الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الذكاء الاصطناعي يفتح الباب أمام ثورة جذرية في خلق الحياة

عامر هشام الصفّار

2026 / 1 / 25
الطب , والعلوم


مرحبًا بكم في عصر ما بعد الداروينية:
في تجربة علمية غير مسبوقة، تعاون علماء الأحياء الجزيئية مع رواد التكنولوجيا لكتابة الشفرة الوراثية لفيروس قادر على القضاء على بكتيريا قاتلة.
في البداية، كان كل شيء غير مرئي. ففي قاع طبقٍ مخبري، وبعيدًا عن أنظار العين المجردة، كان كيان ما -لم تشهد الطبيعة له مثيلًا من قبل- يبدأ بالتشكّل في أولى نبضات حياته.
وللمرة الأولى في التاريخ، أستخدم العلماء الذكاء الأصطناعي لتصميم الشفرة الوراثية لكائنٍ حي جديد بالكامل. ففي مختبر بجامعة ستانفورد في ولاية كاليفورنيا، وُلد فيروس جديد يحمل الأسم الرمزي Evo-�، وبدأ بمهاجمة مستعمرة من بكتيريا الإشريكية القولونية (E. coli) داخل طبق مخبري.
وسرعان ما ظهرت بقع شفافة على الكتلة البكتيرية المعتمة، وأنتشرت على هيئة دوائر متسعة، في دلالة واضحة على أن الفيروس الجديد كان، ببطء وثبات، يقضي على البكتيريا. ويمثل هذا الإنجاز نقطة تحول مفصلية في مجال البيولوجيا التركيبية، إذ يتيح للعلماء أستخدام الذكاء الأصطناعي لتصميم جينومات كاملة من الصفر.
ويتزامن هذا التقدم مع تطوير تقنية متقدمة لبناء الحمض النووي، قادرة على تحويل تلك التصاميم النظرية إلى واقع عملي، عبر تركيب تسلسلات جينية طويلة ومعقدة بدقة تفوق ما كان ممكنًا سابقًا بعشرات الآلاف من المرات.
ويرى العلماء أن هذه التطورات تشكل لحظة حاسمة في تاريخ الحياة على الأرض. فإذا صدقت التوقعات، فلن يعود التطور محصورًا في تغيّرات تدريجية تراكمية، بل سيصبح بالإمكان تصميم أنواع جديدة كليًا — لا تقتصر على الفيروسات فقط — وصنعها وإحياؤها داخل المختبرات.

هل يمكن “تصميم” الحياة؟
يقول أدريان وولفسون، عالم الأحياء الجزيئية ورائد الأعمال التقني البريطاني:
"إنها لحظة عظيمة الأهمية"،مضيفًا أنها تمثل انتقالًا من “عالم داروين” إلى “عالم ما بعد داروين”، حيث يمكن تصميم الحياة بدل الأكتفاء بوراثتها.
كان الفيروس الذي صُمم في جامعة ستانفورد عبارة عن كيان بيولوجي بالغ الصغر، لا يحتوي سوى على 11 جينًا مرتبة ضمن 5386 زوجًا من القواعد في شريط الحمض النووي. وبالمقارنة، يضم الجينوم البشري نحو 20 ألف جين مكتوبة على 3.2 مليار زوج قاعدي. ولا يعدّ معظم العلماء الفيروس كائنًا حيًا كاملًا، لعدم قدرته على التكاثر خارج العائل.
ومع ذلك، شكّلت تجربة ستانفورد، التي نُشرت نتائجها في سبتمبر2025، برهانًا قاطعًا على صحة الفكرة. ففي حين أقتصر أستخدام أدوات التعديل الجيني خلال العقد الماضي، مثل تقنية كريسبر، على تعديل أجزاء صغيرة من الشفرة الوراثية، بات بالإمكان اليوم تصميم جينومات كاملة من البداية.
ويقول وولفسون، مؤلف كتاب "حول مستقبل الأنواع": "على مدى أربعة مليارات عام، كان التطور عملية عمياء بلا نية أو أستشراف. أما اليوم، فلم نعد نكتفي بأكتشاف ما أنتجته الطبيعة عشوائيًا، بل أصبحنا قادرين على خلق الحياة — وإن كان ذلك بصورة بدائية في الوقت الراهن. هذا واقع، لا خيال علمي".

ثورة جينية تقودها العقول الشابة
يسعى وولفسون إلى أن يكون في طليعة هذه الثورة من خلال شركته الناشئة Genyro، التي استقطبت نخبة من أبرز مهندسي الجينات عالميًا، من بينهم برايان هاي، عالم جامعة ستانفورد البالغ من العمر 31 عامًا، والذي يقف خلف هذا الإنجاز القائم على الذكاء الاصطناعي.
كما أنضم إلى الفريق كاي-هانغ وانغ (43 عامًا) ونوح روبنسون (26 عامًا) من معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا (كالتك)، واللذان كشفا في مجلة Nature عن أداة جديدة لبناء الحمض النووي تحمل اسم Sidewinder، تتميز بقدرتها على تركيب تسلسلات جينية طويلة بدقة وسرعة أعلى وتكلفة أقل.
يقول وانغ":أذا استطعنا التحكم في الشفرة المصدرية للحياة، فيمكننا صنع أي شيء. والحد الوحيد هو خيالنا".

