الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


4. تفكيك المجتمع وصناعة الميليشيا: كيف حوّلت الدولة الفقر إلى سلاح

عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)

2026 / 1 / 12
مواضيع وابحاث سياسية


الميليشيات التي تجتاح السودان اليوم ليست ظاهرة غريبة عن بنية الدولة، بل هي وليدة أحشائها. لقد ولدت هذه الجماعات المسلحة كحل عملي لمشكلة الدولة التابعة: كيف تحكم مناطق لا تملك فيها قاعدة اجتماعية؟ الإجابة كانت تفويض العنف. أصبحت الدولة تمنح السلاح والفوضى لقادة محليين، مقابل أن يحافظوا على النظام - نظام النهب والتبعية. وهكذا تحول شباب لا يجدون عملاً ولا مستقبلاً إلى وقود جاهز للصراع، وصار الفقر نفسه مادة خام للتجنيد.

هذا التحول لم يأت من فراغ، بل جاء بعد عقود من تدمير الريف السوداني. نزعت الدولة الأراضي الجماعية، وحطمت الزراعة التقليدية، وتركت شباب القرى بلا أرض ولا حرفة. أمام شاب لم يعد يملك سوى جسده الفارغ، يصبح البندقية خياراً منطقياً. ليس لأن يؤمن بأيديولوجيا، بل لأنه لا يجد خبزاً إلا بين أصابع الزناد. الميليشيا هنا ليست انتماءاً، بل وظيفة - وظيفة البقاء في عالم لم يعد يوفر وظائف.

الدولة عرفت هذا جيداً، ووظفته ببرودة. بدلاً من بناء مدارس في دارفور أو مستشفيات في كردفان، أرسلت تجار سلاح. تحول زعماء القبائل إلى وكلاء مسلحين، يبيعون ولاء شباب قبائلهم مقابل أسلحة وأموال. المراحيل أولاً، ثم الجنجويد، ثم الدعم السريع - كلها حلقات في سلسلة واحدة: خصخصة العنف. لم تعد الدولة تحتكر القوة، بل أصبحت تؤجرها لمقاولين محليين.

هذه ليست علامة ضعف الدولة، بل هي منطقها العميق. فالدولة التي لا تستطيع أن توظف شبابها في المصانع والحقول، تجندهم في الميليشيات. الدولة التي لا تبني مدارس، تفتح معسكرات تدريب. والأهم: الدولة التي تخشى من تضامن الفقراء عبر كل السودان، تفضل أن يقتتل هؤلاء الفقراء فيما بينهم. يصبح الصراع بين رعاة دارفور ومزارعي النيل الأزرق، بدلاً من أن يكون صراعاً بين كل الفقراء وبين النظام الذي أفقرهم.

الاقتصاد تبع هذا التحول بشكل طبيعي. حين تغلق أبواب العمل الشريف، تفتح أبواب النهب. الذهب في جبال البحر الأحمر، الماشية في سهول كردفان، الأراضي الزراعية في الجزيرة - كلها تحولت إلى غنائم. ولم تعد هذه الغنائم تبقى داخل السودان، بل تجد طريقها عبر شبكات التهريب إلى دبي وإسطنبول وأسواق العالم. الرأسمالية دخلت السودان لا عبر المصانع والاستثمارات، بل عبر البنادق والتهريب. صار السودان يصدّر العنف ويستورد الأسلحة، في دورة ميتة تقتل كل أمل في التنمية.

المدن نفسها لم تنجُ. فشباب الأحياء الفقيرة في الخرطوم وأم درمان، الذين حُرموا من التعليم والعمل، وجدوا في الميليشيات مهنة. تحولت الأحياء الشعبية إلى معسكرات تجنيد، وانهار الفرق بين الجندي والمدني. صار الجار يقاتل جاره، والابن يرفع السلاح في وجه حي أهله. تم ترييف المدينة، ليس بجلب تقاليد الريف، بل بجلب أسلوب حياة الريف الميليشياتي: حيث السلاح هو القانون، والعنف هو اللغة الوحيدة للتفاهم.

