الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


لقاء من الدهشة مع من يشبهنا

أوزجان يشار
كاتب وباحث وروائي

(Ozjan Yeshar)

2026 / 1 / 26
الادب والفن


يحدث أحياناً أن تضعك الحياة في موقفٍ بسيط، شبه عابر، ثم تقرر فجأة أن تعبث بمرآتك. لا تحطمها، بل تضعها أمامك في هيئة إنسانٍ آخر، وتقول لك بصمت: تفضّل، هذا أنت… ولكن ليس تماماً. هذا اللقاء غير المتوقع، الذي يُعرف في الأدب والفلسفة بـ”الدوبلغانغر” أو “النظير المزدوج”، ليس مجرد صدفة بصرية محضة. إنه دعوة للتأمل في جوهر الذات، في تلك الهوية التي نعتقد أنها فريدة وغير قابلة للتكرار، رغم أن الطبيعة تحب أن تكرر أنماطها بلا تردد. كما قال الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه في كتابه “هكذا تكلم زرادشت”: “أنت تحتاج إلى أن ترى نفسك في الآخر لتفهم من أنت حقاً”، إلا أن هذه الرؤية غالباً ما تكون مزعجة في البداية، لأنها تكشف عن جوانب منا لم نكن نريد مواجهتها. في هذا المقال، سأروي تجربتين شخصيتين مع هذا الشبه الغريب، مدعماً إياهما بتفاصيل من الذاكرة والعواطف، وبعمق فلسفي يستلهم من أفكار الفلاسفة والأدباء، لنفهم كيف يتحول الشبه من تهديد وجودي إلى درس في التواضع والقبول والوحدة الإنسانية.
أول مرة اختبرتُ هذا الارتباك كنت شاباً يقترب من الثانية والعشرين. كنت في باسادينا، إحدى ضواحي مدينة هيوستن في ولاية تكساس الأمريكية، حيث كنت أدرس وأعيش حياة مليئة بكثير من الحذر والريبة وايضاً لا تخلو من الفضول: أيام مليئة بالأحداث السياسية، والدراسة المتقطعة، والأحلام الكبيرة عن المستقبل. الجو هناك دافئ ورطب دائماً، مع شمس حارقة تجعل الشوارع تبدو كلوحات فنية من بقايا الجنوب الأمريكي، مليئة بالسيارات الكبيرة والمحلات التجارية السريعة. همس بعض الأصدقاء بنبرة لا تخلو من المتعة والتشويق: «هناك شخص يعمل في محل بيتزا يشبهك إلى حدٍّ يحيّر». كانوا يتحدثون عن محل بيتزا صغير في شارع رئيسي، حيث يجتمع الطلاب لتناول شرائح البيتزا الرخيصة بعد الدراسة. ذهبت بدافع الفضول، لا بدافع التصديق، مرتدياً قميصاً قطنياً بسيطاً وجينزاً قديماً، وفي ذهني صورة عن نفسي كشاب طموح، مختلف عن الجميع.
وهناك التقيت رودريغو، أو بيدرو كما يناديه زملاؤه في العمل. كان قريباً من عمري، ربما أكبر بعام أو عامين، يرتدي زيّ محل البيتزا الأحمر اللامع، مع قبعة تحمل شعار الشركة، ويده ملطخة بصلصة الطماطم من تحضير الطلبات. أما أنا، فكنت واضح الملامح كطالبٍ لم يقرر بعد من يكون: شعر أشعث قليلاً، نظارات طبية، وحقيبة ظهر مليئة بالكتب. التقينا بنظرةٍ قصيرة، متحفزة، غير ودّية تقريباً. كان الشبه مذهلاً: نفس شكل الوجه المستدير، نفس العيون البنية الداكنة، حتى طريقة الابتسام المائلة قليلاً إلى اليسار. لكن هذا الشبه لم يكن مريحاً؛ بل كان يثير نوعاً من القلق الوجودي. لم يعجبني الشبه… ولم يعجبه أيضاً. شعرت كأن وجوده يسرق جزءاً مني، كأن الطبيعة قد ارتكبت خطأً في تكرار القالب نفسه.
