الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


حكايات إفريقية: بوركينا فاسو وساحل العاج.. شكوك تاريخية وإصبع فرنسي..

حسين محمود التلاوي
(Hussein Mahmoud Talawy)

2026 / 1 / 6
الإستعمار وتجارب التحرّر الوطني


حتى أوائل القرن التاسع عشر كانت المجتمعات الإفريقية تعيش حياتها الإفريقية بامتياز.. ممالك تحكمها قبيلة تتحالف مع قبائل أصغر حجمًا.. أو زعماء محليون.. تنظيم إداري يتفاوت بين منطقة وأخرى لعوامل تتعلق بالبيئة، والمؤثرات، والانتماء العرقي، والمعتقدات الدينية..
ثم جاءت فرنسا...!
غزت فرنسا مناطق كثيرة في القارة الإفريقية، بل إن أجزاء واسعة من الغرب الإفريقي كان يسمى غرب إفريقيا الفرنسية..
لكن الاحتلال لم يكن عاصفًا، بل كان تدريجيًّا.. وصول إلى السواحل.. تأسيس مناطق محمية.. علاقات مع زعماء محليين.. تأسيس تحالفات.. بسط حماية.. هجمات مسلحة.. سيطرة على الأرض.. إنشاء تنظيم إداري لإحكام السيطرة.. وفي النهاية، مرحبًا بكم في المستعمرات الفرنسية..
كانت ساحل العاج (كوت ديفوار بناءً على رغبتهم) نموذجًا كلاسيكيًّا لهذا المسار.. سال اللعاب الفرنسي للثروات الطبيعية التي تكتظ بها الأرض العاجية.. لكن عدد السكان لا يكفي للعمل واستخراج الكنوز التي تتزاحم في باطن الأرض وعلى سطحها..
لذلك التفتت الأعين الفرنسية إلى الأراضي المجاورة.. مملكة واجادوجو (الموسي).. تلك المملكة التي صارت فيما بعد فولتا العليا، قبل أن تصبح بوركينا فاسو..
في أواخر القرن التاسع عشر، تغلبت القوات الفرنسية على مملكة، واجادوجو وبسطت فرنسا سيطرتها.. لكن الأراضي البوركينية فقيرة نسبيًّا قياسًا على ساحل العاج الثرية بالمحاصيل الزراعية.. لم تكن الأراضي البوركينية قد باحت بسر اليورانيوم الذي لم يكن معروفًا كذلك..
تفتق الذهن الاستعماري الفرنسي عن فكرة؛ وهي إدارة فولتا العليا وساحل العاج كوحدة اقتصادية واحدة.. بوركينا فاسو ترسل الموارد البشرية.. ساحل العاج مركز اقتصادي ومصدر للثروات الطبيعية..
ومن هنا بدأت المشكلة..
تدفق البوركينيون على ساحل العاج، واستقروا في المناطق الشمالية القريبة من بلادهم الأصلية..
ولم يعودوا حتى بعد تأسيس فرنسا لمستعمرة بوركينا فاسو بعد الحرب العالمية الأولى؛ وتحديدًا عام 1919.. بل إن مجريات التاريخ عززت الوجود البوركيني داخل ساحل العاج، بعدما قسمت فرنسا أراضي بوركينا فاسو بين النيجر ومالي (التي كان تسمى وقتها السودان الفرنسي)، وساحل العاج عام 1932..
بمرور الزمن، تحول الوجود البوركيني في ساحل العاج إلى أكبر تواجد أجنبي على الأراضي العاجية.. لكن ذلك لم يمثل مشكلة حتى بعد إعادة فرنسا تشكيل بوركينا فاسو عام 1947.. وحتى بعد نيل البلدين الاستقلال عن فرنسا.. استمر الوجود البوركيني في شمال ساحل العاج، وتحولوا إلى مواطنين هناك..
صحيح لم تكن هناك مشكلات، لكن فرنسا خلقت الحساسيات.. انحازت فرنسا دومًا إلى الجنوب الثري بالموارد ضد الشمال الفقير في ساحل العاج، وانحازت إلى ساحل العاج ضد بوركينا فاسو، بل إنها قسمت الأراضي البوركينية مانحةً ساحل العاج جزءًا...!
لكن ظلت الأمور في نطاق الحساسيات، ولم تبدأ المشكلات إلا بعد وفاة الرئيس التاريخي العاجي فيلكس هوفي بوانيه عام 1993..
بعد وفاته وبدء الأزمات الاقتصادية، بدأ يتنامى إحساس لدى العاجيين بأن المهاجرين البوركينيين في الشمال باتوا عبئًا على الدولة والمجتمع، وتبلورت مع الحرب الأهلية العاجية (2002-2011) فكرة "الإيفوارية"؛ أي الشعور بالانتماء القومي.. كان من عوامل هذا الشعور الدعم المشتبه به من رئيس بوركينا فاسو الأسبق إلى المتمردين العاجيين في الشمال ضد الجنوب المدعوم من فرنسا.. كان كومباوري حليفًا لفرنسا، وانقلب على رفيقه سانكارا الذي تبنى توجهًا معاديًا لفرنسا المستعمر السابق.. لكن العلاقات بين كومباوري وفرنسا ساءت.. ويقال إنه دعم المتمردين الشماليين في الحرب الأهلية العاجية..
تسبب هذا الإحساس بالإيفوارية في تحول الحساسيات إلى مشكلات اجتماعية، وصلت إلى ساحات التنافس السياسي، حتى إن الرئيس الحالي لساحل العاج الحسن واتارا تعرض للإقصاء السياسي برفض نتائج الانتخابات التي فاز بها عام 2011 لمجرد أنه ينحدر من أصول بوركينية من بوركينيي شمال ساحل العاج..
اتسعت الفجوة بين ساحل العاج وبوركينا فاسو بسبب فرنسا.. فشهدت بوركينا فاسو انقلابين عام 2022، أفضيا إلى صعود الكابتن عمر تراوري إلى رئاسة البلاد بتوجهاته الرامية إلى القطيعة مع فرنسا؛ وهي التوجهات التي لها مثيلاتها في مالي والنيجر بعد الانقلابات المماثلة داخلها.. في المقابل تبقى ساحل العاج حليفًا موثوقًا لفرنسا في الغرب الإفريقي..
اليوم يتنافس منتخبا ساحل العاج وبوركينا فاسو في بطولة كأس الأمم الإفريقية بالمغرب ضمن منافسات دور الـ16 في البطولة التي يحمل العاجيون لقبها..
تنافس يفترض أن يكون بين بلدين جارين عانى كل منهما من جرائم الاستعمار الفرنسي.. لكنه يجري في أجواء تظللها كآبة واحدة من تلك الجرائم؛ وهي استغلال الفرد والأرض لتحقيق رفاهية بلد الاستعمار، وتمويل آلته الإجرامية..








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. أميركا تعلن موعد بدء الحصار على الموانئ الإيرانية.. هذه التف


.. رئيس الحكومة اللبنانية: أخطأ كل من لجأ إلى دعم خارجي فوجد نف




.. مراسل الجزيرة: عودة 69 شخصا إلى قطاع غزة بعد استكمال علاجهم


.. نقاش الساعة - لمن ستكون الكلمة العليا في مضيق هرمز؟




.. تقارير: ترمب يدرس توجيه ضربات محدودة لإيران