الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


عُنْفُ اللُّغَةِ / ضِدَّ اِمْتِلاَكِ المَعْنَى

ميشيل الرائي

2025 / 12 / 30
الادب والفن


دَعُونِي لا أَبْدَأُ لِأَنَّ البَدْءَ نَفْسَهُ فِعْلُ عُنْفٍ مِيتَافِيزِيقِيٌّ يَفْتَرِضُ أَصْلًا لَمْ يُوجَدْ قَطُّ وَيُقِيمُ سُلْطَةً وَهْمِيَّةً عَلَى مَا لَمْ يُسْتَدْعَ بَعْدُ.
البَدْءُ يَفْتَرِضُ نُقْطَةَ صِفْرٍ وَالأَصْلُ هُوَ أَكْثَرُ أَكَاذِيبِ الفَلْسَفَةِ رُسُوخًا لِأَنَّهُ يَمْنَحُ الفِكْرَ طُمَأْنِينَةً زَائِفَةً وَيُصَادِرُ قَلَقَهُ المُنْتِجَ.
مَا أُسَمِّيهِ لُغَةً لَا يَمْلِكُ زَمَنًا أَوَّلَ وَلَا لَحْظَةَ تَأْسِيسٍ لِأَنَّهَا لَا تُولَدُ بَلْ تُقْتَلَعُ وَتُعَادُ كِتَابَتُهَا مِنْ مَوْضِعٍ غَائِبٍ لَا يُمْكِنُ اسْتِعَادَتُهُ وَلَا الِاعْتِرَافُ بِهِ.
اللُّغَةُ لَا تُنْشَأُ بَلْ تُفْرَضُ وَتَعْمَلُ كَجُرْحٍ مَفْتُوحٍ يُعِيدُ كِتَابَةَ نَفْسِهِ كُلَّمَا تَوَهَّمَ أَنَّهُ الْتَأَمَ.
قَبْلَ الجُمْلَةِ وَقَبْلَ الكَلِمَةِ وَقَبْلَ الصَّوْتِ الَّذِي يَدَّعِي النَّقَاءَ هُنَاكَ الأَثَرُ بِوَصْفِهِ شَرْطَ الظُّهُورِ لَا بَقَايَاهُ.
الأَثَرُ لَيْسَ مَا يَتَبَقَّى بَعْدَ الحُضُورِ بَلْ مَا يَجْعَلُ الحُضُورَ مُسْتَحِيلًا مُنْذُ البِدَايَةِ وَيُبْقِي المَعْنَى فِي حَالَةِ نَزْفٍ دَائِمٍ.
الفَلْسَفَةُ الغَرْبِيَّةُ مِنْ أَفْلَاطُونَ حَتَّى هُوسِرْلَ لَمْ تَكُنْ إِلَّا مُطَارَدَةً عِصَابِيَّةً لِصَوْتٍ نَقِيٍّ لِمَعْنًى يَسْمَعُ نَفْسَهُ بِنَفْسِهِ لِوَعْيٍ مُتَطَابِقٍ مَعَ ذَاتِهِ بِلَا مَسَافَةٍ.
لَكِنَّ الصَّوْتَ لَا يَسْمَعُ نَفْسَهُ إِلَّا لِأَنَّهُ مُنْشَقٌّ مُؤَجَّلٌ مُنْفَصِلٌ عَنْ ذَاتِهِ مَشْرُوطٌ بِمَا لَيْسَ هُوَ وَإِلَّا لَصَمَتَ إِلَى الأَبَدِ.
لِذَلِكَ قُلْتُ إِنَّ الكِتَابَةَ لَيْسَتْ لَاحِقَةً عَلَى الكَلَامِ بَلْ أَقْدَمَ مِنْهُ بِنْيَوِيًّا لِأَنَّهَا الِانْفِصَالُ الأَصْلِيُّ الَّذِي يَجْعَلُ المَعْنَى مُمْكِنًا فَقَطْ لِأَنَّهُ غَيْرُ قَابِلٍ لِلِاحْتِكَارِ.
حِينَ تَتَصَارَعُ الكَلِمَاتُ فَذَلِكَ لَيْسَ خَلَلًا لُغَوِيًّا بَلْ لَحْظَةَ صِدْقٍ لِأَنَّ اللُّغَةَ تَعْمَلُ حِينَ تَتَشَقَّقُ وَتَكْذِبُ حِينَ تَتَظَاهَرُ بِالِانْسِجَامِ.
اللُّغَةُ تَفْشَلُ فِي تَمْثِيلِ مَا تَدَّعِي تَمْثِيلَهُ وَهٰذَا الفَشَلُ هُوَ فَضِيلَتُهَا الوَحِيدَةُ.
خُذُوا مَفْهُومَ البِنْيَةِ فَالبِنْيَوِيَّةُ ادَّعَتِ التَّحْرِيرَ لٰكِنَّهَا أَبْقَتِ المَرْكَزَ وَبَدَّلَتِ اسْمَهُ دُونَ أَنْ تَمَسَّ سُلْطَتَهُ مَرَّةَ العَقْلِ مَرَّةَ اللُّغَةِ مَرَّةَ الثَّقَافَةِ.
المَرْكَزُ يَظَلُّ مَرْكَزًا مَا دَامَ يُنَظِّمُ اللَّعِبَ وَيُرَاقِبُهُ وَيَمْنَحُ نَفْسَهُ حَقَّ التَّحْكِيمِ الأَخِيرِ.
