الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
3. اقتصاد الحرب كنمط تراكم موحد
عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)
2026 / 2 / 1
الارهاب, الحرب والسلام
لا يمثل اقتصاد الحرب في السودان حالة طارئة نتجت عن انهيار مفاجئ، بل هو نمط تراكم قائم بذاته تحول فيه العنف من وسيلة لحماية الثروة إلى مصدر أساسي لإنتاجها. باتت الحرب غاية اقتصادية بحد ذاتها، حيث يعاد إنتاج شروط استمرارها عبر دورة مغلقة تبدأ بتجريد الملايين من مصادر عيشهم وتحويلهم إلى كتلة بشرية فائضة، ثم يعاد توظيفهم قسراً ضمن ما يسمى بالبروليتاريا الرثة المسلحة. تعمل هذه البروليتاريا كمادة إنتاج لسلعة العنف المربحة، فالمعارك تستثمر والغنائم تربح واستمرار القتال يتحول إلى شرط وجودي للنظام الاقتصادي البديل الذي أقامته النخبة المسلحة على أنقاض الاقتصاد المنتج.
تعمل دورة التراكم الحربي عبر حلقات مترابطة تشكل نظاماً متكاملاً يغذي نفسه بنفسه. تبدأ بالمرحلة الأولى وهي التجنيد المنهجي الذي يحول البشر إلى وقود قابل للاستهلاك في أتون المعارك، ثم تليها مرحلة تسليع القتال حيث يباع العنف كخدمة قابلة للقياس السعري، لتصل الذروة في مرحلة تحصيل الأرباح عبر قنوات النهب المباشر وفرض الإتاوات والمتاجرة بالمحظورات، وأخيراً تعود هذه الأرباح لتستثمر في توسيع آلة الحرب وتعزيز قدراتها التدميرية. يجب أن ندرك أن هذا التعدد في الفاعلين المسلحين لا ينم عن تناقض جوهري بل يكشف عن تقسيم عمل وظيفي داخل إطار واحد، فالفرق بين الجيش النظامي والمليشيات والشركات الأمنية فرق في الوظيفة لا في الهدف، حيث تتعاون هذه الأطراف ضمن نسق يخدم مصالح نخبة عسكرية-تجارية واحدة تجد في العنف مصدر ثروتها وسلطتها.
تبدأ عملية الإفقار المنهجي للمجتمع كخطوة أولى في هذه الدورة الاقتصادية القاتلة. تصادر أراضي الفلاحين تحت حجج "المصلحة العامة" و"مشاريع التنمية"، وتنتهب موارد المجتمعات المحلية باسم "الأمن القومي"، فيما تتحول الاستثمارات الطفيلية والزراعة المسيسة إلى أدوات فعالة لإنتاج الفقر واليأس الذي يصبح المادة الخام لصناعة الحرب. لا يعد الفقر هنا نتيجة عرضية قابلة للمعالجة، بل هو شرط بنيوي لاكتمال نظام التراكم الحربي، حيث يكون اليأس الاقتصادي هو الحاضنة الطبيعية للتجنيد والإذعان لأجندات العنف.
تأتي مرحلة تحويل الفائض البشري إلى سلعة قتالية عبر آليات تجنيد تدار بخطابات أيديولوجية متنوعة تخاطب كل فئة بلغتها الخاصة. يقتل الوعي الطبقي للجندي النظامي تحت راية الوطنية الزائفة، ويستلب المليشياوي بشعارات قبلية أو دينية تقدم له هوية بديلة عن هويته الطبقية المفقودة، بينما يسوق العامل في الشركات الأمنية كبضاعة في سوق خدمات تقدم "الحماية" كسلعة. تختلف أشكال التعبئة والتغليف الأيديولوجي، لكن الجوهر الاستغلالي يظل واحداً وهو تحويل الإنسان إلى أداة عنف منتجة للربح.
تصل الدورة الاقتصادية للحرب إلى ذروتها حين ينتج العنف كفائض قيمة قابل للتراكم الفعلي. لا تكون المعركة في هذا النظام حدثاً سياسياً عابراً بل عملية إنتاجية منظمة تقاس كفاءتها بحجم الغنائم لا بالانتصارات الاستراتيجية، فتتحول ساحات القتال إلى ورش عمل والقتلى إلى نفايات صناعية والمناطق المدمرة إلى أسواق جديدة للنهب وصفقات إعادة الإعمار الوهمية. تتدفق الأرباح عبر شبكة معقدة من قنوات متشعبة تكشف عن وجود اقتصاد موازٍ كامل، حيث ينهب الذهب والنفط والماشية وتفرض الإتاوات على الطرق والمدن ويتاجر بالسلاح والمخدرات عبر الحدود، ما يخلق شكلاً من الرأسمالية الطفيلية التي لا تخلق قيمة بل تنقل الثروة من الجماهير إلى النخبة عبر آلية العنف المنظم.