في تلك المرحلة من العمر، نحن لا نحب أن يشبهنا أحد. نعتقد – بقدرٍ لا بأس به من الغرور – أن فرادتنا مهددة، وأن العالم لا يسع نسختين منا. هذا الغرور الشبابي، كما يصفه عالم النفس كارل يونغ في نظريته عن “الظل”، هو جزء من عملية بناء الهوية، حيث نرفض أي شيء يشبهنا لأننا نخاف من فقدان السيطرة على “الأنا”. يقول يونغ في كتابه “الإنسان ورموزه”: “الظل هو الجانب المظلم من الذات، وغالباً ما يظهر في صورة شخص يشبهنا، ليذكرنا بما نرفضه في أنفسنا”. كان الشبه يبدو كاعتداءٍ على فكرة “الذات”، كأن وجود الآخر ينتقص من حقنا الحصري في أن نكون نحن. في الأدب، يتجلى هذا الخوف في رواية فيودور دوستويفسكي “الدوبلغانغر”، حيث يلتقي البطل بنظيره المزدوج الذي يدمر حياته تدريجياً، مما يعكس صراعاً داخلياً مع الذات المقسمة. في حالتي، لم يكن الأمر درامياً إلى هذا الحد، لكنه أثار تساؤلات عميقة: ماذا لو كنت أنا الذي أعمل خلف المنضدة؟ هل هذا الشبه يعني أن حياتي ليست فريدة كما أعتقد؟ هل القدر يسخر منا بتكرار أشكالنا في سياقات مختلفة؟
افترقنا بلا حديث يُذكر، وبلا رغبة حقيقية في التعارف. قلت له شيئاً تافهاً مثل “غريب الأمر، أليس كذلك؟”، فرد بابتسامة قسرية وعاد إلى عمله. كلٌّ منا عاد إلى موقعه الاجتماعي: هو خلف منضدة البيتزا، محاطاً برائحة الجبن المذاب والفرن الساخن، وأنا خلف وهمٍ أكبر اسمه المستقبل، مليئاً بأحلام عن النجاح والسفر. غادرت المحل وأنا أشعر بتوتر غريب، كأنني رأيت شبحاً من نفسي في حياة أخرى. مرت أيام وأنا أتجنب ذلك الشارع، خوفاً من مواجهة هذا المرآة الحية مرة أخرى.
مرت السنوات، وتبدلت النظرة، وهدأ ذلك الغرور الذي لا ننتبه لوجوده إلا بعد أن يغادرنا. مع تقدم العمر، ندرك أن الفرادة ليست في الشكل الخارجي، بل في الخيارات والتجارب والقرارات اليومية. كما يقول الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر في كتابه “الوجود والعدم”: “الإنسان هو ما يصنعه من نفسه”، أي أن الهوية ليست مصيرية بل اختيارية، وأننا نحدد أنفسنا من خلال أفعالنا لا مظهرنا. في الثلاثينيات من عمري، بعد سنوات من السفر والعمل في مجالات متنوعة، أصبحت أكثر تسامحاً مع فكرة التشابه. لم أعد أرى الآخر كتهديد، بل كفرصة للتعلم والتأمل في الاحتمالات غير المسلكة.
في سوق المزارعين الدائم بهورة عالي (سلماباد) في البحرين، كنت أتجول بين الباعة، أستنشق رائحة الأرض المبتلة بعد المطر الخفيف، ورائحة الفواكه الطازجة مثل التمر والبرتقال المحلي، والخضروات الطازجة المرتبة بعناية في الصناديق الخشبية. كان السوق مزدحماً بأصوات الباعة ينادون على بضائعهم، وألوان الخضروات الزاهية تحت أشعة الشمس الدافئة، مع أجواء هادئة تجمع بين العائلات والزوار الباحثين عن المنتجات المحلية. كنت هناك لشراء بعض المنتجات الطازجة، مستمتعاً بإيقاع الحياة البطيء في هذه المنطقة، بعيداً عن صخب المدن الكبرى. حين قال أحدهم ضاحكاً: «لا بد أن أعرّفك على شخص يشبهك تماماً»، ابتسمت هذه المرة. لم أهرب. لم أنزعج. كنت قد نضجت بما يكفي لأرى في هذا اللقاء فرصة، لا كارثة.
