الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


6. تطبيع القسوة: تفكيك المجتمع وتحويل الفقر إلى سلاح

عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)

2026 / 1 / 16
مواضيع وابحاث سياسية


لم يولد العنف في السودان من فراغ، ولم يكن مجرد أداة عرضية في الصراع السياسي. لقد كان العمود الفقري لبناء الدولة نفسها، ثم تحول إلى مرض اجتماعي متأصل يهدد بابتلاع المجتمع بأسره. هذه المسيرة الطويلة تكشف كيف تحولت القسوة من ممارسة دولة منظمة إلى ثقافة مجتمعية، ثم إلى حرب شاملة تأكل كل ما في طريقها.

بدأت الجذور مع الدولة الاستعمارية التي بنت سلطتها على الغزو العسكري الخالص. كانت الحملات التركية المصرية ثم البريطانية مشاريع إخضاع تعتمد على التفوق العسكري المادي. هذا العنف التأسيسي ترسخ عبر عقود من حكم عسكري-بيروقراطي حوّل الدولة من أداة لخدمة المجتمع إلى آلة قمع تحمي مصالح فئة ضيقة. تحول الجيش من مؤسسة وطنية إلى قوة احتلال داخلية، مهمتها حراسة النظام لا حماية الشعب.

كانت عملية التفكيك الاجتماعي التي سبقت الحرب الحالية سياسة منهجية. حين عجزت الدولة عن بناء اقتصاد منتج ونظام رعاية اجتماعية، لم تحاول معالجة الفقر، بل أعادت تعريفه بوصفه مورداً سياسياً وأمنياً يمكن توظيفه عند الحاجة. بدأ التحول الخطير من إدارة الفقر إلى تسليحه، ومن معالجة الهشاشة إلى استثمارها في مشاريع السيطرة.

إضعاف الروابط الاجتماعية الجامعة كان الاستراتيجية المركزية. تم تهميش النقابات العمالية والمهنية، وضربت التنظيمات المدنية، وشجعت الانقسامات القبلية والمناطقية كبدائل للهوية الوطنية الموحدة. استند هذا المسار إلى منطق حكم يرى في المجتمع المتماسك خطراً محتملاً، وفي المجتمع المفكك ضمانة للاستمرار. كلما تآكلت الثقة بين المجموعات الاجتماعية، تقلصت إمكانية الفعل الجماعي المنظم، واتسعت مساحة السيطرة عبر القوة الخالصة.

ومع تدهور الاقتصاد وانهيار المؤسسات، تحول العنف من احتكار دولة إلى سلعة في السوق المفتوحة. خصخصة الأمن ظهرت كحل لنخبة عاجزة عن توفير الحماية الشاملة، فسمحت بظهور ميليشيات تبيع الحماية لأعلى سعر. من "قوات الدفاع الشعبي" في الثمانينيات إلى "الجنجويد" في دارفور، ثم "قوات الدعم السريع" لاحقاً، كانت كلها حلقات في سلسلة تحول العنف من وظيفة دولة إلى صناعة خاصة. صار القتل مهنة، والأمن سلعة، والحماية امتيازاً يباع ويشترى.

تحويل الفقر إلى أداة ضبط كان الخطوة الحاسمة. تركت الدولة قطاعات واسعة من الشباب بلا تعليم فعال، ولا عمل كريم، ولا أفق اجتماعي. في هذا الفراغ، لم يعد السلاح استثناءً، بل صار خياراً عقلانياً في سياق غير عقلاني. الشاب الذي لا يجد مكانه في الاقتصاد أو السياسة، يجد في الميليشيا وظيفة ودخلاً وإحساساً زائفاً بالقيمة. هنا تتوقف الدولة عن كونها محتكرة للقوة، وتتحول إلى موزع غير مباشر لها عبر شبكات العنف الموازية.

الاقتصاد الحربي غذى هذا التحول عضوياً. حين أغلقت أبواب العمل المنتج، فتحت أبواب النهب. تحولت المناطق الغنية بالموارد - الذهب في الشرق، الأراضي الزراعية في الجزيرة، الماشية في كردفان - إلى ساحات صراع مسلح. لم تعد الحرب نزاعاً سياسياً، بل أصبحت نشاطاً اقتصادياً بحد ذاته. الميليشيا تحولت من مجموعة مسلحة إلى شركة عسكرية-اقتصادية تجمع بين القتل والتهريب والاستثمار في نفس الوقت.

المجتمع نفسه بدأ يمتص هذا المنطق المريض. مع انهيار الدولة وتفكك الروابط التقليدية، تحول العنف من ممارسة استثنائية إلى آلية اعتيادية لحل النزاعات اليومية. الصراعات على الأرض والماء والمراعي لم تعد تحل عبر الوساطة العرفية، بل عبر السلاح. حتى في المدن، تحولت العصابات المسلحة إلى قوة فعلية تحكم الأحياء وتفرض إتاواتها. ساد منطق البقاء للأقوى، وانهارت فكرة القانون والحقوق.

التحول النفسي الأعمق كان تحول العنف إلى هوية. في مجتمع محروم من فرص العمل والتعليم والخدمات، أصبح حمل السلاح مصدر فخر ووسيلة للانتماء. الميليشيا لم تقدم راتباً فحسب، بل قدمت هوية ومكانة اجتماعية. تحول القاتل إلى بطل في عيون من لا يجدون بطولة في ساحة أخرى. هذا التشويه النفسي جعل من الصعب إعادة دمج المقاتلين في المجتمع، لأن السلاح لم يعد مجرد أداة، بل أصبح جزءاً من تكوينهم الشخصي والهوياتي.

