الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
11. نحو كسر الحلقة - إمكانيات التحول واستحالة العودة
عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)
2026 / 1 / 26
مواضيع وابحاث سياسية
لا تشكل الحرب السودانية نهاية التاريخ، بل هي لحظة انكشاف حادة لمسار فاشل امتد لعقود. إنها الجرح النازف الذي يكشف عن العظام المكسورة لهيكل اجتماعي لم يُبنَ يوماً لخدمة شعب، بل لخدمة تحالف طفيلي من البيروقراطية العسكرية والبرجوازية الكومبرادورية. هذا التحالف، الذي تربى في أحضان الاستعمار ثم ورث دولته الشكلية، لم يكن قادراً ولا راغباً في بناء دولة وطنية حقيقية، لأن مصلحته كانت تقتضي إبقاء السودان سوقاً للنهب وساحة لحروب الآخرين.
كشفت هذه السلسلة كيف أن الحرب ليست حدثاً معزولاً، بل هي الحلقة الأخيرة في سلسلة طويلة من الإخفاق المؤسسي. من الدولة التي وُلدت مشوهة في أحضان الاستعمار، إلى الاقتصاد الريعي الذي حوّل الثروة إلى أداة قمع، إلى النظام التعليمي المُصمّم لإنتاج الطاعة لا التفكير، إلى المجتمع المُفكَّك والمجهَّز للاقتتال - كل هذه العناصر تشكل نظاماً متكاملاً أعاد إنتاج نفسه لعقود، حتى انفجر أخيراً في وجه من صنعوه.
لكن هذا الانفجار، رغم بشاعته، يحمل في طياته إمكانية التحول. فالنظام القديم لم يعد قادراً على حكم حتى بالطريقة الفاشلة التي اعتاد عليها. والمجتمع، رغم تشتته، لم يعد يقبل العيش بالطريقة المهينة التي فُرضت عليه لعقود. هذا هو التناقض الذي تحدثت عنه المادية الجدلية: لحظة الأزمة الثورية تنضج حين لا يعود القديم قادراً على الاستمرار، ولا الجديد قد ولد بعد.
المشكلة أن الولادة الجديدة في السودان تواجه عوائق بنيوية هائلة. فأولاً، لا تزال القوى الاجتماعية القادرة على قيادة التحول - الطبقة العاملة المنظمة، الفلاحون المستقلون، المثقفون العضويون - ضعيفة ومشتتة بعد عقود من القمع والتجهيل. وثانياً، الاقتصاد المنهوب لم يترك إلا ركاماً يصعب البناء عليه. وثالثاً، الذاكرة الجماعية التي تُشكّل الهوية الوطنية تعرضت لتشويه منهجي. ورابعاً، القوى الإقليمية والدولية تفضل سوداناً ضعيفاً منقسماً يمكن استغلال موارده بسهولة.
في هذا السياق، تظهر ثلاث سيناريوهات مستقبلية محتملة:
السيناريو الأول: إعادة إنتاج النظام القديم بأشكال جديدة
وهو الأكثر ترجيحاً في المدى القريب. حيث تتفق النخب المتقاتلة على تقاسم السلطة والثروة من جديد، مع إجراء بعض الإصلاحات الشكلية. يعود الجنرالات إلى ثكناتهم بعد ضمان حصتهم في اقتصاد النهب، وتعود البرجوازية الكومبرادورية إلى متاجرتها، ويُترك الشعب مع وعود زائفة ومؤسسات هشة. هذا السيناريو يعني أن الحرب ستعود بعد سنوات، لأن الأسباب البنيوية التي أنتجتها ستظل قائمة.
السيناريو الثاني: التفتيت الدائم والتشظي الإقليمي
حيث تتحول الميليشيات المتحكمة في مناطق مختلفة إلى سلطات محلية دائمة، مع ضعف شديد للحكومة المركزية. يصبح السودان شكلاً من "الدولة الفاشلة" التي تُدار من خلال تحالفات متغيرة بين أمراء الحرب والوسطاء الاقتصاديين. هذا النموذج يخدم المصالح الخارجية التي تفضل التعامل مع كيانات صغيرة ضعيفة، لكنه يعني ديمومة المعاناة للشعب السوداني.
السيناريو الثالث: التحول الثوري والبناء الجذري
وهو الأصعب تحقيقه لكنه الوحيد القادر على كسر الحلقة المفرغة. يتطلب بناء تحالف طبقي واسع من العمال والفلاحين والمهمشين والشباب والنساء، قادر على تقديم بديل حقيقي. بديل يبدأ بإعادة توزيع الثروة والسلطة، وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس ديمقراطية حقيقية، وخلق اقتصاد منتج بدلاً من اقتصاد النهب، وإصلاح جذري للنظام التعليمي والثقافي.
شروط تحقيق هذا السيناريو صعبة لكنها ليست مستحيلة:
1. بناء الوعي الطبقي الموحد: تحويل الغضب المتفشي إلى فهم لطبيعة النظام الطبقي، وكسر الحواجز المصطنعة بين مكونات الشعب السوداني.
