الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
صوفيا بارغيري: الطفلة الإيطالية التي عادت إلى ملوك مصر القديمة
أوزجان يشار
كاتب وباحث وروائي
(Ozjan Yeshar)
2026 / 1 / 24
الادب والفن
بين الذاكرة والضوء، وبين الطفولة والخلود، تحكي هذه القصة عن طفلة لم تختفِ، بل تذكّرت مسار رحلتها. قصة لا تمت للواقع، ربما هي مجرد نصّ يلامس تخوم الأسطورة، ويعيد طرح سؤال الغفران بوصفه شرطًا للعودة.
⸻
في مساءٍ من صقيع فبراير البعيد، كانت القاهرة تلمع ببطء، لا كمدينة، بل كصندوق عتيق مفتوح لكل زمان.
الضوء لم يكن يسقط على الأشياء، بل كان يخرج منها، كأن الحجارة نفسها تتذكّر، وكأن الهواء محمَّل بأنفاسٍ لم يُغفَر لها بعد.
رائحة الغبار القديمة لم تكن رائحة، بل أثر عبور. ودخان الشوارع لم يكن تلوّثًا، بل ستارًا تتخفّى خلفه المدينة كأنها شابة جميلة خجله كي لا تُراها هكذا بدون زينتها. القاهرة لا تكذب، لكنها لا تقول كل شيء دفعة واحدة.
في فندق «شبرد» القديم، الذي يقف كشاهدٍ صامت على انقلاباتٍ وولاداتٍ واعترافاتٍ لم تُدوَّن، جلست طفلة أمام نافذة عالية. كان الزجاج أقدم من بعض الذكريات البشرية، وكانت الأهرامات هناك، لا في الأفق، بل في عمق عينيها.
لم تكن تنظر إليها، بل تستدعيها.
بأنامل صغيرة مرتجفة لا من البرد بل من الفيض، كتبت على الزجاج المتعرّق:
«أنا أعرف هذا الضوء».
لم تكن جملة، بل اعترافًا متأخرًا.
اسمها صوفيا بارغيري. عشر سنوات بحسب الأوراق، لكن في عينيها الزرقاوين كان هناك زمن غير مصنَّف، زمن لا يخضع للتقويم، بل للندم.
والدها، إيميديو بارغيري، مهندس إيطالي جاء إلى مصر ليشارك في مشروع ترميمٍ آثاري، غير مدرك أن ما سينهار أولًا ليس حجرًا، بل يقينه بالعالم. قال لاحقًا، وهو يشدّ يده حول فنجان قهوة لم يبرد رغم الصمت الطويل:
«حين تنام صوفيا، لا ينام البيت. الجدران تتنفس. الظلال تتحرّك بلا مصدر. أسمعها تتحدث بلغات لا أعرفها، لا تُنطق بل تُستدعى، كأن الكلمات نفسها تخاف من فمها».
كانت تضحك وهي تبكي، ترسم عيونًا متوهّجة على الجدار، ثم تدخل فيها، كأن الجدار صار رحمًا، وكأن الطفولة ليست بداية، بل عودة.
في المدرسة الدولية بالقاهرة، لم تكن صوفيا ترفع يدها. لم تكن بحاجة. المعلّمون كانوا يتوقّفون قبل السؤال، كأن شيئًا في الغرفة قاله نيابة عنها. لم تكن تتعلّم؛ كانت تسترجع. كأن معرفتها لا تأتي من الكتب، بل من طبقة أعمق، من ذاكرة جماعية لم تُغلَق بعد.
قبل مجيئهم إلى مصر، في إيطاليا، امتلأت الصحف باسمها.
«الطفلة التي تتحدث مع الموتى».
«ابنة الشيطان في روما».
لم يبحثوا عن حقيقة، بل عن اسمٍ يعلّقون عليه خوفهم. أُجريت تحقيقات كنسية، وحين لم يُعثر على تفسير، عُثر على قرار. النفي لا يُعلن دائمًا؛ أحيانًا يُقترح وهذا ما جعل والدها يأتي إلى مصر.
في صباحٍ غائم بالقاهرة، طلبت صوفيا من أمها ماريا أن يذهبوا إلى الجيزة. قالت بصوتٍ لا يشبه أصوات الأطفال:
«هناك من لم يغادر بعد».
ضحك الأب محاولًا إنقاذ اللحظة: «من؟ السياح؟ الجِمال؟»
رفعت رأسها ببطء، وفي عينيها شيء يشبه العتاب الأزلي:
«الذين لم يُغفَر لهم كي يرقدوا بسلام».
عند الهرم، كان الهواء أثقل من المعتاد. المرشد السياحي فقد تسلسل كلامه، والكلمات تعطّلت. صوفيا بدأت تسلق الهرم الأكبر، لا كطفلة تلهو، بل كما لو كانت حجرا يعود إلى موضع جسده الأول. خطواتها لم تكن اجتهادًا، بل تذكّرًا عضليًا، كأن جسدها يحمل خريطة أقدم منها.
وفي منتصف الطريق، توقّف الجميع عن المتابعة .
ليس لأنها اختفت، بل لأن الضوء تغيّر.
لقد تقدّمت صوفيا خطوة واحدة، ثم لم يعد هناك ما يمكن وصفه.
