الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
8. الحياة بلا دولة: إعادة هيكلة السوق وبروز الرأسمالية المليشياوية
عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)
2026 / 1 / 20
مواضيع وابحاث سياسية
تشكل الحرب السودانية الراهنة التعبير المكثف عن أزمة نمط الإنتاج التابع الذي عجزت البرجوازية الطفيلية عن تجاوزه منذ الاستقلال الشكلي. لم يعد العنف مجرد أداة سياسية، بل تحول إلى وسيلة للتراكم الأولي في يد أمراء الحرب والميليشيات، حيث تتم إعادة هيكلة علاقات الملكية والإنتاج تحت نيران المدافع. ما يسمى "بالفراغ المؤسسي" أو غياب الدولة هو في جوهره إعادة تنظيم قسرية للسوق لخدمة قوى السلاح، محولة الاقتصاد إلى ساحة لنهب منظم تحت شعارات الحرب.
لم تترك الحرب فراغاً اقتصادياً، بل أنشأت سوقاً موازية يحكمها منطق جديد: العنف كقيمة تبادلية. تحولت السلع الأساسية من دقيق ودواء إلى أدوات ابتزاز طبقي، حيث يرتبط سعر البقاء بقدرة الفرد على دفع "إتاوة" للطبقة المسلحة المهيمنة. أصبح التشوه السوقي هو الآلية الأساسية لتراكم رأس المال المليشياوي الذي يزدهر في غياب الرقابة المركزية، محولاً الحاجات الإنسانية إلى سلع في سوق سوداء هي الوحيدة المتاحة في ظل الرأسمالية المتوحشة.
المجالس الأهلية والتشكيلات القبلية التي برزت في الحرب تمثل ارتداداً ضرورياً للبنية الفوقية لتعويض انهيار أجهزة الدولة القمعية. لا تعكس هذه التشكيلات عودة للأصالة بقدر ما تعكس توظيفاً لنمط الإنتاج ما قبل الرأسمالي لخدمة غايات رأسمالية معاصرة. غالباً ما تتحول هذه السلطات المحلية إلى أدوات لجباية الفائض من المنتجين الصغار والنازحين، مكرسة استلاباً مزدوجاً للجماهير التي تجد نفسها مضطرة لمقايضة ولائها السياسي والقبلي مقابل الحد الأدنى من شروط البقاء المادي.
يشكل ظهور التعليم والصحة الموازيين شكلاً متقدماً من اغتراب الإنسان السوداني عن حقوقه الأساسية. تتحول الخدمات العامة من التزامات اجتماعية للدولة إلى سلع تخضع للمبادرة الفردية أو "الإحسان" المشروط أيديولوجياً وطبقياً. هذا التشظي في الخدمات يعيد إنتاج تقسيم العمل على أسس جغرافية وعرقية، مما يجهض إمكانية تبلور وعي طبقي وطني موحد، ويحصر نضال الجماهير في صراع يومي من أجل "البيولوجيا" لا من أجل التحرر السياسي والاجتماعي الشامل.
تمثل شبكات التهريب والصرافة الموازية النسخة المتوحشة من التراكم الرأسمالي في ظل الحرب. حيث تحولت خطوط القتال إلى حدود جمركية غير مرئية تفرض رسوماً على حركة السلع والأفراد، محولة الجغرافيا إلى مصدر للإثراء الطبقي. هذه الشبكات لا تخدم فقط اقتصاد الحرب، بل تعيد تشكيل البنى التجارية التقليدية لصالح وسطاء الحرب الذين يحولون المخاطر الأمنية إلى أرباح مالية.
تكشف الممارسات القضائية الموازية عن تحول القانون إلى سلعة تخضع للقوة المسلحة. فالميليشيات تحكم مناطقها بقوانينها الخاصة، والمجالس الأهلية تفصل في النزاعات بعرفها المتحول، والجماعات المسلحة تفرض أحكاماً عسكرية على المدنيين. هذا التعدد في مراكز القضاء يعكس تعدد مراكز السلاح، ويفقد القانون معناه الوحيد كضامن للحقوق، محولاً العدالة إلى مساومة طبقية صريحة.
