الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


عن الرواية والأدب.. وظاهرة -كُتَّاب المهرجانات-

حسين محمود التلاوي
(Hussein Mahmoud Talawy)

2026 / 1 / 18
قضايا ثقافية


ليست معضلة الكتب والثقافة اليوم في غزارة الإنتاج؛ فليكتب من يشاء، والتأليف حقٌ مشاع للجميع، والقراء في النهاية هم الحَكَم. تلك هي "القاعدة المثالية" التي قد يتفق عليها الجميع، لكن الواقع يسير في اتجاه مغاير تمامًا.
تكمن المشكلة الحقيقية في "النوعية والجودة"؛ فهناك أعمال لا تستحق الوجود أصلًا، لكنها وجدت طريقها للنشر عبر سلطة المال أو شبكة العلاقات، أو كليهما. وفي المقابل، نجد أعمالاً جادة طواها النسيان، أو لم تصدر من الأصل؛ لأن أصحابها لا يملكون وسيطًا، ولا مالًا، ولا اسمًا رنانًا يقنع دور النشر الكبرى بالمغامرة معهم.
قد يقول قائل: "لا بأس، فالقارئ هو الغربال الذي يفرز الجيد من الرديء". وهنا ننتقل للجزء الثاني من المشكلة: ما يحدث الآن عملية "تلاعب ببوصلة القراء". حين يطرح كاتب عشرة أعمال متتالية، سيميل القارئ تلقائيًّا إلى الاعتقاد أن هذا الكاتب متميز، وإن لم يستسغ هو ما يكتب؛ سيقنع نفسه بأن معاييره هي الخطأ، وأن عليه تطويع ذائقته لتناسب هذا "النمط السائد". وعلينا ألا ننسى أن قطاعًا كبيرًا من قراء الرواية هم من الشباب الذين يتلمسون خطواتهم الأولى في عالم الأدب؛ أي أنهم لا يملكون بَعدُ مسطرة نقدية يقيسون بها جودة العمل.
لقد تكرر هذا السيناريو سابقًا في سوق الغناء والسينما؛ مطرب لكل مواطن، وأفلام "الأكشن" التجارية في التسعينيات. فإلى ماذا انتهى بنا المطاف؟ وصلنا إلى "أغاني المهرجانات"، وأفلام "الرجل الواحد" (نمبر وان)، والمسلسلات التي شوهت صورة المصريين لدى المشاهد العربي لدرجة استدعت تدخلًا رسميًّا رئاسيًّا. إن تُرِكَ الأمر للسوق كمنطق "عرض وطلب" فقط، فهذا يعني تحويل الأدب والفكر إلى مجرد "سلعة"، وارتهان الذوق العام لحركة المال.

دور الدولة والمؤسسات
هل تملك الدولة أدوات للتغيير؟ نعم. والمقصود ليس السيطرة على السوق أو فرض رقابة تقيد الإبداع، بل إيجاد بدائل جادة. يمكن للدولة تنظيم مسابقات نزيهة تخلو من المحسوبية، تفتح آفاقًا للأقلام الشابة المتميزة التي تفتقر للمال والعلاقات. هذا الحد الأدنى الذي يمكن فعله دون المساس بمفاهيم السوق أو حرية الكتابة.

غياب النقد وتسييس المنصات
وهنا نأتي لدور النقاد؛ فالمشهد النقدي شبه غائب، وما زال، في مجمله، ينظر للساحة نظرة نخبوية مقيدة بنظريات جامدة لا تراعي احتياج القارئ البسيط للفهم بلغة ميسرة. نعم، قد نرى مواقف إيجابية كحجب المراكز الأولى في بعض الجوائز الأدبية لعدم الكفاءة، لكن هذا يظل تصديًا للأعراض لا علاجًا للمرض.
يستطيع النقاد فعل الكثير: تبسيط مفاهيم النقد، تسليط الضوء على جماليات الأدب العربي والعالمي، والتفاعل مع قطاع التعليم لتطوير مناهج اللغة العربية في المدارس والجامعات. كل هذه خطوات بسيطة تساهم في تكوين "قارئ واعٍ" تصمد ذائقته أمام ضغط الكثرة أو زيف القيمة، قارئ يتخرج ولديه الحد الأدنى من التذوق الأدبي الذي يطوره لاحقاً بجهده الخاص.
وفيما يخص المنصات الثقافية، فللأسف ينزلق بعضها نحو خدمة رؤى جهات التمويل، وتعزيز قيم معينة. ومع أن الأدب يحمل بالضرورة رسائل ضمنية، فإن المصداقية تقتضي أن تكون هذه الرسائل شاملة لكل الرؤى والاتجاهات، لا قاصرة على توجه واحد. هذا النهج لا يختلف كثيرًا عن دور النشر التي تعمل بالعلاقات، وتتقاضى المال نظير النشر؛ ففي الحالتين نحن أمام "إصدارات مدفوعة الأجر"، مع فارق أن المنصات تفرض توجهًا فكريًّا معينًا، وفي المقابل تعاني المنصات الجادة والمستقلة من نقص حاد في التمويل.

ختامًا
طالما بقي الحال على ما هو عليه، والأبواب مشرعة لأصحاب المال فقط، يبرز سؤال مشروع: هل ننتظر ظهور ظاهرة "كُتَّاب المهرجانات" قياسًا على مطربي المهرجانات؟ أمرٌ لا أستبعده.. وبالتأكيد لا أتمنّاه.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. هرمز تحت السيطرة الأميركية.. هل خسرت إيران أخطر أوراقها؟


.. نقاش الساعة| دلالات إعلان الرئيس الأمريكي حصار مضيق هرمز وال




.. جولة الصحافة | يديعوت أحرنوت: واشنطن تريد التوصل إلى اتفاق ج


.. مسار يوم كامل من المفاوضات والمواقف المعلنة بعد الإخفاق في ا




.. تفاعلكم | شاهد.. عودة طاقم «أرتميس 2» للأرض بعد رحلتهم التار