في تلك الليلة، استيقظ والداها على صرخةٍ واحدة، كأنها انفلَتت من حلمٍ واحد تقاسماه دون أن يتفقا. رأيا صوفيا تهوي داخل نورٍ ذهبي كثيف، تحيط بها علامات تتحرّك ببطء، لا بوصفها رموزًا هيروغليفية فحسب، بل ككائنات حيّة تبحث عن موضعها الأخير.
وحين اندفعا إلى غرفتها، كانت النافذة مفتوحة على الريح، والجريدة التي اعتادت أن تطويها على شكل هرم صغير مبعثرة على الأرض. في الزاوية، تركت كلمة واحدة، بخطّها الطفولي المرتبك:
«عدتُ».
قُيّد الحادث في سجلات الشرطة المصرية كاختفاء غير مفسر.
لكن في دير سانتا ماريا ديلا فيتوريا في روما، كتب راهب كان يتابع القضية سرًا على هامش مخطوطة مهملة:
«الطفلة لم تختفِ. لقد عبرت طريقًا لا يُفتح إلا لمن حَمَلَ ذاكرة الذنب، لا ذنبه هو».
مرّت الأعوام، وبدا الزمن كأنه يلتفّ حول نفسه. جئتُ إلى القاهرة، فوجدت أن ما أبحث عنه ليس بين الآثار، بل بينها. عند سفح الهرم، شعرت بأن النداء لا يأتي من الخارج، بل من فراغٍ تركه اسم لم يُنطق.
وفي مساءٍ دافئ من أكتوبر، بعد الغروب، جاء الصوت من خلفي:
«لا تنظر خلفك… أنا هنا».
لم يكن في المكان ما يدلّ عليها، سوى شعورٍ مفاجئ بالاكتمال. قالت بهدوءٍ لا يُشبه الأصوات:
«لم أرحل. كنتُ حيث يتوقّف العابرون حين يعجزون عن الغفران».
لم تقل الكثير. كان الضوء هو الذي يتكفّل بالشرح. شعرتُ فقط أن الأهرامات لم تكن بعيدة كما ظننت، وأن ما اعتدنا تسميته ملوكًا لم يكن حجرًا ولا أسماء، بل أنفاسًا عالقة في النور.
وحين مرّ في صدري ذلك الإحساس الغامض بالامتلاء، فهمت دون أن تقول شيئًا:
هذا هو الهرم الحقيقي.
كان حديثها كأنه غناء. لغة لا تُفهم، لم يكن ما فعلته غناءً بقدر ما كان اهتزازًا في الهواء. شيء لا يُفهم، لكنه يترك أثره حيث لا تصل الكلمات. شعرت بأن الصوت لا يخرج منها، بل يمرّ عبرها، كأن المكان نفسه وجد نبرة يتذكّر بها.
وحين بدأ الضوء يخفت، وصلني صوتها لا كأمر، بل كأثرٍ باقٍ:
«لم أختفِ… من يكتب بصدق، لا يستدعي الغائبين، بل يفتح لهم موضعًا».
ثم قالت:
«أخبرهم أني لم أرحل. كل من يكتب بصدق، يعيد أحد الغائبين».
منذ تلك الليلة، صرت أرى الأشياء بعيون تعرف ما وراءها. حتى الهرم لم يعد حجرًا، بل كائنًا يتنفس. في الحلم، دخلت معبدًا بلا باب، حيث ظهرت صوفيا كنورٍ يتخذ هيئة إنسان. قالت:
«لا تكتب عني كأنني غبت. أنا هنا، لكني تغيّرت».
سألتها: «لماذا أنا؟»
ابتسمت:
«لأنك كتبت لتغفر، لا لتُدهش».
قالت إن الذنب هو الذاكرة حين ترفض أن تُسامَح، وإن الغفران ليس فضيلة، بل شرط عبور.
«اغفر للجميع»، قالت، «فالغفران هو الباب الأخير للخلود».
قبل أن أكتب السطر الأخير، أدركت أن بعض القصص لا تطلب نهاية، بل مصالحة. أن الذاكرة، مثل الهرم، لا تُبنى لتُزار، بل لتبقى واقفة في الداخل. كل ما ظننته لغزًا كان جرحًا مؤجَّل الاعتراف، وكل ظهور لم يكن عودة، بل تذكيرًا بما لم نجرؤ على غفرانه بعد.
اليوم، أكتب لا لأدهش، بل لأغفر.
رفعت بصري نحو الهرم، فرأيته يتوهّج لحظة، كابتسامة من زمن بعيد.
وإذا سمعتَ صوتًا صغيرًا لا يناديك باسمك، بل بذنبك القديم، فاعلم أنها هناك.
تنتظر أن تكتب قصتك.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. ريلكه.. الشاعر الذي عاد بعد 100 عام ليُلهِم العالم من جديد |
.. الفنان هانى رمزى من أمريكا فيه 9 مليون مواطن بيتظاهروا ضد تر
.. سرديات أونلاين | ترامب يعلن حصار هرمز بعد فشل محادثات إسلام
.. تغطية خاصة | مفاوضات إسلام آباد تدخل المرحلة الفنية وتبادل ن
.. فيلم عرض وطلب | بطولة سلمى أبوضيف ومحمد حاتم ورحمة أحمد وعلي