الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
عن تيك توك وغسيل الأموال والفقر الحضاري: هل نحن مجتمع -تافه-؟
حسين محمود التلاوي
(Hussein Mahmoud Talawy)
2025 / 12 / 30
قضايا ثقافية
كي لا أطيل في الإجابة عن هذا السؤال، أقول: لا، بفضل الله لسنا، في مصر، شعبًا تافهًا، لكن كل ما في الأمر أننا شعب كبير العدد. فإذا افترضنا أن عددنا 112 مليون نسمة، فإن 1% من هذا العدد يعادل نحو مليون ومئتي ألف شخص، ولنقل مليونًا تقريبًا. فإذا افترضنا أن 1% فقط من المجتمع يعاني التفاهة، فهذا يعني وجود مليون شخص تافه؛ وهو عدد قد يساوي تعداد سكان دولة. وإذا افترضنا أن 10% فقط من هؤلاء لديهم اتصال بالإنترنت، فهذا يعني وجود مئة ألف شخص. وإذا افترضنا أن 10% فقط من هؤلاء أثرياء، لا مجرد ميسوري الحال، فإننا نتحدث عن عشرة آلاف شخص قادرين على الاتصال بالإنترنت، وعلى درجة من الثراء والتفاهة تتيح لهم إرسال الأموال عبر تيك توك للمشاهير وغيرهم.
هذه، بالطبع، إحصاءات افتراضية عشوائية، لكنها تشير – في الحد الأدنى – إلى رقم لا يقل عن عشرة آلاف شخص؛ وهو عدد كافٍ لإحداث ضجيج حقيقي في الفضاء الافتراضي.
غير أن المسألة لا تقف عند هذا الحد. فكما أننا شعب كبير العدد، فإن لدينا أيضًا نسبًا مرتفعة من الفقر؛ وهو ما يخلق بيئة مواتية لنمو بعض الأنشطة الهامشية غير التقليدية؛ مثل احتراف التفاعل عبر الإنترنت. وبما أن هذه الأنشطة هامشية وغير تقليدية، فإنها تكون بعيدة عن رقابة المجتمع بأدواته المختلفة؛ سواء سلطة الأسرة داخل البيت، أو سلطة الدولة داخل المجتمع. وحين تخرج هذه الأنشطة عن السيطرة، تتحول إلى وسط حيوي مناسب لنمو أنشطة غير مشروعة، وعلى رأسها غسيل الأموال.
كيف تُغسَل الأموال؟
لدينا، على سبيل المثال، شخص فاسد: تاجر مخدرات، أو آثار، أو سلاح، أو كل ذلك معًا، جمع أموالًا لا يستطيع الاستفادة منها بصورة طبيعية، ولا يمكنه إيداعها في البنوك. ماذا يفعل؟! فطيلجأ إلى تأسيس شركة تتعامل مع تيك توك، ويستقطب مجموعة من الشباب الذين لا تتوافر أمامهم فرص عمل حقيقية، مع إغرائهم بتحقيق ربح سريع. تتفق الشركة مع هؤلاء الشباب على الدخول إلى حسابات مشاهير بعينهم، تكون الشركة نفسها على تنسيق مسبق معهم. يتفاعل الشباب مع هؤلاء المشاهير، فتتدفق الأموال الناتجة عن المشاهدات إلى حساباتهم، ثم تدخل الأموال القذرة إلى حسابات الشركة باعتبارها أرباحًا من تيك توك، فتتحول ظاهريًا إلى أموال "شرعية".
المسألة، في الواقع، أكثر تعقيدًا من هذا العرض، لكن هذا تبسيط غير مخل بجوهر الفكرة.
تهريب سموم، وسرقة ثروات..
وقد يُطرح سؤال: لماذا لا يلجأ صاحب هذه الأموال إلى بناء عقارات أو شراء أراضٍ؟ هذا يحدث بالفعل، لكن أولًا حجم الأموال يكون ضخمًا، وثانيًا: نحن أمام شخص يضخ سمومًا في المجتمع عبر المخدرات، ويسرق ثروته عبر تهريب الآثار. ومن الطبيعي أن تطلب منه الشبكات الخارجية التي تسلّمه المخدرات أو تشتري منه الآثار أن يُدخل نوعًا آخر من السموم إلى المجتمع، يتمثل في الترويج لأفكار وأنماط من المشاهير على تيك توك، ودفعها إلى الظهور والانتشار، بحيث يبدو أمام المجتمع أن لها شعبية حقيقية، وأمام الشباب أن هناك شبابًا "عاديين"، يدفعون الأموال ويدعمون هذا المحتوى. وهكذا يتشكّل مظهر زائف للمجتمع أمام نفسه، فنبدأ في وصفه بالانحراف والتفاهة، ونفقد الثقة في بعضنا وفي المجتمع ككل. وبهذا لا تُسرق الآثار فقط، بل تُسرق أيضًا ثروات أخرى أخطر؛ مثل الموارد البشرية، وطاقات الشباب، والتماسك الاجتماعي.
هذا يشبه إلى حد بعيد ما يحدث في شركات إنتاج ما يُعرف بأغاني المهرجانات، وعمليات تلميع من يُطلق عليهم "مطربو" المهرجانات.
ولأن لديَّ حسابًا على تيك توك، تصلني إعلانات ترويجية كثيرة، وعروض عمل متعلقة باحتراف التفاعل على المنصة. أستمع إلى العرض حتى نهايته بدافع المعرفة، ثم أرفضه بعد ذلك.
أين الدولة؟!
ماذا عن دور الدولة؟ لقد بدأت بالفعل في محاصرة هذه الظاهرة، لكن المشكلة أن أطرافًا نافذة متورطة فيها، والفساد في مجتمعنا واقع لا يمكن إنكاره. لذلك تسير الإجراءات ببطء شديد، بل ببطء ملحوظ.
وفي الختام، نحن شعب محترم. نعم، يمكن القول إن نسبة كبيرة منا تعاني الفقر، لكننا شعب ثري أخلاقيًا وحضاريًا. لسنا "شعب تيك توك". لا يزال الخير فينا، وسيظل فينا، بفضل الله، لكننا بحاجة إلى أن تبذل الدولة جهدًا أكبر وأسرع.
مرة أخرى أقول إننا لسنا شعب تيك توك، ولا شعب من تقول إنها إذا وقفت على أموالها، تستطيع أن ترى زامبيا. نحن شعب مكافح، باني حضارة، وصاحب بصمة واضحة في تاريخ الإنسانية عبر جميع مراحله وعصوره.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. هرمز تحت السيطرة الأميركية.. هل خسرت إيران أخطر أوراقها؟
.. نقاش الساعة| دلالات إعلان الرئيس الأمريكي حصار مضيق هرمز وال
.. جولة الصحافة | يديعوت أحرنوت: واشنطن تريد التوصل إلى اتفاق ج
.. مسار يوم كامل من المفاوضات والمواقف المعلنة بعد الإخفاق في ا
.. تفاعلكم | شاهد.. عودة طاقم «أرتميس 2» للأرض بعد رحلتهم التار