لهذا لا يجب أن ننخدع: الصراع اليوم بين الجيش والدعم السريع ليس معركة بين الدولة القانونية والعصابات الخارجية. إنه صراع بين قسمين من نفس الجسد المريض. الجيش يمثل الدولة الرسمية البيروقراطية المتعطشة للشرعية، والدعم السريع يمثل الدولة العميقة العنفية الأكثر كفاءة في القتل. كلاهما يتغذى من نفس الشجرة: شجرة الفقر واليأس التي زرعتها سياسات النظام على مدى عقود.

الميليشيا هي المرآة التي تظهر حقيقة الدولة السودانية بدون أقنعة. تكشف أن ما نسميه "دولة" هو في الحقيقة شبكة من العصابات المسلحة تتفق على تقاسم الغنيمة. تكشف أن العلم الوطني ليس رمزاً للسيادة، بل غطاءً لصفقات السلاح والذهب. تكشف أن المواطنة ليست حقاً، بل امتيازاً يُمنح لمن يملك سلطة إطلاق النار.

هذا النظام يحتاج إلى مجتمع مفكك ليبقى. يحتاج إلى أحياء متناحرة، وقبائل متصارعة، ومناطق متباغضة. لذلك يدمر المدارس التي تجمع الأطفال، والنقابات التي تجمع العمال، والجمعيات التي تجمع النساء. يزرع الكراهية كي يحصد الولاءات. يصنع العزلة كي يسهل التحكم.

الحرب اليوم ليست مجرد معارك في الشوارع. إنها آلية تفكيك نهائي للقوى الاجتماعية التي قد تشكل تحدياً طبقياً. كل يوم تستمر فيه الحرب، يتحول المزيد من القوى العاملة المحتملة إما إلى جثث أو إلى مقاتلين محترفين، مما يضعف أي إمكانية لبروز فاعل اجتماعي منظم. كل رصاصة لا تقتل إنساناً فحسب، بل تقتل إمكانية تشكل وعي طبقي موحد. وكل مدينة تُدمر لا تفقد مبانيها، بل تفقد شروط إعادة إنتاج المجتمع كقوة سياسية واعية.

الخلاص من هذه الدائرة لا يأتي من خطابات المصالحة، بل من كسر العلاقة العضوية بين اقتصاد الريع وإنتاج العنف. هذا يعني تحويل الموارد من تمويل الميليشيات إلى تطوير قوى إنتاج حقيقية، وتحويل الشباب من بضاعة في سوق الحرب إلى قوة عمل في عملية إنتاجية وطنية. لكن هذا التحول مستحيل دون انتزاع السيطرة على الموارد من شبكات النهب المسلحة، لأنه يتعارض مع مصالحها المباشرة.

كما قال فرانز فانون: "لا يتحرر الشعب إلا حين يحطم البنية التي صنعت عبوديته". بنية السودان الطبقية تصنع الميليشيات كأداة لإعادة إنتاج التبعية والفقر. تحطيم هذه البنية لا يعني إصلاح الدولة القائمة، بل بناء سلطة بديلة تمثل مصالح الطبقات المنتجة، وتعيد ربط الاقتصاد بالإنتاج لا بالنهب، والعنف بالدفاع عن المجتمع لا بتفكيكه.

النضال مستمر،،








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. ما هو الحصار البحري؟ • فرانس 24 / FRANCE 24


.. رغم مغادرة الوفدين باكستان.. هل لا تزال المفاوضات مستمرة بين




.. عاجل | ترامب يدرس توجيه ضربات محدودة لإيران بعد فشل المحادثا


.. انتخاب مجلس النواب مرشح الاتحاد الوطني الكردستاني نزار آميدي




.. الولايات المتحدة تعلن فرض حصار بحري شامل على الموانئ الإيران