أَنَا لَا أُزِيلُ المَرْكَزَ بَلْ أَفْضَحُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا وَأَنَّ مَا كَانَ يَعْمَلُ هُوَ لَعِبُ الِاخْتِلَافِ حَرَكَةٌ بِلَا أَصْلٍ وَلَا نِهَايَةَ وَلَا ضَمَانَةَ.
السِّيَاجُ غَيْرُ المَرْئِيِّ لَيْسَ حَدًّا خَارِجِيًّا بَلْ قَانُونًا صَامِتًا يَعْمَلُ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَنُ وَلِأَنَّ الكَلِمَاتِ تُنْتَجُ دَاخِلَهُ دُونَ أَنْ تَرَاهُ.
حِينَ نَقُولُ المَطَرُ يَتَسَاقَطُ كَالرَّمَادِ فَنَحْنُ لَا نَصِفُ الطَّبِيعَةَ بَلْ نُعَرِّي اللُّغَةَ لِأَنَّ الرَّمَادَ زَمَنٌ مُحْتَرِقٌ لَا صُورَةٌ وَالمَعْنَى لَا يَظْهَرُ إِلَّا بَعْدَ احْتِرَاقِهِ.
المَسَاءُ لَيْسَ لَحْظَةً بَلْ إِعَادَةَ كِتَابَةٍ قَسْرِيَّةً لِلزَّمَنِ كُلُّ مَسَاءٍ أَثَرٌ وَكُلُّ أَثَرٍ خِيَانَةٌ لِمَا سَبَقَهُ وَالزَّمَنُ نَصٌّ بِلَا مُؤَلِّفٍ.
أَمَّا الذَّاتُ فَهِيَ أَكْبَرُ عَمَلِيَّةِ احْتِيَالٍ لِأَنَّ الذَّاتَ لَا تَسْبِقُ اللُّغَةَ بَلْ تُنْتِجُهَا اللُّغَةُ كَأَثَرٍ وَقَوْلُ أَنَا لَيْسَ حُضُورًا بَلْ عَلَامَةَ انْفِصَالٍ.
الذَّاتُ لَا تَحْضُرُ بَلْ تُسْتَدْعَى وَلَا تَأْتِي كَامِلَةً لِأَنَّ الِاكْتِمَالَ نَفْسَهُ خُدْعَةٌ سُلْطَوِيَّةٌ.
العُزْلَةُ وَالحَنَانُ لَا يَتَعَارَضَانِ لِأَنَّ التَّعَارُضَ يَفْتَرِضُ ثَبَاتَ المَعْنَى وَهُنَا لَا ثَبَاتَ بَلْ عَلَامَتَانِ تَتَحَرَّكَانِ دَاخِلَ شَبَكَةٍ تَرْفُضُ الحَسْمَ.
وَحِينَ أَقُولُ إِنَّ التَّفْكِيكَ لَيْسَ مَنْهَجًا فَلِأَنَّ المَنْهَجَ طَرِيقٌ مُعَبَّدٌ بَيْنَمَا التَّفْكِيكُ يَحْدُثُ حَيْثُ يَنْقَطِعُ الطَّرِيقُ وَحَيْثُ يُصْبِحُ الجَوَابُ أَكْثَرَ فَظَاعَةً مِنَ السُّؤَالِ.
التَّفْكِيكُ لَيْسَ ضِدَّ المَعْنَى بَلْ ضِدَّ امْتِلَاكِهِ وَلَيْسَ ضِدَّ الحَقِيقَةِ بَلْ ضِدَّ إِغْلَاقِهَا بِالعُنْفِ المَفْهُومِيِّ.
وَلِهٰذَا كُلُّ خِطَابٍ يَدَّعِي الِاكْتِمَالَ خِطَابٌ سُلْطَوِيٌّ وَكُلُّ خَاتِمَةٍ إِقْصَاءٌ مُقَنَّعٌ.
سَأَقِفُ هُنَا لَا لِأَنَّ الحَفْرَ انْتَهَى بَلْ لِأَنَّ الأَرْضَ غَيْرُ مُسْتَقِرَّةٍ وَكُلُّ خُطْوَةٍ إِضَافِيَّةٍ إِمَّا سُقُوطٌ أَوْ بِدَايَةٌ بِلَا اسْمٍ وَلَا ضَمَانٍ








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. سرديات أونلاين | بين الحقيقة والرواية: كيف تتحول المجازر إلى


.. كيف شكلت عقدة -اليهودي الضعيف- ثقافة القوة في إسرائيل؟




.. أتصور في ورشته أفلام وزاره نجوم كتير.. رحلة كفاح -عم أحمد- ف


.. الاستاذ الأديب مبارك عمرو العماري




.. شيرى عادل بعشق اغانى زمان ووالدتى كان نفسها أكمل غناء ودخلت