الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


2. الآليات الموحدة لإنتاج الفقراء المسلحين

عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)

2026 / 1 / 30
الارهاب, الحرب والسلام


تنتج الحرب في السودان مقاتليها بنفس الدقة القاتلة التي تنتج بها المصانع سلعها الاستهلاكية، إذ لا يظهر المقاتل هنا كفاعل عرضي بل كسلعة أساسية في اقتصاد الحرب ذاته. ومن هذا المنطلق، لا يصبح اختلاف الأسماء التنظيمية سوى واجهات وظيفية تخفي مصنعاً واحداً يعمل وفق خطة إنتاج موحدة. تبدأ العملية بتحويل الإنسان من منتج اجتماعي إلى مادة حربية قابلة للاستهلاك، ثم تكتمل باستنزاف طاقته البشرية في حرب مفتوحة تخدم نظام تراكم طفيلي لا يعرف سوى منطق النهب. هكذا تعمل الآليات التي تنتج هذه السلعة البشرية عبر كل المعسكرات العسكرية، بتنوع أشكالها الظاهر ووحدة جوهرها الطبقي.

يتصدر التجنيد هذه السلسلة بوصفه الآلية الأولى في عملية التحويل، حيث يُعاد تعريف الفقراء من فائض بشري غير مرغوب فيه إلى وقود حربي مطلوب. ومن خلال هذا التحول، تستخدم المؤسسة العسكرية النظامية خطاب "الخدمة الوطنية" و"الدفاع عن الوطن" لإعادة إنتاج علاقة استغلالية مقنّعة، تخفي واقع أن التجنيد تحوّل عملياً إلى مصيدة اقتصادية للعاطلين عن العمل. ينطلق التجنيد في المناطق المهمشة كضرورة مفروضة على من لا يملكون بديلاً، إذ يجد من فقد أرضه ومصدر رزقه في الراتب العسكري الهزيل مخرجاً مؤقتاً من الجوع، وإن كان ثمنه تحويل جسده إلى أداة في صراع لا يعبر عن مصالحه.

تعمل قوات الدعم السريع وسائر التشكيلات المليشياوية ضمن المنطق نفسه، لكن عبر أشكال تنظيمية مختلفة. فبدلاً من خطاب الدولة، تستقطب هذه التشكيلات المراهقين المعدمين والعاطلين بآليات "توظيف" اقتصادي مباشر، تحل فيها الحصة من الغنيمة والإتاوات محل الأجر المنظم. في هذا السياق، لا يظهر المقاتل كمدافع عن قضية، بل كبائع لقدراته على العنف في سوق مفتوحة تحكمها علاقات العطاء والولاء الطفيلية. وتبلغ هذه الآلية ذروتها في المليشيات القبلية، حيث تتحول الولاءات التقليدية إلى عقود عسكرية، وتُعاد صياغة علاقات القرابة كشبكات تجنيد لمن أُغلق أمامهم سوق العمل المدني المنهار.

تكشف الوحدة الطبقية للمجندين عبر هذه الأشكال المتباينة عن حقيقة مادية واحدة، مفادها أن الفقير لا يُجنّد بدافع قناعة أيديولوجية خالصة، بل لأن الحرب أصبحت سوق العمل الوحيد المتاح في اقتصاد تحولت فيه الدولة من مشغّل للعمال إلى مشغّل للمقاتلين. وبهذا التحول، ينتقل العنف من كونه وسيلة سياسية استثنائية إلى مهنة دائمة، ومن حدث طارئ إلى نمط عيش مفروض على جيل كامل حُرم من أي بدائل إنتاجية.

يعيش المقاتلون، رغم اختلاف معسكراتهم، ضمن اقتصاد بقاء مشترك يخفي وحدة الشروط خلف تباين أشكال الدفع. فالجندي النظامي يتقاضى راتباً هزيلاً لا يكفي للعيش، ويُستكمل بالنهب الجانبي والفساد الصغير، بينما يعتمد المقاتل المليشياوي على حصة متقلبة من الغنيمة والابتزاز المباشر. غير أن هذا التباين الشكلي لا يمس الجوهر، إذ يقوم النظامان معاً على استغلال قوة العمل العنيفة دون أي ضمانات اجتماعية أو أفق مستقر. يبقى الاختلاف في شكل الدخل تفصيلاً ثانوياً أمام وحدة العلاقة الاستغلالية التي تربط المقاتل البسيط بقيادته في كل الحالات.