تعاد استثمار هذه الأرباح الطائلة في توسيع رقعة النظام وتعزيز قبضته، فيشترى المزيد من الأسلحة المتطورة وتمول حملات تجنيد أوسع وتدفع الرشاوى للوساطات السياسية والدبلوماسية ويستثمر في إعلام يروج لأيديولوجيا الحرب ويبرر استمرارها. تتحول الحرب بذلك إلى آلة اقتصادية لا يمكن إيقافها لأن توقفها يعني نهاية مصدر رزق النخبة المسلحة وانهيار نظامها الاقتصادي برمته، حيث يصبح العنف هو الرأسمال والدمار هو الاستثمار والموت هو الإنتاج.
يكمن التناقض الجوهري لهذا النظام في قدرته الفائقة على إعادة إنتاج نفسه رغم تدميره المستمر لشروط الحياة الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع ككل. تدمر البنى التحتية وتهجر الجماعات وتفكك العلاقات الإنتاجية التقليدية، ومع ذلك يستمر النظام بل ويتوسع، لأنه يحول الدمار نفسه إلى مصدر ربح ويعيد تدوير المأساة الإنسانية إلى فرص اقتصادية جديدة. يجب أن ندرك أن هذا التناقض لا يقود إلى الانهيار التلقائي بل إلى تبدل أشكال الاستغلال ضمن القانون العام للرأسمالية الطفيلية، حيث لا يحل اقتصاد الحرب أزمات التراكم التقليدي بل يتحول إلى نمط تراكم بديل أشد وحشية يحقق الربح عبر تدمير شروط إنتاج القيمة نفسها.
تتعامل النخبة الحاكمة مع هذا التناقض عبر تصدير تبعاته إلى كاهل الجماهير الواسعة، فكلما تعمق تدمير الاقتصاد المنتج ازداد إفقار الناس واتسعت رقعة الفائض البشري المتاح للتجنيد الحربي. تتشكل دائرة مفرغة يصبح فيها تدمير الحياة شرطاً لاستمرار النظام والفقر مادة خام لإنتاج العنف والمعاناة الإنسانية وقوداً للآلة الاقتصادية، حيث تعاد صياغة العلاقات الاجتماعية على أساس جديد يجعل من الحرب نمط عيش ومن العنف مهنة جماعية.
تنكشف في هذا السياق الطبيعة الطبقية الصريحة لنظام اقتصاد الحرب، فالنخبة العسكرية-التجارية التي تديره تتبلور كطبقة حاكمة متكاملة تستخدم العنف كرأسمال أساسي وتحول الدولة إلى شركة أمنية خاصة تخدم مصالحها الضيقة. لا تمثل هذه النخبة انحرافاً عن المنطق الرأسمالي العالمي بل شكله الأكثر تطرفاً في سياق التخلف والتبعية، حيث تحل البنادق محل المصانع كمحرك للتراكم ويغدو العنف بديلاً عن الإنتاج والدمار مساراً للتراكم.
تتحدى هذه الرؤية كل المقاربات الإصلاحية الساذجة التي تتعامل مع الحرب كصراع سياسي يمكن تسويته عبر المفاوضات وتقاسم السلطة، فالمشكلة الجوهرية لا تكمن في كيفية توزيع المناصب بين النخب المسلحة بل في وجود نخبة تجد في الحرب أساس وجودها الاقتصادي وشرط بقائها الطبقي. لا يمكن للجلاد أن يتخلى عن الجلادية طالما كانت مهنته ومصدر رزقه وهويته الاجتماعية، فالمصالحة مع النظام هي مصالحة مع منطق إنتاج الموت.
يترتب على هذا التحليل أن إنهاء الحرب في السودان لا يتحقق بمجرد وقف القتال شكلياً أو توقيع اتفاقيات سلام هشة، بل يتطلب السلام الحقيقي ضرب الأساس الاقتصادي الذي يجعل العنف مربحاً ومستداماً عبر مصادرة وسائل إنتاج العنف من يد النخبة المسلحة وتحويل الموارد المهدرة في الحرب إلى اقتصاد منتج يخدم الجماهير وإعادة دمج البروليتاريا الرثة المسلحة في عملية إنتاج حقيقية تعبر عن مصالحها الطبقية.
يجب أن تفهم هذه المهمة كجزء من الصراع الطبقي ضد نظام يحول الحياة إلى حرب والإنسان إلى سلعة. فتحرير السودان من اقتصاد الحرب يعني تحريره من رأسمالية طفيلية تجعل من الدمار مصدراً للربح، ومن الموت مهنة للفقراء. كما كتب ماركس في رأس المال: "إن تراكم الثروة في قطب يعني تراكم البؤس والعذاب في القطب المقابل".
النضال مستمر،،
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. بين أميركا وإيران.. كيف تؤثر شروط إسرائيل على مسار المفاوضات
.. سياق الحدث| ما الأفق الذي ينتظر المفاوضات المرتقبة في إسلام
.. فيصل أبو صليب: الرادارات القطرية المتطورة رصدت محاولات إيران
.. الوفد الإيراني المفاوض يصل العاصمة الباكستانية.. تعرف على أع
.. فرقة المظليين 82 تعزز الوجود العسكري الأميركي بالمنطقة