الخطاب السياسي والإعلامي ساهم في تطبيع هذه القسوة. تحولت اللغة نفسها إلى لغة حرب: "التطهير"، "الاجتثاث"، "المواجهة الشاملة". حتى الخطاب الديني استخدم لتبرير العنف، حيث قدم القتل كجهاد والغنيمة كحق شرعي. الإعلام الرسمي والشعبي أصبح ينقل صور العنف كأمر عادي، دون تحليل أو استنكار. تكرار المشاهد الدموية خلق تبلداً أخلاقياً، حيث لم يعد الدم يثير الرعب بل أصبح جزءاً من المشهد اليومي المتوقع.

حرب أبريل 2023 كانت الذروة المنطقية لهذا المسار الطويل. لم تكن بداية جديدة، بل كانت تتويجاً لعقود من تطبيع القسوة وتفكيك المجتمع. ما يحدث اليوم ليس صراعاً بين خيارين سياسيين، بل هو انفجار لمجتمع كله تحول إلى ساحة حرب. القتال لم يعد بين جيشين منتظمين، بل بين كل شيء: بين الجيران في الحي الواحد، بين أبناء القبيلة الواحدة، بين أفراد الأسرة نفسها. انفجر العنف لأن شروطه كانت مكتملة: دولة عاجزة، مجتمع مفكك، شباب محطم، وسلاح متاح في كل مكان.

هذه الحرب لم تدمر البنى المادية فحسب، بل دمرت فكرة المجتمع نفسه. الثقة بين الناس انهارت، والتضامن التقليدي تلاشى، والخوف أصبح هو الرابط الاجتماعي الوحيد. الأسوأ أن جيلاً كاملاً ينشأ على هذا العنف، معتقداً أنه القانون الطبيعي للأشياء. أطفال يتعلمون أن البندقية هي الحل، وأن القوة هي الحق، وأن القتل هو اللغة الوحيدة للتفاهم.

تطبيع القسوة هذا يخدم مصالح محددة بدقة. فهو يحول انتباه الناس عن الفساد المنظم والاستغلال البنيوي، ويجعلهم يركزون على النزاعات الجانبية والخلافات الهوياتية. ويخلق حالة من الفوضى المنظمة تتيح لشبكات النهب أن تعمل بحرية دون مساءلة. ويضمن في النهاية استمرار النظام القديم، لأن مجتمعاً منقسماً على نفسه لا يستطيع أن يوحد قواه للمطالبة بتغيير جذري.

الخروج من هذه الدائرة المميتة لا يأتي بمجرد وقف إطلاق النار أو توقيع اتفاقيات سلام. فالعنف لم يعد مجرد وسيلة سياسية، بل أصبح غاية في حد ذاته ونمط حياة متأصل. يحتاج السودان إلى عملية تحول شاملة لنزع فتيل المجتمع من العنف: نزع سلاح الميليشيات ليس كإجراء أمني فحسب، بل كعملية ثقافية واقتصادية واجتماعية معقدة.

يتطلب هذا إعادة بناء الاقتصاد ليوفر بدائل حقيقية عن اقتصاد الحرب، وإعادة تصميم التعليم لينمي قيماً إنسانية بدل قيم العنف، وإعادة تشكيل الدولة لتكون حامية للحقوق لا منتجة للخوف. لكن الأهم هو كسر دائرة العنف النفسي والهوياتي. يحتاج المجتمع إلى عملية مصالحة حقيقية لا تغطي الجروح بل تعالج جذورها، وإلى خطاب جديد يقدم لغة غير لغة الحرب، وإلى رؤية للمستقبل تجعل الحياة تستحق العيش من دون سلاح.

هذه المعركة أصعب من أي مواجهة عسكرية، لأنها معركة على العقل والقلب والذاكرة الجمعية. العنف في السودان تحول من أداة سياسية إلى مرض اجتماعي متجذر، وعلاجه يحتاج إلى أكثر من اتفاقيات سلام، بل إلى ثورة في طريقة تفكير المجتمع كله وعلاقته بمفاهيم القوة والسياسة والكرامة الإنسانية.

كما كتب الفيلسوف الفرنسي ألبير كامو: "العنف هو الاعتراف بالفشل". فشل السودان الأعمق ليس في عدم قدرته على وقف إطلاق النار، بل في تحوله إلى مجتمع يقبل بالعنف كمنطق للحياة وكطريقة للحكم على مدى عقود. الخلاص يبدأ برفض هذا القبول، وبإعادة اكتشاف لغة غير لغة السلاح، وحياة غير حياة الخوف.

النضال مستمر،،








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. بين أميركا وإيران.. كيف تؤثر شروط إسرائيل على مسار المفاوضات


.. سياق الحدث| ما الأفق الذي ينتظر المفاوضات المرتقبة في إسلام




.. فيصل أبو صليب: الرادارات القطرية المتطورة رصدت محاولات إيران


.. الوفد الإيراني المفاوض يصل العاصمة الباكستانية.. تعرف على أع




.. فرقة المظليين 82 تعزز الوجود العسكري الأميركي بالمنطقة