2. التنظيم المستقل: خلق هياكل تنظيمية ديمقراطية تمثل المصالح الحقيقية للجماهير، بعيدة عن النخب التقليدية وأجندات القوى الخارجية.
3. البرنامج الاقتصادي البديل: تقديم رؤية اقتصادية واضحة تعيد توجيه الموارد لخدمة التنمية الحقيقية، وتوفر بدائل ملموسة عن اقتصاد الحرب.
4. الذاكرة التاريخية النقدية: استعادة التاريخ الحقيقي للنضالات الشعبية في السودان، وكشف زيف السرديات الرسمية التي خدمت النظام القديم.
5. التضامن الإقليمي والدولي التقدمي: بناء تحالفات مع قوى التغيير في المنطقة والعالم، بدلاً من الاعتماد على القوى الإمبريالية التقليدية.
المعرفة التي قدمتها هذه السلسلة ليست هدفاً في ذاتها، بل هي سلاح في هذه المعركة. ففهم جذور الأزمة هو الخطوة الأولى نحو حلها. ومعرفة آلية عمل النظام القديم تمكن من تفكيكه. وإدراك تاريخ الصراع الطبقي في السودان يعطي القوة الأخلاقية والسياسية للاستمرار في النضال.
السودان اليوم على مفترق طرق تاريخي. إما أن يستمر في دوامة العنف والتخلف، أو يختار طريق التحول الجذري. الخيار الأول يعني مزيداً من المعاناة للأجيال القادمة. الخيار الثاني يتطلب شجاعة المواجهة وصبر البناء وجرأة التخيل.
كما كتب المنظر الماركسي الإيطالي أنطونيو غرامشي: "الأزمة تكمن في أن القديم يموت والجديد لا يستطيع أن يولد". السودان يعيش هذه اللحظة بالضبط. الموت البطيء للقديم مؤلم، وولادة الجديد مخيفة. لكن بين الألم والخوف، توجد إمكانية التغيير.
النضال المستمر ليس شعاراً بل ضرورة. إنه نضال من أجل إعادة تعريف معنى الوطن، ليس كأرض تتنازع عليها الميليشيات، بل كمشروع تحرري جماعي. نضال من أجل إعادة تعريف معنى المواطنة، ليس كولاء أعمى لسلطة، بل كمسؤولية نحو بناء مجتمع عادل. نضال من أجل إعادة تعريف معنى التقدم، ليس كتقليد أعمى للغرب، بل كتحقيق لطموحات الشعب السوداني في الحرية والكرامة والعيش الكريم.
الحرب ستنتهي يوماً ما، لكن السؤال هو: أي سودان سيولد من تحت الركام؟ سودان يعيد إنتاج نفس العلاقات الطبقية الفاسدة، أم سودان جديد يبدأ من حيث انتهى الآخرون، ويبني على أنقاض الماضي مستقبلاً مختلفاً؟
الإجابة ليست في أيدي الجنرالات أو السياسيين التقليديين أو المبعوثين الدوليين. الإجابة في أيدي الشعب السوداني، حين يقرر أن يكسر الحلقة المفرغة، وأن يبدأ، ولو من الصفر، في بناء وطن يستحقه.
النضال مستمر،،
خاتمة
"إن تاريخ المجتمعات حتى الآن ليس سوى تاريخ صراعات طبقية". هذه الكلمات التي كتبها ماركس وإنغلز قبل أكثر من قرن ونصف، تجد في السودان اليوم تعبيرها الأكثر مأساوية. الحرب ليست صراعاً بين خير وشر، ولا بين تقدم وتخلف، بل هي صراع طبقي عنيف على الثروة والسلطة.
لكن التاريخ لا ينتهي عند هذه الحقيقة المرة. فالصراع الطبقي، رغم بشاعته، يحمل في داخله إمكانية التحرر. إمكانية أن يتحول المقهورون من موضوع للتاريخ إلى فاعلين فيه. إمكانية أن تتحول المعاناة من قدر محتوم إلى حافز للتغيير.
السودان الذي دفع ثمن هذا الصراع دماً ودموعاً لعقود، يستحق أكثر من أن يكون ساحة لحروب الآخرين. يستحق أن يكون وطناً لشعب حر، في دولة عادلة، في مجتمع كريم.
هذه ليست أحلاماً مستحيلة، بل هي أهداف نضال ممكن. نضال يبدأ بالوعي، وينمو بالتنظيم، وينتصر بالإرادة.
النضال مستمر،،
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. بين أميركا وإيران.. كيف تؤثر شروط إسرائيل على مسار المفاوضات
.. سياق الحدث| ما الأفق الذي ينتظر المفاوضات المرتقبة في إسلام
.. فيصل أبو صليب: الرادارات القطرية المتطورة رصدت محاولات إيران
.. الوفد الإيراني المفاوض يصل العاصمة الباكستانية.. تعرف على أع
.. فرقة المظليين 82 تعزز الوجود العسكري الأميركي بالمنطقة