تتحول هذه الآليات الاقتصادية، بفعل تراكمها، إلى حلقة مفرغة تعيد إنتاج الفقراء المسلحين كشرط بنيوي لاستمرار نظام التراكم الحربي. فكلما تصاعدت وتيرة القتال، تضاعفت الأرباح الناتجة عن النهب والاتجار والصفقات العسكرية، وارتفع معها الطلب على مقاتلين جدد. يخلق النظام سوقه الخاصة للعمالة المسلحة، ويعيد تدوير الفقراء من ضحايا للحرب إلى وقود لها، ضمن دورة مادية محكمة تتغذى على ذاتها. يصبح تدمير الاقتصاد المنتج شرطاً لازدهار اقتصاد الحرب، وتغدو القدرة على تجنيد المزيد من الفقراء مؤشراً على نجاح النخبة المسلحة في إدارة نظامها الطفيلي.

يقتضي التحليل الماركسي النظر إلى هذه الآليات بوصفها جزءاً عضوياً من البنية التحتية لنمط إنتاج مشوّه، لا كظواهر فوقية يمكن معالجتها بالإصلاح الأخلاقي. فكما تنتج الرأسمالية الصناعية البروليتاريا الحضرية عبر تجريد المنتجين من وسائل إنتاجهم، تنتج رأسمالية الحرب السودانية البروليتاريا الرثة المسلحة عبر تجريد الفلاحين والعمال من الأرض والعمل المنتج. ويكمن الاختلاف في أن هذه البروليتاريا الجديدة لا تبيع قوة عملها في المصانع، بل في ساحات القتال، ولا تنتج سلعاً استهلاكية، بل دماراً يتحول هو نفسه إلى سلعة في سوق النخبة المسلحة.

تعمل هذه الآليات الموحدة ضمن تحالف موضوعي بين أشكال التنظيم المسلح المختلفة، حيث لا يتناقض التعدد الظاهري مع الوحدة البنيوية. فالجيش النظامي يحتاج إلى المليشيات لتنفيذ ما لا يمكن تبريره رسمياً، بينما تحتاج المليشيات إلى الغطاء القانوني والشرعية التي يوفرها الجيش. ينتج عن ذلك تقسيم عمل داخل نظام واحد، يتخصص فيه كل طرف بوظيفة محددة ضمن سلسلة القيمة العنيفة. تكشف هذه العلاقة الجدلية أن التنافس الظاهر لا يلغي التعاون العميق في إعادة إنتاج نظام التراكم الحربي ككل.

يتجلى التناقض الرئيسي في أن البروليتاريا الرثة المسلحة، رغم كونها المنتج المباشر للعنف-السلعة، لا تحوز أي نصيب من فائض القيمة الناتج عن عملها الحربي. يذهب هذا الفائض إلى قادة الحرب ووكلاء الاقتصاد الطفيلي، بينما يظل المقاتل البسيط أسير دائرة البقاء اليومي. يتحول العنف، على نحو ما وصف ماركس العمل في ظل الرأسمالية، إلى نشاط مغترب عن الذات، حيث لا يؤكد الإنسان نفسه فيه بل ينفيها، ولا يجد فيه إشباعاً بل شقاءً دائماً.

تفضي هذه الآلية الموحدة إلى إنتاج وعي زائف منقسم يعوق تشكل وعي طبقي جامع. يرى المقاتلون عبر خطوط المواجهة المختلفة في بعضهم أعداء وجوديين، بينما يشتركون فعلياً في الخضوع للنظام الاستغلالي ذاته. تعمل أيديولوجيات القومية والقبلية والطائفية على حجب هذه الحقيقة، وتحويل الصراع إلى اقتتال بين فقراء يخدم، في محصلته النهائية، نخبة تستفيد من ديمومة الحرب.

ينتهي التحليل إلى أن معالجة إشكالية البروليتاريا الرثة المسلحة لا يمكن أن تتم عبر نزع سلاح فردي أو برامج إعادة تأهيل سطحية، بل تقتضي تفكيك نظام التراكم الحربي نفسه. فطالما استمرت الآليات الاقتصادية التي تنتج الفقر وتجعل من الحرب خيار البقاء الوحيد، ستستمر دورة إنتاج المقاتلين الجدد. يكمن التحدي الثوري الحقيقي في تحويل هذه الطاقة البشرية المدمَّرة إلى قوة منتجة، وفي نقل المقاتلين من موقع الأدوات في حروب النخب إلى موقع الفاعلين في صراع طبقي يستهدف تغيير علاقات الإنتاج ذاتها.

"العسكرة هي السمة المميزة للمجتمعات التي تفشل في خلق قيمة خارج نطاق النهب"
فرانز فانون.

النضال مستمر،،








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. بين أميركا وإيران.. كيف تؤثر شروط إسرائيل على مسار المفاوضات


.. سياق الحدث| ما الأفق الذي ينتظر المفاوضات المرتقبة في إسلام




.. فيصل أبو صليب: الرادارات القطرية المتطورة رصدت محاولات إيران


.. الوفد الإيراني المفاوض يصل العاصمة الباكستانية.. تعرف على أع




.. فرقة المظليين 82 تعزز الوجود العسكري الأميركي بالمنطقة