الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


حرب السودان: تشريح التخلف وبنية العنف الطبقي

عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)

2026 / 1 / 6
مواضيع وابحاث سياسية


1. الدولة الاستعمارية-الرأسمالية كجهاز لإنتاج الجهل

حرب السودان الراهنة ليست حدثاً معزولاً بل تعبيراً حاداً عن تناقضات بنيوية تآكلت عبر تاريخ الدولة الحديثة. ينبع الصراع المسلح من التناقض الرئيسي بين جهاز دولة صُمم لخدمة كتلة طبقية مهيمنة وبين جماهير العمال والفلاحين والرعاة والمهمشين الذين جرى استبعادهم من الثروة والسلطة والمعرفة.

لم تكن الدولة السودانية يوماً أداة محايدة لتنظيم الصالح العام. لقد تشكلت كجهاز طبقي يكرس علاقات إنتاج مشوهة، حيث يتم تنظيم عملية نهب فائض القيمة المنتَج من الكادحين وإعادة توزيعه لصالح تحالف ضيق يضم كبار الضباط والبيروقراطيين والبرجوازية الوسيطة التابعة المتحالفة مع السوق العالمية، إضافة إلى شيوخ القبائل المتحولين إلى وسطاء استغلاليين.

تظهر فشل الاتفاقيات السابقة في تحقيق سلام دائم أن هذه الاتفاقيات كانت تسعى لترميم جهاز الدولة القائم لا لهدمه وإعادة بنائه على أسس طبقية جديدة. لقد عملت كأدوات في البنية الفوقية السياسية لإعادة إنتاج علاقات الهيمنة نفسها تحت شعارات المصالحة والوحدة الوطنية. السلام الحقيقي لا يولد من مفاوضات معزولة عن حركة الجماهير، بل هو نتاج تغيير جذري في علاقات القوة الطبقية.

تحول الجهل في هذا السياق من نتيجة ثانوية إلى أداة مركزية في ترسيخ الهيمنة. يُدار التعليم بوصفه مصنعاً لإنتاج الوعي الزائف، بينما يُحوّل الإعلام إلى جهاز ضخ دائم لأيديولوجيا تقدم الدولة ككيان فوق-طبقي. تدمير النظام التعليمي يكشف عن منطق طبقى صارم: إنتاج كوادر بيروقراطية وعسكرية تلبي احتياجات الطبقة المسيطرة، وتلقين الأغلبية الساحقة معرفة مشوهة تكرس الخنوع.

التخلف هنا ليس مجرد تأخر اقتصادي، بل هو الشكل الاجتماعي-الثقافي الذي تتخذه علاقات الإنتاج التابعة للإمبريالية. يعني حرمان الغالبية العظمى من القدرة على فهم الآليات المادية التي تسرق ثمار عملها، وتحويلها إلى مجرد أدوات في آلة إنتاج فائض القيمة.

الحرب الحالية هي صراع داخل الكتلة المهيمنة نفسها على حصة أكبر من الغنيمة، فيما يبقى الشعب السوداني وقوداً للصراع وضحيته الأساسية. ما يسمى "انهيار الدولة" هو في الواقع انكشاف لوهمها، فالدولة التي تعجز عن حماية حياة الناس وعن ضمان إعادة إنتاج المجتمع ليست دولة انهارت، بل دولة لم تبنَ إلا كواجهة لهيمنة طبقية.

يُطرح وهم "الحلول السريعة" من قبل الدوائر الإمبريالية والإقليمية وحلفائهم المحليين من البرجوازية الصغيرة الإصلاحية كجزء من الأيديولوجيا المهيمنة التي تهدف لنزع الطابع الطبقي عن الصراع. إنهم يروجون "الحوار" بين طرفي الحرب كما لو كانا كيانين سياسيين محايدين، لا جهازين عسكريين يمثلان مصالح طبقية متشابكة.

السؤال الحاسم إذن ليس كيف نوقف الحرب، بل كيف نحول هذا الانفجار العنيف إلى طاقة ثورية موجهة لهدم النظام الطبقي القائم. يتطلب ذلك بناء وعي طبقي منظم، وتحويل المعاناة إلى ممارسة ثورية تهدف إلى تحطيم آلة الدولة القديمة وبناء سلطة جديدة تمثل مصالح الطبقات الكادحة.

يكشف تحليل الحرب كعرض عن ضرورة رفض القراءات المثالية التي تبحث عن "الشرير" في شخصية أو جماعة. المطلوب هو تفكيك تاريخ تكون الدولة السودانية ككيان استعماري-رأسمالي هجين، وفهم كيف أنتجت علاقات الإنتاج شكلاً محدداً من الدولة ولّد تناقضاته الداخلية.

الحرب، في جانبها الأيديولوجي، هي معركة على العقل والذاكرة. تحرق المدارس وتنهب المكتبات لأن السيطرة على الوعي شرط للسيطرة على المجتمع. المقاومة الحقيقية تكمن في خوض معركة موازية على جبهة الوعي: بناء تعليم شعبي موازٍ، وخلق قنوات إعلامية تعاونية تفضح آليات الاستغلال.

كما كتب أنطونيو غرامشي، فإن الهيمنة لا تُمارس بالقمع فقط، بل وبالإقناع عبر احتكار إنتاج المعرفة. معركة السودان اليوم هي، في أحد وجوهها الحاسمة، معركة لانتزاع هذا الاحتكار من يد الطبقة المسيطرة. النصر العسكري لن يكون حاسماً إلا إذا رافقه انتصار في معركة الوعي، حيث تتحول الجماهير من موضوع للتاريخ إلى فاعل واع يصنعه.

النضال مستمر،،








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. ما أوراق دول الخليج على طاولة مفاوضات أميركا وإيران؟


.. رصد لأبرز ردود الفعل الإسرائيلية على جولة المفاوضات المرتقبة




.. محجوب الزويري: إيران تشرعن للاعتداء على سيادة الدول تحت ذريع


.. آلاف البحّارة والمشاة.. تعزيزات عسكرية أميركية إلى الشرق الأ




.. تفاصيل كمين استهدف عناصر FBI ودبلوماسيين أميركيين في بغداد