

لم يُسجَّل شيء رسميًا.
لكن النساء كنّ يعرفن.

صارت مجرد جسد يُستدعى ليلًا،
ثم يُعاد فجرًا.
وصارت تمشي أبطأ، بوجع يتجاوز الجسد إلى الروح.

بعد شهرين، بدأت علامات الحمل تظهر.
في ديسمبر/كانون الأول 1943، وضعت طفلًا.
لم يُسجَّل اسمه.
لم يُمنح رقمًا.
أُخذ منها خلال دقائق.

قالت إحدى الممرضات لاحقًا إنها سمعت ماريان تهمس:
«دعوني أراه… فقط لأعرف أنه كان حقيقيًا.»

بعد أسبوع، غادر هاينريش فون فالكهورن المعسكر.
نُقل إلى مهمة أخرى،
حيث لا عقاب ولا سؤال.

نجت ماريان من الحرب.
عادت إلى فرنسا في ربيع 1945.
لم تعد إلى أنجيه.
عادت بعد التحرير، نعم، لكنها لم تنجُ من نفسها.
عاشت في صمت طويل، تكتب أحيانًا جملًا متفرقة على أوراق مبعثرة، ثم تمزقها.
ماتت عام 1978، وحيدة.
وقيل إن ورقة واحدة وُجدت بعد وفاتها، مخبأة في صندوق قديم:
«كان يختارني كما يختار كلمة. ثم أحرق الكتاب كله.»

هذه هي القصة.
القصة التي تُروى.
وتُشارك.
وتُصدَّق.

والآن، هنا تحديدًا، يجب أن يتوقف هذا السرد الدرامي المختلَق.

لقد صنعتُ الاسم الألماني الأرستقراطي،
والضحية الشابة المثقفة الحساسة،
والتفاصيل الحسية الدقيقة: القفازات، الصمت، الإشارة بالإصبع،
لأنني أردتُ لها أن تكون مؤثرة.

أردتُ منك أن تتأثر.
أن تتعاطف.
أن تغضب.
أن تحزن بسرعة.

أردتُ جلادًا واحدًا واضحًا يمكن شتمه ولعنه،
وضحية واحدة «مثالية» يمكن البكاء عليها،
لأن الألم الحقيقي—مرور أكثر من 130 ألف امرأة برافينسبروك، آلاف الانتهاكات الجنسية الموثقة وغير الموثقة، آلاف الأطفال الذين وُلدوا أو مُنعوا من الولادة أو اختفوا بلا اسم—
ثقيل جدًا،
مربك جدًا،
وغير قابل للتلخيص في قصة واحدة مريحة.

فاخترتُ أن أُعطي التاريخ وجهًا،
واسمًا،
وحكاية مكتملة.

لكن هذا الاكتمال لم يكن بريئًا.
كان اختزالًا.
وكان استجابة لهوى ثقافي عميق:
نحن نحب الشر حين يتجسد في شخص واحد،
لأن مواجهة الشر كنظام، كمنظومة، كآلة، تُرعبنا.

ونحب الضحية الجميلة، المتعلمة، الحساسة،
لأن الضحايا المجهولات، غير المتعلمات، غير «القابلات للسرد»،
لا يمنحننا التعاطف السريع ذاته.

هذه القصة لم تُكتب لإنقاذ الحقيقة،
بل لإعادة تشكيلها حسب رغبتنا في سردية سهلة الهضم،
صادمة بما يكفي لتمنحنا شعورًا أخلاقيًا مريحًا،
من دون أن تُحمّلنا عبء التفكير في الفوضى الحقيقية للجريمة سواء كانت نازية أو صهيونية بوصفها منظومة كاملة للشر وسقوط الضمير.

الطفل الذي قيل إنه وُلد لم يولد.
لكن آلاف الأطفال الحقيقيين الذين وُلدوا في المعسكرات،
أو مُنعوا من الولادة،
أو اختفوا بلا اسم،
لا يحتاجون إلى جنرال وهمي كي يكونوا حقيقيين.

لأن اللحظة التي تدرك فيها أن القصة «المؤثرة جدًا» مختلقة،
هي اللحظة التي يبدأ فيها السؤال الحقيقي:
لماذا صدّقتها بهذه السهولة؟
ولماذا فضّلتَ هذه السردية على الصمت المُربك للحقيقة؟

في زمن تُكتب فيه الكذبة بضمير الشهادة،
يصبح الشك فعل مقاومة.

ولأن هاينريش فون فالكهورن لم يوجد في أي سجل من سجلات الـSS، ولا في أرشيف القيادة، ولا في محاكمات ما بعد الحرب.
ولأن ماريان دوبريه، السجينة رقم 44117، لم تظهر في أي قائمة موثقة للناجيات، ولا في شهادات المرحّلات، ولا في الأرشيف الفرنسي.

الثكنة رقم 7 كانت موجودة فعلًا.
ورافينسبروك كان موجودًا.
والاغتصاب، والاستغلال، والحمل القسري، وسرقة الأطفال… كل ذلك حدث.

لكن هذه القصة، بهذه الأسماء، وبهذه التفاصيل المصممة لإيلامك،
لم تحدث إلا في ذهني.
ثم على هذه الورقة.

أنا من كتب الكذبة.
وأنا من يكشفها الآن.

لا طلبًا للصفح،
بل لأن الحقيقة، حين لا تأتي في قالبٍ جميل،
تحتاج شجاعة أكبر كي نحتملها.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. هرمز تحت السيطرة الأميركية.. هل خسرت إيران أخطر أوراقها؟


.. نقاش الساعة| دلالات إعلان الرئيس الأمريكي حصار مضيق هرمز وال




.. جولة الصحافة | يديعوت أحرنوت: واشنطن تريد التوصل إلى اتفاق ج


.. مسار يوم كامل من المفاوضات والمواقف المعلنة بعد الإخفاق في ا




.. تفاعلكم | شاهد.. عودة طاقم «أرتميس 2» للأرض بعد رحلتهم التار