نحو جينوم بشري اصطناعي
وصف بوب لانغر، المؤسس المشارك لشركة موديرنا، هذه التقنية بأنها «تقدم بالغ الأهمية»، مؤكدًا أن دمج الذكاء الأصطناعي في تصميم الحمض النووي قد يفتح آفاقًا جديدة في صناعة الأدوية والمواد المتقدمة.
ويرى وولفسون أن الجمع بين الذكاء الاصطناعي وتقنية Sidewinder قد يُحدث تحولًا جذريًا في تطوير العلاجات الخلوية، والمحاصيل المبرمجة لتحمّل الظروف القاسية، والمواد الحيوية المتقدمة، وربما — على المدى البعيد — إعادة إحياء كائنات منقرضة.
وفي موازاة ذلك، يقود البروفيسور جيسون تشين في جامعة أكسفورد مشروع الجينوم البشري التركيبي، الذي يهدف إلى إعادة بناء الجينوم البشري بالكامل من الصفر، وهو مشروع قد يستغرق عقودًا.
تسريع صناعة اللقاحات
يركّز وانغ حاليًا على تطبيقات هذه التقنية في مجال اللقاحات. فخلال جائحة كوفيد-19، استغرق تطوير أول لقاح mRNA نحو 42 يومًا. أما بأستخدام التقنية الجديدة، فيمكن أختصار هذه العملية إلى 62 ساعة فقط، بدءًا من الحصول على التسلسل الجيني وحتى إنتاج مادة قابلة للتطعيم.
ويفتح هذا الإنجاز الباب أمام تطوير لقاحات شخصية لعلاج السرطان، حيث يمكن تصميم لقاح خاص بكل ورم خلال أيام بدل أسابيع.

الفيروسات… سلاح علاجي محتمل
يعمل برايان هاي على تطوير فيروسات تستهدف البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية، مثل بكتيريا Pseudomonas التي تهدد مرضى التليف الكيسي. ويؤمن بأنه يمكن مستقبلاً أبتكار فيروس مخصص لمهاجمة أي عدوى بكتيرية.
الذكاء الاصطناعي: بوابة المستقبل
يعتمد هذا التقدم على نموذج لغوي ضخم يُدعى Evo2، دُرّب على تسعة تريليونات زوج من القواعد الجينية بدل الكلمات. وقد مكّن هذا النموذج من تصميم مئات الفيروسات الجديدة، أثبت بعضها كفاءة أعلى من نظيراتها الطبيعية.
لكن التحدي الأكبر لا يزال في تصنيع هذه التصاميم، إذ تبقى تكلفة بناء الحمض النووي عائقًا رئيسيًا، وهو ما تسعى تقنية Sidewinder إلى تجاوزه عبر تقليل الأخطاء من واحد في عشرة إلى واحد في المليون.

منطقة خطرة وحدود أخلاقية
ورغم الآفاق الواعدة، تثير هذه القدرة مخاوف أمنية وأخلاقية خطيرة، من بينها إساءة استخدام التقنية لتطوير فيروسات ممرِضة أو التلاعب بالجينوم البشري لأغراض غير طبية.
ويؤكد وولفسون ضرورة وضع أطر تنظيمية صارمة، محذرًا من الانزلاق نحو عالم “الأطفال المصممين وراثيًا”. وفي كتابه "تأليف الحياة"، يدعو إلى حماية الحقوق الجوهرية للطبيعة البشرية، ومنع تعديل الخط الجرثومي لأغراض غير علاجية.
ويختم بالقول:"إن القدرة غير المسبوقة على إعادة تصميم الجينوم البشري من الصفر تضع البشرية أمام أعقد الأسئلة الأخلاقية والفلسفية في تاريخها".
ولابد هنا من أن نشير الى انه من المقرر صدور كتاب "حول مستقبل الأنواع: تأليف الحياة بواسطة الذكاء البيولوجي اأاصطناعي"لأدريان وولفسون في 12 فبراير/شباط 2026.
(المقالة مترجمة بتصرف عن المصدر)








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الحلقة الأولى | الجزر المتجمدة | ناشونال جيوغرافيك أبوظبي


.. بصور الأقمار الصناعية العسكرية.. حجم الدمار على إيران




.. ابتداءً 13 أبريل | إخفاقات البناء | ناشونال جيوغرافيك أبوظبي


.. موسم جديد | فريق إنقاذ الطرق الجليدية | ناشونال جيوغرافيك أب




.. المتحدث باسم الخارجية الفرنسية: مضيق هرمز دولي تنطبق عليه قو