الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


9. الأجيال الضائعة: هندسة الوعي المكسور

عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)

2026 / 1 / 22
مواضيع وابحاث سياسية


ليس الشباب والأطفال الذين يولدون ويشبّون في حرب السودان مجرد ضحايا لمأساة إنسانية، بل هم نتاج مادي مُصمَّم بدقة. إنهم الثمرة المريرة لنظام إنتاجي استثنائي، نظام حوَّل العنف إلى عملة، والجهل إلى أداة تسويق، والجسد الإنساني إلى سلعة قابلة للاستهلاك السريع. هذا الجيل الذي يتحول أطفاله إلى مقاتلين، وشبابه إلى وقود للمعارك، وفتياته إلى غنائم حرب، لا يمثل كارثة أخلاقية فحسب، بل يمثل أيضاً نجاحاً عملياً لآلة اقتصادية غريبة: آلة تنتج الموت كوسيلة للعيش، وتصنع الجهل كشرط للربح.

يبدأ هذا التشويه من مواقع الإنتاج ذاتها. في مناجم الذهب العشوائية التي تسيطر عليها الميليشيات، يصبح الأطفال عمالاً مثاليين لأن جهلهم يمنعهم من فهم خطر الزئبق والسيانيد. وفي نقاط التفتيش المنتشرة كالسرطان، يتحول الأميون إلى حراس لا يحتاجون إلى قراءة القوانين، بل فقط إلى تلقين الأوامر. هذه ليست مصادفات، بل هي هندسة دقيقة: اقتصاد الحرب يحتاج إلى عمال لا يسألون، وإلى مستهلكين لا يفكرون، وإلى مقاتلين لا يتذكرون.

يعمل هذا النظام على تحطيم مؤسسات التنشئة الاجتماعية وإعادة بنائها على مقاسه. فالعائلة التي كانت ملاذاً للأبناء تتحول إلى سوق مبادلة، حيث تبيع الأم طفلها للميليشيا مقابل كيس دقيق، ويحول الأب ابنته إلى سلعة زواج مبكر كاستثمار يائس في زمن الانهيار. المدرسة لم تعد مكاناً للتعلم بل ساحة لتجنيد القيمين، الحي الذي كان مجتمعاً يتحول إلى سوق سوداء مصغرة، يديره قادة عصابات يجمعون بين التهريب والتجنيد وفرض الإتاوات.

الجهل هنا ليس مجرد غياب للمعارف، بل هو أداة إنتاج. فالشاب الذي لا يعرف تاريخ إضرابات عمال السكة حديد، أو نضال فلاحي مشروع الجزيرة، أو مقاومة النساء في دارفور، يصبح قابلاً لأي خطاب طائفي أو عنصري. الفتاة التي لم تتعلم عن حقوقها تصبح فريسة سهلة لأي عنف. الطفل الذي لم يقرأ عن كرامة الإنسان يقبل بأن يكون سلعة. هذا الجهل المُنتَج بعناية هو ما يضمن استمرار النظام، لأنه يحول المعاناة من حافز للتغيير إلى قدر محتوم.

وراء هذه الآلة يقف تحالف طبقي واضح المعالم. ضباط الجيش الذين تحولوا إلى رجال أعمال عبر شركات أمنية خاصة. ملاك مناجم الذهب المرتبطين بشبكات التصدير في دبي وإسطنبول. وسطاء الشركات الدولية الذين يمولون الميليشيات مقابل عقود النفط والمعادن. هؤلاء لا يحتاجون إلى مواطنين واعين، بل إلى "قطع غيار" بشرية قابلة للاستبدال: مقاتلون يموتون لخلق ندرة ترفع الأسعار، عمال لا يطالبون بحقوق لأنهم لا يعرفونها، مستهلكون يشترون السلع المسروقة لأنها الوحيدة المتاحة.

يكشف التاريخ أن إنتاج "أجيال ضائعة" هو تقنية سيطرة قديمة جديدة. فالأطفال الذين استخرجوا الماس في سيراليون بقطع أطرافهم، والذين عملوا في مناجم الكولتان في الكونغو لصناعة الهواتف الذكية، والذين جندتهم العصابات في أمريكا الوسطى بديلاً عن الدولة، جميعهم يمثلون نماذج لإعادة صياغة الإنسان لخدمة اقتصاد العنف. السودان يقدم نسخته الخاصة من هذه المأساة، مع فارق جوهري: هنا تتحول الدولة نفسها إلى مديرة لهذه العملية، حيث تتحول مؤسساتها الرسمية إلى واجهة لاقتصاد حرب منظم.

