الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
7. حرب أبريل 2023: انكشاف الدولة الوهمية
عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)
2026 / 1 / 18
مواضيع وابحاث سياسية
لم تكن حرب أبريل 2023 حدثاً منفصلاً عن طبيعة الدولة السودانية، بل كانت النتيجة المنطقية المباشرة لعملها الداخلي لعقود. فالدولة التي رفضت بناء مؤسسات مدنية، واستثمرت في تعليم هش، وأدارت الاقتصاد كغنيمة، كانت تخلق ببطء الشروط الكاملة لانفجارها. الحرب لم تأتِ من الخارج، بل انبثقت من قلب التناقضات التي زرعتها الدولة نفسها، وكشفت أن ما سمي "دولة" كان في الواقع إدارة منظّمة للعنف والفوضى.
اتخذ الصدام بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع شكله الحاد لأن الدولة صمّمت هاتين القوتين لتكونا أداة السيطرة الأساسية. فالدولة التي اعتمدت على العنف كوسيلة وحيدة للحكم، خلقَت بداخلها مركزين للسلطة يتنافسان على نهب نفس الموارد. لم يكن الصراع بين خيارين سياسيين، بل بين نتاجين لنفس المنطق: منطق دولة تخلت عن الشرعية الشعبية واعتمدت على القوة العارية.
انكشفت هشاشة "الدولة المركزية" بشكل مأساوي لأنها كانت، منذ تأسيسها، مشروعاً لتركيز السلطة وليس لخدمة المواطنين. القدرات الإدارية التي انهارت سريعاً لم تكن أبداً قائمة على مؤسسات حقيقية، بل على شبكات ولاء شخصية وامتيازات. لذلك، حين توقفت الامتيازات، توقف العمل. الخرطوم لم تكن عاصمة دولة بقدر ما كانت مقراً لتوزيع الغنائم، وعندما تعطلت آلية التوزيع، انهار كل شيء.
كشفت الحرب اقتصاد النهب الموازي لأن الدولة نفسها هي التي سمحت ببنائه. مناجم الذهب التي تمول الميليشيات، وخطوط التهريب التي تغذيها، كلها نمت في ظل سياسة الدولة المتعمدة لخصخصة العنف وتفويضه. كانت الدولة تدير اقتصادين: واحد رسمي هش، وآخر موازي قوي، وعندما تصادم الاثنان، انكشف الأصل الحقيقي للسلطة والثروة.
تحول المجتمع إلى ساحة حرب لأن الدولة عملت بنشاط على تفكيكه. عقود من سياسات التمييز والتهميش لم تكن أخطاء إدارية، بل أدوات منهجية لإضعاف التضامن الاجتماعي ومنع تشكل قوى موحدة. الدولة التي تخشى مجتمعاً قوياً، خلقت مجتمعاً ضعيفاً قابلا للانقسام، وعندما جاءت الحرب، وجدت هذا المجتمع وقوداً جاهزاً.
أظهر التدخل الإقليمي عمق التبعية لأن الدولة السودانية صممت نفسها كوسيط بين الموارد الداخلية والمصالح الخارجية. كانت السيادة الوطنية مجرد خطاب تروج له دولة تعتمد في بقائها على علاقاتها مع قوى إقليمية. الحرب كشفت أن "الاستقلال" كان شكلياً، وأن القرار الحقيقي كان دوماً مرتبطاً بأجندات خارجية تلقت الدولة مقابل خدمتها.
فشل المشاريع الإصلاحية السابقة كان محتوماً لأنها حاولت إصلاح جهاز صُمم لكي لا يُصلح. الدولة التي بنيت على القمع والفساد لا يمكن إصلاحها بتغيير وجوه الحكام أو كتابة دساتير جديدة. النخبة المدنية التي حاولت الإصلاح اصطدمت بحقيقة أن الدولة ليست جهازاً محايداً، بل بنية طبقية تحمي مصالح فئة محددة.
انهيار مفهوم المواطنة كان النتيجة الطبيعية لدولة رفضت الاعتراف بالمواطن كفرد ذي حقوق. الدولة التي عاملت الناس كرعايا يجب السيطرة عليهم، لا كمواطنين يجب تمكينهم، وجدت نفسها في الحرب بلا شعب يدافع عنها. الانتماءات الأولية عادت بقوة لأن الدولة فشلت في تقديم انتماء بديل قائم على العدالة والمساواة.
تحول المدن إلى ساحات قتال كشف أن التخطيط الحضري نفسه كان أداة سيطرة. الخرطوم التي صممت كقلعة للسلطة، تحولت إلى فخ عندما تحولت القلعة ضد نفسها. الدولة التي بنت مدناً تعكس التراتبية الطبقية، وجدت هذه المدن تتحول إلى سجون كبيرة عندما انهار نظام السيطرة.
المبادرات الشعبية التي ظهرت في قلب الدمار لم تكن معجزة، بل كانت نتيجة طبيعية لمجتمع اضطر لتعلم العيش بلا دولة. لجان الأحياء وشبكات التكافل ولدت لأن الدولة تخلت عن وظائفها الأساسية. هذه الأشكال التنظيمية تشير إلى إمكانية بناء دولة مختلفة، لكنها أيضاً تدين الدولة القديمة التي أجبرت الناس على اختراع بدائل للبقاء.
تُظهر الحرب أن الدولة السودانية لم تكن ضحية للصراع، بل كانت مهندسته الرئيسية. كل مكون من مكونات الكارثة - من الاقتصاد الموازي إلى المجتمع المفكك إلى التبعية الخارجية - كان حصيلة خيارات متعمدة لدولة آثرت خدمة النخبة على تنمية الشعب. الانهيار الحالي ليس أزمة عابرة، بل هو النتيجة الحتمية لمسار بدأ مع الدولة الاستعمارية واستمر عبر كل الأنظمة اللاحقة.
التحدي الآن هو بناء دولة لم توجد من قبل: دولة تنبثق من حاجات الناس لا من عصا السلطة. هذا التحول يتطلب تفكيك البنية القديمة بالكامل، لأن كل محاولة لإصلاح نظام صُمم للفشل ستؤدي إلى إعادة إنتاج العنف بصور جديدة.
كما كتب المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي: "الأزمة تكمن في حقيقة أن القديم يموت والجديد لا يستطيع أن يولد". تمثل حرب السودان هذه اللحظة التاريخية حيث يموت النظام القديم ببطء، والمعاناة تكمن في صعوبة ولادة البديل. المهمة الحالية هي تسريع موت القديم وتسهيل ولادة الجديد، وهذا يتطلب شجاعة مواجهة الحقيقة: أن الدولة نفسها كانت المشكلة.
النضال مستمر،،
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. هل تدفع هجمات الفصائل المسلحة في العراق إلى مواجهة مع أميركا
.. لقاء مكي: حجم الاستهداف الصاروخي لدول مجلس التعاون يثبت وجود
.. غارات إسرائيلية جنوب لبنان واستمرار المواجهات في بنت جبيل
.. برنامج الوفد التفاوضي الأمريكي في إسلام آباد.. التفاصيل مع م
.. -تحالف الـ 41-.. لندن تقود حراكاً دولياً لإعادة فتح مضيق هرم