حين اقترب السيد جواد كاظم، التقت أعيننا دون توتر. كان رجلاً في الخمسينيات، مورداً يبيع المنتجات في السوق، يرتدي قميصاً بولو أرجوانياً (بنفسجياً) مع ياقة زرقاء، وبنطالاً عادياً، ونظارات سوداء سميكة الإطار. نفس الخطوط حول العينين، التي تبدو كخرائط لتجارب الحياة، نفس الهدوء في النظرة، حتى الابتسامة كانت مألوفة على نحوٍ مريح، لا مقلق. كان متصالحاً مع إيقاع الحياة التجارية في السوق، يعرف زبائنه جيداً، ويحب الحديث عن جودة المنتجات والمواسم. تحدثنا عن الزراعة والتجارة، عن كيف يأتي المنتجون بالخضروات الطازجة يومياً، وعن تحديات السوق في ظل التغيرات المناخية والمنافسة. قال لي: “الحياة مثل السوق، تحتاج توازناً بين العرض والطلب، وأحياناً تُفاجئك بصفقة غير متوقعة”. ثم انتقلنا إلى الحديث عن الوقت، عن كيف يغير السنوات نظرتنا إلى الأشياء، وعن الأشياء التي لا تُقاس بالعجلة، مثل الصداقة والسلام الداخلي.
وللمرة الأولى، لم أحاول أن أبحث عمّا يفرّقنا، بل عمّا يجمعنا إنسانياً، لا شكلياً فقط. اكتشفت أن لدينا اهتمامات مشتركة: حب الطبيعة، والتأمل في معنى الحياة اليومية. هنا فهمت الفرق. في العشرينات، نرفض من يشبهنا لأننا لم نعرف أنفسنا بعد، كما يشرح الفيلسوف أفلاطون في “الجمهورية” فكرة “الكهف”، حيث نرى الظلال فقط، لا الحقيقة الكاملة. وفي النضج، نقبل الشبه لأننا لم نعد نخشى الذوبان، بل نراه كجزء من الوحدة الإنسانية الكبرى. يقول الشاعر جلال الدين الرومي في ديوانه: “أنت لست قطرة في المحيط، بل المحيط كله في قطرة”، مشيراً إلى أن التشابه يذكرنا بأننا جزء من كل أكبر، وأن الفروق السطحية تتلاشى أمام الجوهر المشترك.
ذلك الشاب في محل البيتزا كان مرآةً مبكرة أربكتني، كشفت عن غروري الشبابي وخوفي من الفقدان. أما السيد جواد، فكان مرآةً هادئة، قالت لي دون كلمات: لا بأس… يمكنك أن تكون أنت، حتى لو وُجد من يشبهك. ربما كل من يشبهنا هو احتمال آخر لحياتنا، مسارٌ لم نسلكه، أو نسخةٌ قررت أن تختار طريقاً مختلفاً، ثم مرّت أمامنا لتطمئننا أن الوجود أوسع من تصورنا الضيق عنه. في الفلسفة الوجودية، يتحدث مارتن هايدغر عن “الدازاين” أو الوجود، مؤكداً أن الإنسان يعيش في عالم من الاحتمالات، وأن لقاء النظير يذكرنا بتلك الطرق غير المسلكة، ويجعلنا نشعر بالامتنان للمسار الذي اخترناه.
أحياناً، لا نلتقي بمن يشبهنا لنندهش فحسب، بل لنفهم… أن الذات ليست صورة واحدة ثابتة، وأن الحياة، بمرحها الخفي، تحب أن تذكّرنا بذلك حين لا نتوقع. في النهاية، هذه اللقاءات تجعلنا أكثر تواضعاً، أقرب إلى الآخرين، وأعمق فهماً لأنفسنا. كما قال أوسكار وايلد: “كن نفسك، فالآخرون محجوزون بالفعل”، لكن مع إضافة: وإذا التقيت بنظيرك، ابتسم له، فهو تذكير بأن الفرادة ليست في الشكل، بل في القلب والروح.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الفنان هانى رمزى من أمريكا فيه 9 مليون مواطن بيتظاهروا ضد تر


.. سرديات أونلاين | ترامب يعلن حصار هرمز بعد فشل محادثات إسلام




.. تغطية خاصة | مفاوضات إسلام آباد تدخل المرحلة الفنية وتبادل ن


.. فيلم عرض وطلب | بطولة سلمى أبوضيف ومحمد حاتم ورحمة أحمد وعلي




.. سرديات أونلاين | بين الحقيقة والرواية: كيف تتحول المجازر إلى