هنا تظهر أشكال التضامن الاجتماعي كتناقض حي. شبكات توزيع الغذاء التي تنظمها النساء، مجموعات حماية الأحياء التي يشكلها الشباب، مبادرات الإيواء التي تنبثق من القواعد الشعبية - كلها تشير إلى إمكانية تنظيم بديل. غير أن هذا التنظيم يبقى هشاً ومحاصَراً، إذ يتحول غالباً إلى وسيلة للبقاء الفردي والجماعي دون أن يتحول إلى قوة سياسية قادرة على تحدي النظام الطبقي القائم.
تشكل الزراعة المعاشية والاقتصاد المنزلي الرد التاريخي للفلاحين والعمال على انهيار السوق الرأسمالي. حيث يعود المنتجون إلى أشكال الإنتاج المباشر لسد حاجاتهم الأساسية، متجاوزين آليات السوق المسلح. لكن هذا التراجع لا يمثل حلاً بل يعكس درجة الانهيار التي وصلت إليها علاقات الإنتاج، حيث يصبح العزل الاقتصادي شرطاً للبقاء البيولوجي.
تؤكد المادية الجدلية أن الأزمة الثورية تنضج حين لا تعود الطبقة الحاكمة قادرة على الحكم بالشكل القديم، وحين لا تعود الطبقات المحكومة تقبل العيش بالطريقة القديمة. السودان اليوم يعيش هذا التناقض في أبشع صوره العنيفة، حيث تتحول الحرب من صراع على السلطة إلى آلية لإعادة إنتاج التخلف والتجزئة الطبقية.
إن الخلاص لا يكمن في ترميم "دولة النخبة" التي أورثت الحرب، بل في تحويل غريزة البقاء لدى الجماهير إلى تنظيم سياسي ثوري. تنظيم يسترد أدوات الإنتاج من يد الميليشيات والبرجوازية الطفيلية، ويبني سلطة الشعب العامل على أنقاض الدولة الطبقية. هذا التحول يتطلب أكثر من مبادرات إغاثة، بل يحتاج إلى بناء وعي طبقي يربط بين معاناة اليوم وإمكانية التحرر الغد.
تكشف الحياة بلا دولة في السودان حقيقة مريرة: المجتمع قادر على البقاء بدون الدولة البرجوازية، لكنه يدفع ثمن هذا البقاء تفككاً وتجزئة طبقية. التحدي الثوري هو تحويل طاقة البقاء هذه إلى طاقة للبناء، وتحويل الهياكل المؤقتة إلى مؤسسات ديمقراطية شعبية، وتحويل التضامن اليومي إلى برنامج سياسي يضع نهاية لسلطة السلاح وبداية لسلطة المنتجين.
كما كتب كارل ماركس: "إن الدولة هي لجنة لإدارة الشؤون المشتركة للطبقة البرجوازية بأسرها". الحرب السودانية ليست سوى تصفية حسابات داخل هذه اللجنة على جثة الشعب. المهمة التاريخية الآن هي تفكيك هذه اللجنة وإقامة سلطة جديدة تمثل مصالح الطبقات الكادحة، سلطة تحول الاقتصاد من ساحة نهب إلى أداة تحرر، والمجتمع من ساحة حرب إلى فضاء للتضامن الطبقي.
النضال مستمر،،
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. بين أميركا وإيران.. كيف تؤثر شروط إسرائيل على مسار المفاوضات
.. سياق الحدث| ما الأفق الذي ينتظر المفاوضات المرتقبة في إسلام
.. فيصل أبو صليب: الرادارات القطرية المتطورة رصدت محاولات إيران
.. الوفد الإيراني المفاوض يصل العاصمة الباكستانية.. تعرف على أع
.. فرقة المظليين 82 تعزز الوجود العسكري الأميركي بالمنطقة