في قلب هذا الدمار، تظهر محاولات المقاومة. مدارس تحت الأشجار في المخيمات، مكتبات مؤقتة في الأحياء المدمرة، عيادات شعبية تديرها متطوعات. لكن هذه المحاولات تبقى هشة ما لم تتحول إلى جزء من استراتيجية أكبر. فالمدرسة لا تكفي إن لم تكن جزءاً من تعاونية إنتاجية تغذي الحي. المكتبة لا تفيد إن لم تكن مركزاً لتنظيم النازحين حول مطالب ملموسة. العيادة لا تشفي إن لم تخلق شبكات تضامن تعيد تعريف الصحة كحق جماعي لا كسلعة.

المعركة الحقيقية تدور حول تحويل "المقاتل-السلعة" إلى "منتج-واعٍ". وهذا التحول يبدأ باستعادة أدوات الإنتاج من يد الميليشيات. تعاونيات زراعية تنافس شبكات التهريب، ورش تصنيع بسيطة تنتج ما يحتاجه الناس، تنظيمات سكنية تدير الموارد المحلية. في هذا السياق، تصبح استعادة الذاكرة التاريخية ضرورة عملية: حين يعرف الشاب أن جده شارك في إضراب عمال النقل عام 1947، أو أن جارته نظمت مقاومة ضد مشروع زراعي استعماري، يبدأ بربط معاناته بصراع طبقي طويل، لا بقدر طائفي.

هذا الجيل الضائع يحمل في معاناته بذور رفضه. فالألم اليومي الذي يعيشه، الظلم الذي يراه، الذل الذي يتجرعه، كلها يمكن أن تتحول من طاقة مدمرة إلى طاقة تحررية. لكن هذا التحول لا يحدث تلقائياً، بل يحتاج إلى تنظيم يربط بين المعاناة الفردية والصراع الجماعي، وبين الغضب العفوي والعمل المنظم.

الأجيال الضائعة في السودان هي الدليل الحي على فشل نظام بأكمله. نظام ضحّى بمستقبل بلد من أجل مصالح فئة ضيقة. نظام حوَّل الإنسان من غاية إلى وسيلة، ومن قيمة إلى سعر. لكن هذه الأجيال قد تكون أيضاً بذرة التغيير، لأنها تعرف من الداخل وحشية النظام الذي أنتجها، ولأنها تختبر يومياً استحالة العيش تحت ظله.

الخروج من هذا الجحيم لا يكون بالشعارات ولا بالدموع، بل ببناء بديل مادي ملموس. بدءاً من استعادة الأرض من الميليشيات، مروراً ببناء مدارس تعلّم التفكير لا الطاعة، وصولاً إلى خلق اقتصاد يخدم الناس لا الناهبين. هذا الطريق طويل وشاق، لكنه الطريق الوحيد لتحويل طاقة الدمار إلى طاقة بناء، ولتحويل الجيل الضائع إلى جيل مقاوم.

كما كتب المفكر الماركسي المصري سمير أمين: "التخلف ليس مرحلة بل هو علاقة". الأجيال الضائعة في السودان هي التعبير الأكثر حيوية عن هذه العلاقة المريضة بين الرأسمالية الطفيلية والدمار الاجتماعي. قطع هذه العلاقة يحتاج إلى أكثر من إصلاحات، بل إلى ثورة في طريقة تنظيم المجتمع وإنتاج الثروة وتوزيعها. ثورة تبدأ باستعادة الإنسان من سوق الحرب، وتنتهي ببناء عالم يستحق العيش فيه.

النضال مستمر،،








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. أول تعليق من ترامب على مفاوضات أميركا وإيران في باكستان.. هذ


.. نافذة تحليلية | إسلام آباد تستضيف مفاوضات حساسة بين واشنطن و




.. ترمب: سيعاد فتح مضيق هرمز وشرطنا الأول ألا يكون هناك تخصيب ن


.. اتصال لبناني إسرائيلي أمريكي رسمي.. ماذا جاء فيه؟




.. مشاهد وصول وفد إيران إلى إسلام آباد للمشاركة في محادثات السل